ذاكرة الأحلام المؤجّلة! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 22 أغسطس 2026 7:50 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

ذاكرة الأحلام المؤجّلة!

نشر فى : السبت 22 أغسطس 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : السبت 22 أغسطس 2026 - 6:30 م

 

أجمل ما تهديه هذه الرواية لقارئها أنها تعيد قراءة تاريخ بورسعيد بشرًا ومدينة، عبر تفاصيل الحياة اليومية وطقوسها وأغنياتها، كما أنها تفكك الماضى كله، ليس من باب جلب التعاطف والمظلومية، وإنما من بوابة مواجهة الخيبات، وربما المسئولية عنها، والأجمل أن هذه الرؤية الناضجة لسيرة المدينة وأفرادها وأحوالها تتم عبر ألعاب سردية فيها الكثير من الحرية، وباستخدام مزيج من لغة الواقع وكثافة اللغة الشعرية الموحية.

الرواية الصادرة عن دار الشروق بعنوان «انخدعنا» للكاتبة دينا شحاتة، والعنوان يحمل اسم أغنية للراحل حسن الأسمر، ولكنه أيضًا عنوان الرحلة بأكملها، ومن عدة زوايا للرؤية، بحيث يمكن القول إن الخدعة قد طالت بطل الرواية طارق العايق، مثلما طالت المدينة نفسها. وبينما نظن فى الصفحات الأولى من الرواية أن الخداع يجعل من الشخصيات ضحايا غير مسئولين، فإن الصفحات الأخيرة تجعل الكل مسئولًا ومتورطًا، بل وتبدو فكرة استمرار الخدعة والانخداع حيلة هروبية من مواجهة الواقع، ووسيلة مضمونة وآمنة للاستسلام المرفوض.

لكن قوة الرواية ليست فى فكرتها فحسب، وإنما فى بنائها ونسيجها السردى، ذلك أن دينا اختارت أن يكون السرد عبر جولات من لعبة الدومينو، كل جولة تنفتح على جزء من حياة طارق العايق، تقاطعًا مع تاريخ بورسعيد منذ ظهورها بعد حفر القناة. تتبدّل أحوال المدينة، وتتغيّر أحوال بطلها، ولكن اللعب مستمر، والخيبات أيضًا مستمرة، يتوالى سقوط بلاطات الدومينو، حتى ينتهى الدور، ورغم السقوط لا يتوقف طارق عن تفريغ الذاكرة، ولا تتوقف المدينة عن الحكى.

هنا حيلة ذكية لإعادة بعث الذاكرة الفردية والجماعية، حيث يتبادل السرد الراوى العليم، وصوت طارق الشخصى، وصوت المدينة، وتنتهى أدوار اللعبة بالقفلة الأخيرة، ويبدو أنها لعبة لن تتوقف أبدًا، رغم استمرار الخيبات والخسارات.

أتاح هذا الاختيار الفنى زوايا مختلفة لقراءة الحكاية، وانتقالات زمانية تركز على اللحظات الأهم فى حياة طارق، وفى حياة المدينة، مع الانتقال السلس من الخاص إلى العام وبالعكس، كما أتاح أيضًا تقديم تفاصيل واقعية حميمية، وقد ضُفّرت بالتاريخ العام، وبتعليقات على ما جرى، تستهدف كسر الاندماج، وتتيح تأمل ما جرى، والتفكير فيه.

طارق العيسوى، أو طارق العايق، القاطن فى حى العرب، والعائش على أمل الزواج من حبيبته ميرفت الغريب، لم يحصل إلا على دبلوم الصنائع، قسم الكهرباء، ولكن حياته العملية فارغة، ينتقل من فشل إلى فشل، تجارته مع صديق عمره انتهت إلى الاستدانة، والعودة للعمل عند الآخرين، ورغم أنه تزوّج أخيرًا من ميرفت، فإنه سرعان ما واجه واقع الفقر والمسئولية العائلية، بعد أن أنجب ولدًا وبنتًا، وكلما مرت السنوات عليه أن يقاوم فكرة الفرار وتطليق حب عمره، مثلما عليه أن يروّض أيامه بجلسات المقهى، حيث لعبة الدومينو، وأغنيات الضمة والسمسمية، وأغنيات معشوقه حسن الأسمر، وبالذات أغنية «انخدعنا».

