هذا المقال يحاول الإتيان بإجابة أولية عن سؤال عن موقف أقصى اليمين الأوروبى من العرب والعالم العربى، وبشكل أكثر تحديدًا عن موقفه من القضية الفلسطينية ومن مسألة الهجرة والمهاجرين من العالم العربى، وهم خاصة من بلدان الشمال الإفريقى. سؤالان ثانويان يتفرعان عن السؤال الرئيسى يتعلقان أولًا بالهدف الرئيس الذى يبغى أقصى اليمين الأوروبى تحقيقه، وثانيًا عمن وعما يؤثر على موقفه من القضية والمسألة المذكورتين. فى الرد على السؤالين الفرعيين جانب كبير من تفسير الإجابة عن السؤال الأساسى. من المهم الإشارة إلى أنه كما توجد اختلافات بين اليمين الأوروبى التقليدى وأقصى اليمين، فإن ثمة التقاء بينهما فى بعض البلدان الأوروبية. كما أنه لا توجد فى الطبيعة خطوط مستقيمة فاصلة بين الظواهر، فإنها ليست موجودة كذلك فى السياسة. جدير بالذكر أن إجمال مواقف أقصى اليمين لا ينفى وجود فوارق بين حركاته وأحزابه الوطنية ناشئة عن الاختلاف فى تواريخ البلدان الأوروبية وفى تركيباتها السكانية.
• • •
موقف أقصى اليمين الأوروبى من القضية الفلسطينية ومن الشعب الفلسطينى وحقوقه موقف سلبى فى مجمله. هو موقف يتماهى فى أغلب جوانبه مع موقف اليمين الإسرائيلى المتطرف وموقف الحكومة الإسرائيلية الحالية، تصريحًا أو ضمنًا، سواء تعلق ذلك بحرب الإبادة على غزة منذ سنة 2023 وتوحش الاستيطان فى الضفة الغربية لنهر الأردن، أو خَصَّ المسألة الأوسع والجذرية لممارسة الشعب الفلسطينى لحقه فى تقرير المصير ونشأة دولته المستقلة. أما مسألة الهجرة، فالموقف المعادى منها ومن المهاجرين، ومن المواطنين الأوروبيين ذوى الأصول المهاجرة، من الخصائص الأساسية لأقصى اليمين الأوروبى، وإن لم يكن اليمين التقليدى خلوًا منها.
كأى حركات أو أحزاب سياسية، فإن الهدف الطبيعى لوجود تنظيمات أقصى اليمين الأوروبى هو الوصول للحكم. هذه الحركات والأحزاب كانت موجودة فى أوروبا المعاصرة منذ عشرات السنين، ولكنها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كانت محظورة تارة ومصرحًا بها تارة أخرى، غير أنها بقيت هامشية فى الحياة السياسية. أمثلة على هذه الأحزاب حزب الجمهوريين الألمانى الذى نشأ فى الثمانينيات من القرن الماضى، ولم يمثل فى البرلمان إلا لفترة وجيزة بسبب عتبة الخمسة فى المائة من الأصوات للحصول على مقاعد فى الغرفة الدنيا للسلطة التشريعية. فى إيطاليا، الحركة الاجتماعية الإيطالية كانت الوريث لحزب بنيتو موسولينى، ومن قادتها من كانوا أعضاء فى الحزب الفاشى فى فترة ما بين الحربين العالميتين. أصولها الفاشية كانت وصمة للحركة، ولذلك بقيت هامشية بعيدة عن خماسى الأحزاب الذى حكم إيطاليا حتى نهاية الحرب الباردة، وعن تأثير الحزب الشيوعى الإيطالى، ثانى الأحزاب بعد الديمقراطيين المسيحيين. فى فرنسا، الجبهة الوطنية التى أنشأها وتزعمها جان مارى لوبن، كانت كالجَرَب، خارج النظام الحزبى، لا يمسها أو يتعامل معها أى من أحزاب اليمين أو اليسار النشطة فى النظام السياسى. لم يكن للوبن أى وجود على محطات التليفزيون، إذ كان غير متصور أن تدعوه لأى برنامج من برامجها. أقصى اليمين الفرنسى كان ضد استقلال الجزائر وإفريقيا عمومًا، ولوبن اتهم بتعذيب المجاهدين الجزائريين أثناء حرب التحرير، والقرائن عديدة على صحة الاتهام. سبب ازدراء أقصى اليمين الأوروبى وتهميشه كان صلاته الفكرية بقوى الفاشية والنازية التى هُزمت فى الحرب العالمية الثانية. بتفكك الاتحاد السوفييتى، وتحلل الأحزاب الشيوعية، وتراجع اليسار عمومًا، ونهاية الحرب الباردة، شمَّ أقصى اليمين الأوروبى نَفَسَه رويدًا رويدًا، وصار هدف تنظيماته الثأر لأفكارها من الهزيمة التى لقيتها فى سنة 1945. يمكن اختصار هذه الأفكار فى التعالى القومى والعنصرى، وتبجيل القوة، ونبذ مُثُل حقوق الإنسان المدنية والسياسية كالحرية والمساواة. يُذكر أنه فى وسط أوروبا، فى المجر، ظهرت فكرة الديمقراطية غير الليبرالية.
حتى تعزز شرعية مشاركتها النشطة فى الأنظمة السياسية لبلدانها، وجدت أحزاب أقصى اليمين، الوريثة للحركات المذكورة المنبوذة حتى بداية التسعينيات، أن من مصلحتها أن تبيّن انقطاع صلاتها تمامًا بأفكار التنظيمات الفاشية لفترة ما بين الحربين. من هذه الأفكار والسياسات معاداة السامية المقيتة التى مارسها النازيون خصوصًا، وكذلك الفاشيون والمتعاونون مع النازى الفرنسيون، ضد مواطنى بلدانهم من اليهود. هذا موقف إنسانى جدير بالتحية. ولكن أحزاب أقصى اليمين الأوروبى لم تتوقف عنده، بل اعتنقت الرواية الإسرائيلية التى تساوى فيما بين الصهيونية واليهودية، فاعتبرت أن إدانة معاداة السامية ترتب تأييد إسرائيل والإسرائيليين، متطرفيهم قبل معتدليهم، فى كل ما تفعل وما يفعلون. امتد هذا، ربما بدرجات فيها بعض التفاوت بين الأحزاب، إلى المواقف من غزة ومن الضفة الغربية ومن حقوق الشعب الفلسطينى عمومًا. فى هذا تفسير ممكن لموقف الحكومة الإيطالية المنبثقة عن حزب «إخوان إيطاليا»، وريث الحركة الاجتماعية الإيطالية، التى تعترض على أى إجراء يتخذه الاتحاد الأوروبى بخصوص إسرائيل، حتى بشأن وقف الاتجار مع المستوطنات فى الضفة الغربية، والاستيطان غير شرعى فى نظر القانون الدولى، لا شك فى ذلك لدى الأغلبية الساحقة لأعضاء الاتحاد ذاته.
• • •
العنصرية فكرة جوهرية فى الفاشية، وهى فى فترة ما بين الحربين، بالإضافة إلى دمويتها تجاه اليهود، كانت موجهة إلى الروما، أو الغجر الرحل، فضلًا عن الشعوب السلافية نفسها. بعد أن اكتسبت تنظيمات أقصى اليمين الاحترام والشرعية، وجهت عنصريتها نحو العرب، وهو ما يضيف تفسيرًا إلى موقفها من القضية الفلسطينية. أقصى اليمين ساوى بين العرب والمسلمين، واستدعى تاريخًا بعيدًا من المواجهات، فأضاف ورقة إلى ملف موقفه من القضية الفلسطينية. فى الوقت نفسه، كانت تنظيمات عربية وفلسطينية، مثل حماس، تشدد على الطابع الإسلامى للقضية الفلسطينية على حساب طبيعتها الوطنية التى كانت عليها، وهى حقيقتها، منذ نشأة المشروع الصهيونى. استغلت إسرائيل ذلك ونفخت فيه لتزيد من خصومة أقصى اليمين الأوروبى للعرب، المفترض أن كلهم مسلمون، وهى استضافت زعماء أقصى اليمين وساندتهم بمختلف وسائلها، المادية منها والافتراضية. مثال على ذلك استضافتها واحتفاؤها بزعيم أقصى اليمين الإسبانى الذى نشأ تنظيمه منذ مجرد سنوات قليلة. وزير الشتات الإسرائيلى أميشاى شيكلى، أعطاه صراحةً، فى مقابلة مع القناة الرابعة عشرة للتليفزيون الإسرائيلى، مثالًا على استراتيجية إسرائيل فى التعامل مع أقصى اليمين الأوروبى واستخدامه فى زعزعة استقرار الأنظمة السياسية الأوروبية إن هى رفضت السياسات والممارسات الإسرائيلية، وهى حالة الحكومة الإسرائيلية الحالية.
هكذا نصل إلى موقف أقصى اليمين الأوروبى من الهجرة والمهاجرين من البلدان العربية فى شمال إفريقيا. الهجرة إلى أوروبا مسألة مركبة، وهى، ضمن أسباب أخرى، نتاج أولًا لانخفاض معدلات النمو الطبيعى للقوى العاملة والسكان فى بلدان القارة نتيجة لانخفاض معدلات الخصوبة بين الوطنيين وشيخوخة المجتمعات المترتبة على ذلك. فى ظل التكنولوجيات المستخدمة ومعدلات المشاركة فى النشاط الاقتصادى السائدة، بدون هجرة تنكمش القوى العاملة ويستحيل الإبقاء على مستوى النشاط الاقتصادى، فينخفض إنتاج السلع والخدمات، وتعجز أنظمة الضمان الاجتماعى عن الحفاظ على توازنها وعن الوفاء بمستحقات المشتركين فيها. الهجرة ثانيًا نتيجة للصورة التى بثتها عن نفسها الدول الأوروبية، فأغرت بها شباب مستعمراتها السابقة. والهجرة ثالثًا نتيجة للخلل الناشئ عن تطور النظام الاقتصادى العالمى منذ القرن الثامن عشر بين دول المركز فى أوروبا وغيرها، حيث تتركز الثروة، واقتصادات دول المحيط فى الجنوب العالمى، ومنها الدول العربية فى شمال إفريقيا. أقصى اليمين الأوروبى يتغاضى عن هذه الأسباب الموضوعية ويركز على المفارقات الثقافية التى تثيرها الهجرة، ويتخذ مواقف تتسم بالعنصرية وبكراهية الآخر تجاه المهاجرين. موقف التجمع الوطنى الفرنسى، الاسم الجديد للجبهة الوطنية المعدّلة، من الهجرة مثال على ذلك. وموقف الحكومة الإيطالية من واقعة سبتة مؤخرًا مثال آخر، وهو يتلاقى مع موقفها من القضية الفلسطينية وتأييدها للممارسات الإسرائيلية. يُذكر فى هذا الصدد أن سلطات التحقيق الإسبانية وجدت ما بين ستة آلاف وسبعة آلاف رسالة تواصل اجتماعى شجعت على التوجه إلى الحدود المغربية الإسبانية عند سبتة، بمعنى أن الواقعة كان مدبرًا لها ورمت إلى زعزعة استقرار الحكومة الإسبانية. يُذكر أخيرًا أن وسائل التواصل الاجتماعى، وإن كانت فيها رسائل عديدة حللت الواقعة بشكل عقلانى، فإنها حملت أيضًا خطابات كراهية كثيرة، كانت صادرة بالضرورة عن أقصى اليمين، لم تلق بالًا لمحركات الهجرة المختلفة، ولم تركز إلا على أنها كانت غزوًا لمسلمين يجب مقاومته.
• • •
موضوع هذا المقال يحتاج إلى دراسات مفصلة لجوانبه المتعددة ولتنظيمات أقصى اليمين فى بلدان القارة الأوروبية، لأنه وإن كان المشترك بينها كثيرًا، فإن ثمة اختلافات بينها أيضًا. دراسة أقصى اليمين مهمة، خاصة وأن منه من وصل إلى السلطة، ومنه من يمكن أن يصل إليها فى السنوات القادمة.
التعامل مع أقصى اليمين ضرورى عندما يكون فى السلطة. غير أن لبلداننا أولًا أن تضاعف تفاعلاتها مع القوى السياسية الأوروبية المعتنقة لمبدأ التعاون بين الدول والثقافات سبيلًا لخير البشر والسلام بينهم. هذه القوى ما زالت موجودة، والمصلحة تكمن فى تعزيزها.
أستاذ الأبحاث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة