أنعتذر من كتب لم نقرأها؟ - صحافة عربية - بوابة الشروق
السبت 5 سبتمبر 2026 7:52 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

أنعتذر من كتب لم نقرأها؟

نشر فى : السبت 5 سبتمبر 2026 - 6:20 م | آخر تحديث : السبت 5 سبتمبر 2026 - 6:20 م

خصصتُ شهر يوليو المنقضى لقراءة الروايات فقط. وضعتُ قائمة من روايات عربية وأجنبية متفاوتة الحجم، بينها روايتان على الأقل يمكن وضعهما فى خانة «نوفيلا»، بينها روايات حديثة الصدور، وروايات أخرى مضى عليها سنوات بل وعقود، ظلت مركونة على أرفف مكتبتى بانتظار أن أقرأها يومًا. وبعد الفراغ من قراءة روايات أسرتنى، قلتُ لنفسى: لماذا تأخرت عن قراءتها وأضعت على نفسى متعة العيش فى أجوائها كل هذه السنوات؟


وأنا فى أجواء هذا التساؤل، طالعتنى عبارة جميلة مأخوذة من كتاب البرتو مانجويل «المكتبة فى الليل» يقول فيها: «ليس لدى شعور بالذنب تجاه الكتب التى لم أقرأها وربما التى لن أقرأها. أعرف أن لكتبى صبرًا لا ينفد ستنتظرنى حتى نهاية حياتى»، فكأنى وجدت فيها العزاء، ليس فقط لأنها خففت من شعورى بالتقصير تجاه تلك الكتب، وليس فقط لأن قراءة كتاب متأخرًا خير من ألا نقرأه أبدًا، وإنما أيضًا لأن العبارة تفتح لنا أفق وعود مؤجلة علينا الوفاء بها تجاه كتب اقتنيناها يومًا، ولكن مشاغل الحياة التى لا تنتهى أخذتنا عنها، حتى نسيناها، لأنها توارت بين رفوف الكتب، فلم تعد أعيننا تقع عليها.


ما أكثر ما ينظر محبّو الكتب إلى رفوف مكتباتهم، فيجدون عشرات الكتب التى اقتنوها بحماسة، على أمل قراءتها، ثم مضت السنوات وبقيت فى أماكنها، صامتة، صابرة، لكن مانجويل يعزينا بالقول إن لكتبنا صبرًا لا ينفد، ويُروى أن المكتبة الشخصية لأمبرتو إيكو تضمّ نحو ثلاثين ألف كتاب فى ميلانو، إضافة إلى آلاف أخرى فى منزله الريفى، وكان الزائرون يسألونه السؤال التقليدى: هل قرأت كل هذه الكتب؟ لكن إيكو كان يرى أن السؤال نفسه ينطوى على سوء فهم لوظيفة المكتبة، فالكتب التى لم نقرأها ليست عديمة القيمة؛ إنها تذكير دائم بما لا نعرفه.


لا حدود للمعرفة، فكلما قرأنا كتابًا زاد من معارفنا، انتابنا الشعور بأن ما نحسب أننا نعرفه، هو أقل بكثير مما لا نعرفه، والكتاب الذى لم نقرأه قد يكون أكثر أهمية أحيانًا من الكتاب الذى قرأناه. لأن المقروء أصبح جزءًا من ذاكرتنا؛ أما الكتاب الذى ينتظرنا فيظل احتمالًا، سؤالًا، أو طريقًا لم نسلكه بعد، وكأن كل كتاب لم نقرأه بعد يقول لنا: ما زال ثمة شىء لا تعرفونه.


حسن مدن
جريدة الخليج الإماراتية

التعليقات