هذا «البطل الضدّ» الذى لا يفعل شيئًا يحكى مظلوميته، يتحدث عن سنوات العمر الهاربة، عن صعود أصدقاء الماضى فى هوجة الانفتاح، بينما هو فى مكانه، حتى ناديه المفضل (النادى المصرى) يتعرض للعقاب بعد مذبحة استاد بورسعيد الشهيرة، وحتى فرحة كرة القدم، وقميص النادى الأخضر صارا عناوين على الأسى والكدر.

يتراكم لديه شعور عارم بالخذلان والخديعة، ولكن صوت الراوى العليم يتأمل ويواجه، وصوت المدينة يشهد ويتذكر، تبدو خيبات طارق جزءًا من سلسلة خيبات خاصة وعامة بلا نهاية، وتبدو اللعبة خاسرة دائمًا، حتى قبل أن تبدأ.

تُستعاد الحكايات والشخصيات العادية فى الحى الفقير، وترثى المدينة ضحاياها الذين عرفتهم مبكرًا وهم يحفرون قناة السويس، أو وهم يقاومون العدوان فى العام 1956، أو وهم يموتون على السياج الفاصل بين حى العرب، والحى الإفرنجى، أو وهم يتركون بيوتهم ويهاجرون بعد حرب 1967.

تصبح مأساة طارق جزءًا من مأساة أكبر، دون أن يكون بريئًا مما وصل إليه، اعتمد على أسطورة الخداع، وأسطورة غياب الأب الذى توفى مبكرًا، أراد أن يلقى مسئوليته على والده، وأن يصدق مؤامرة الأيام، ولم يفكر أبدًا فى المواجهة، طيبٌ ونبيلٌ وعاشقٌ ومغنواتى وصاحب صاحبه، ولكنه لم يكن فى مستوى الحكاية، وكان يختار الهروب فى كل الحالات.

تؤلمه الخديعة، وتصدمه الظروف الصعبة، ولكنها تمنحه عكازًا، وتعطيه أعذارًا، فلا يتغير شىء فى حالته، يكبر الأولاد، وتكبر الزوجة ميرفت، وتشيخ المدينة، وتتغير أوجهها، ويصبح الرهان الوحيد أن تظل واقفًا، وأن تتحدى النسيان بالذاكرة، ومن يدرى، ربما تصل الحكايات إلى جيل الابن محمود، فيفهم الحياة ويواجهها بشكل أفضل.

ربما لم يكن السرد فى حاجة إلى تذكير القارئ دائمًا بلعبة الأصوات الثلاثة، أو شرح ما يفعله الراوى العليم، لأننا دخلنا اللعبة بالفعل، ولأن القارئ سيكتشف اللعبة بنفسه، وبدون تفسير، ولكن الرواية حافظت على تماسكها، رغم أن منهجها التفكيك الدائم، ورغم مزيج الأغنيات والتاريخ الرسمى والحكايات العادية، كما أنها صنعت لونًا وحالة مدهشة من الشجن.

نلمس حدود المأساة، ولكننا نقف عند حدود الشجن، الذى يفتح أبواب التأمل، ولا شىء يثير التأمل مثل تحولات المدينة من النضال فى الحرب، إلى النضال من أجل الرزق، من حرق اللينبى فى مهرجان معروف، إلى ساحة لتهريب البضائع بعيدًا عن عيون رجال الجمارك، من صعود النادى المصرى كمنافس لأندية الأجانب، إلى محنة «المصرى» بعد كارثة الاستاد الدموية.

يسرى الزمن كبطل مستتر وراء الحكايات، ولعبة الدومينو، وتبقى الأغنيات كأجزاء لا يمكن الاستغناء عنها من الذاكرة، وتنتهى اللعبة بالتعب وربما بالملل، لعبة الحياة ولعبة المدينة، ولعبة طارق وميرفت التى تعبِّر عن عشرات الحكايات المماثلة. لعلها أيضًا رواية «الأحلام المؤجلة»، أو «الأحلام المعلّقة»، ولكن ليس أمام الشخصيات سوى أن تستمر حياتها، وأن تتكيف مع أحوالها، وأن تعود إلى بلاطات الدومينو الفارغة والمرقّمة، لتستمر اللعبة من جديد.

كان طارق العايق ابن المدينة، أعطته الطريق، ولكنها لم تعلّمه المشى.

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات