مكامن الخطر فى عدم إنهاء الحرب - إبراهيم عوض - بوابة الشروق
السبت 6 يونيو 2026 8:53 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

مكامن الخطر فى عدم إنهاء الحرب

نشر فى : السبت 6 يونيو 2026 - 7:35 م | آخر تحديث : السبت 6 يونيو 2026 - 7:35 م

وإن كانت الأعمال العدائية واسعة النطاق قد توقفت منذ الأسبوع الثانى من شهر إبريل الماضى، فإن الحرب التى بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران قد دخلت شهرها الرابع دون أن تجد تسوية يُوثق بها، قابلة للاستدامة. هذه التسوية ضرورية للعودة إلى علاقات سلمية، ولإرساء الأسس لنظام مستقبلى للسلم والأمن والتعاون فى إقليم الشرق الأوسط، أو فيما صار البعض يفضل تسميته بإقليم غربى آسيا. والأهم من ذلك فى المدى القصير هو أنه فى غيبة التسوية يمكن الرجوع إلى حالة الحرب غير المقيدة التى تهدد الخليج، بل والإقليم برمته.


• • •
مكمن الخطر الأول فى موقف الولايات المتحدة، وموقف الرئيس الأمريكى ترامب تحديدًا، من وقف الحرب ومن احتمال استئنافها. فيما يقرب من الشهرين تغيرت تصريحات الرئيس الأمريكى مرة بعد مرة بشأن التوصل إلى اتفاق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. هو غالبًا ما كان يعلن أن المفاوضات تسير بشكل جيد يُنبئ باتفاق قريب، ولكن تخللت تصريحاته الإيجابية تهديدات زاعقة وصلت إلى حد التهديد بمحو الحضارة الإيرانية بكاملها. فضلًا عن التهديدات، انتهكت الولايات المتحدة وقف إطلاق النار فى مرات متعددة، وهاجمت أهدافًا إيرانية. ليس صعبًا أن يمتد ويتوسع انتهاك وقف إطلاق النار ليصبح معارك ثم حربًا مستأنفة. الخطير هو أن انتهاك الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار ردّت عليه إيران بالهجوم على أهداف فى الخليج، وتحديدًا فى الإمارات العربية المتحدة والكويت. سنعود إلى هذه النقطة فيما بعد.


ولكن فى شأن هذا المكمن الأول من المهم التنبه إلى أن الوضع الداخلى فى الولايات المتحدة يمكن أن يضيف إلى خطورته. أى انتكاسة داخلية يمكن للرئيس ترامب أن يحاول تعويضها بالتصعيد فى الحرب، وهى حرب لا تنال من إيران وحدها. فى الأيام الأخيرة خسر الرئيس ترامب فى مواجهته مع الكونجرس الأمريكى، بما فى ذلك أعضاؤه الجمهوريون، بشأن الصندوق الذى أراد به تعويض أنصاره الذين اجتاحوا الكونجرس وارتكبوا أعمال شغب فيه يوم 6 يناير سنة 2021، رافضين خسارته للانتخابات الرئاسية المُجراة فى نوفمبر سنة 2020. وخسر الرئيس الأمريكى أيضًا فى مواجهة مجلس النواب الذى اتخذ قرارًا بإنهاء العمليات العسكرية ضد إيران. ليس للقرار أثر تنفيذى قبل أن يشترك مجلس الشيوخ فى اعتماده وأن يوقعه الرئيس نفسه، ولكن لمجرد صدوره عن مجلس النواب وتصويت أربعة نواب جمهوريين لصالحه أثر سياسى يصعب الشك فيه. إلى الانتكاسات السياسية أضف الصعوبات الاقتصادية المتمثلة خصوصًا فى ارتفاع تكاليف المعيشة وما يمكن أن ترتبه على انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى فى نوفمبر القادم.


صحيح أن الأغلبيات الجمهورية فى عدد من الولايات أعادت تخطيط الدوائر الانتخابية بما يخدمها فى الانتخابات، ومع ذلك فإن هذا لا يكفل لها الفوز بها. خسارة الجمهوريين لمجلسى الكونجرس تعنى أن يفقد الرئيس ترامب أغلب أدوات الحكم ليصير رئيسًا مشلولًا فى السنتين الأخيرتين من فترة رئاسته. شخصية الرئيس ترامب كما تكشفت فى فترتى رئاسته تبرر التخوف من أن يحاول إنقاذ رئاسته بشن عمليات عسكرية جديدة، متهورة وغير محسوبة العواقب، على منوال الحرب التى بدأ بشنها فى اليوم الأخير من شهر فبراير الماضى.


• • •
مكمن الخطر الثانى هو فى موقف إسرائيل المتحفزة لاستئناف الحرب، بل والمتشوقة إليه، والمشجعة للولايات المتحدة عليه. هذا عن الحرب على إيران التى تهدد الخليج كله والإقليم برمته كما سبقت الإشارة. غير أن إسرائيل لا تألو جهدًا فى توسيع الحرب بالفعل فى الإقليم كله وتعميقها. فى لبنان الخطاب هو أن إسرائيل تحارب حزب الله لأنه يعتدى عليها ويقصف شمالها ويرهب سكانه. ولكن إسرائيل لا تكتفى بمحاربة حزب الله وجمهوره من الطائفة الشيعية فى جنوب لبنان. هى تهاجم أيضًا القرى المسيحية وتهدم الكنائس والأيقونات المقدسة فيها. ولتؤمن نفسها تمامًا يعلو صوت إسرائيل مطالبًا بالسيطرة على جنوب لبنان حتى نهر الليطانى. هذه المطالبة تكشف عن أن المسألة ليست حزب الله، أو ليست حزب الله وحده، وإنما هى مطمع قديم للحركة الصهيونية التى مدّت أعينها إلى نهر الليطانى منذ عشرات السنين قبل أن ينشأ حزب الله.


بعد وعد بلفور مباشرة اعتبرت الحركة الصهيونية أن نهر الليطانى بمثابة الحدود الطبيعية لها، وهى جددت التعبير العلنى عن هذا المطمع بمرور العقود. وإسرائيل ومعها الولايات المتحدة لا تتورعان عن زرع بذور نزاع أهلى فى لبنان. الاتفاق الثلاثى الأمريكى الإسرائيلى اللبنانى على نزع سلاح حزب الله يهدد بذلك. يمكن فهم موقف الحكومة اللبنانية التى تبغى فرض سيطرتها وسيادتها الفعلية على مجمل الإقليم اللبنانى. ولكن ليس لدى الدولة فى لبنان القوة التى تسمح لها بفرض نزع السلاح على حزب الله بدون الممارسة الفعلية للعنف تجاهه. ممارسة الجيش اللبنانى للعنف لنزع سلاح الحزب قسرًا سينشأ عنها نزاع أهلى يمزق لبنان.


من جانب آخر، لأنه مشكوك تمامًا فى أن ينجح الجيش اللبنانى فى نزع سلاح حزب الله، فقد تتخذ إسرائيل ذلك ذريعة، باعتبارها طرفًا فى الاتفاق الثلاثى، لكى تستمر فى إنزال الدمار بجنوب لبنان. هذا بدوره قد يؤدى بإيران إلى مهاجمة إسرائيل، كما هددت بذلك، فتنجر الولايات المتحدة إلى الحرب ويشتعل الإقليم كله.


• • •
مكمن الخطر الثالث فى إيران. مفهوم أن إيران لا تثق فى الولايات المتحدة ورئيسها. تجربتها معهما فى السنة الأخيرة تبرر تشككها فى نواياهما وفى احترامهما لأى اتفاق تصل إليه معهما. ومع ذلك، فإن تشدد إيران وتحديها فيما يتعلق بمضيق هرمز، وتكرارها أنها مستعدة للعودة إلى الحرب إن استأنفتها الولايات المتحدة، يدعوان للتعجب. السبب فى التعجب هو الحصار الذى تفرضه الولايات المتحدة على إيران بعد الدمار الذى أنزلته هى وإسرائيل ببنيتها الأساسية وبمؤسسات الإنتاج والتوزيع وبجامعاتها ومدارسها. هذا الحصار يقوض الحياة فيها ويعطل تعافيها الذى يبدو بالغ الصعوبة أصلًا. خطر بالغ الأهمية هو أن كل هجوم للولايات المتحدة عليها تقابله إيران بمهاجمة أهداف أمريكية، أو ما تعتبرها أهدافًا متواطئة مع الولايات المتحدة، فى الخليج. التمادى فى هذا السلوك قد تترتب عليه نتائج وخيمة. فى الخليج دول تدعو للتهدئة ولإنهاء الحرب، منها كبيرتها وهى المملكة العربية السعودية.


الدول العربية خارج الخليج، ومنها مصر تحديدًا، اتخذت موقفًا عاقلًا من الحرب على إيران، فهى اجتهدت، مع أطراف الوساطة الأخرى، من أجل الوصول إلى تسوية تضع حدًا للحرب، فى الوقت الذى أدانت فيه الهجوم الذى تعرضت له أهداف فى دول الخليج. فى الموقف العاقل مصلحة لمصر ولكل دول الإقليم. غير أن التمادى المذكور، أى الاستمرار فى مقابلة الهجوم الأمريكى بمهاجمة بعض دول الخليج، قد يؤدى إلى التغلب على كل عقل. هذا ما يجب تفاديه تمامًا. على إيران مسئولية فى العمل على إبقاء العقل سائدًا.
ربما احتاج إحراز التفاوض والوساطة لنتيجة فعلية ملموسة إلى عامل محفز من خارج المعادلة الأمريكية الإيرانية. لعل أطراف الوساطة الأربعة، وهى مصر والسعودية وتركيا وباكستان، تتخذ خطوات فيما بينها نحو إرساء أسس نظام السلم والأمن والتعاون فى الإقليم المذكور فى بداية المقال. ستدرك الولايات المتحدة عندها أن الأطراف الرئيسية فى الإقليم لا تحتاجها لترتيب أموره، وهو ترتيب يترك حليفها الأقرب، إسرائيل، خارجه. الولايات المتحدة لن تستطيع الالتفات عن ترتيبات تنظيم الإقليم. يمكن لهذه الترتيبات بالتالى أن تجرها بعيدًا عن مواصلة الحرب ونحو تسويتها. أما إيران فهى من جانبها لن تقدر على البقاء بعيدًا عن تنظيم للإقليم يجد أسسه فى دوله الأربع الكبرى التى تحاول الوصول إلى تسوية للحرب التى شُنت عليها.


تعددت الدعاوى المحقة إلى إنشاء نظام للأمن فى الإقليم فى الآونة الأخيرة. هذه الدعاوى، ومنها ما صدر عن كاتب هذه الكلمات، تصورت نشأة هذا النظام بعد أن تضع الحرب على إيران أوزارها بتسوية مقبولة لأطرافها. غير أنه، وفى نهاية الأمر، قد تكون الخطوات نحو نشأة النظام توسيعًا لمعادلة الحرب على إيران وسبيلًا لتسويتها بما يجنب الإقليم مخاطر استئنافها وتوسعها.


أستاذ الأبحاث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة

إبراهيم عوض أستاذ الأبحاث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات