وقف إطلاق النار وفرص إنهاء الحرب - إبراهيم عوض - بوابة الشروق
السبت 11 أبريل 2026 11:20 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟


وقف إطلاق النار وفرص إنهاء الحرب

نشر فى : السبت 11 أبريل 2026 - 6:10 م | آخر تحديث : السبت 11 أبريل 2026 - 6:10 م

أُعلن يوم الثلاثاء 7 إبريل عن وقف إطلاق النار لفترة أسبوعين فى الحرب التى بدأت فى الشرق الأوسط بهجوم أمريكى إسرائيلى مشترك على إيران. الشك جائز فى صمود وقف إطلاق النار، ومع ذلك فهو يستحق التوقف عنده لاستعراض الأسباب التى دعت أطراف الحرب المباشرة إلى قبوله أو السعى إليه. الهدف هو تبين فرص نجاح المفاوضات الأمريكية الإيرانية التى ستجرى خلال فترة الأسبوعين بوساطة باكستانية فى إنهاء الحرب بين أطرافها.


• • •
الولايات المتحدة شنت الحرب بتحريض منتظم من إسرائيل، ظانة أنها نزهة ستحقق فيها انتصارا عسكريا خاطفا وساحقا يرغم إيران على الاستسلام أو التسليم بما أرادته فيما يخص عدم تخصيب اليورانيوم، والقدرات الصاروخية، وحلفاء إيران فى المنطقة العربية. خاب ظن الولايات المتحدة، فالحرب امتدت وكلّفتها ماليا، واستهلكت مخزونها من السلاح والذخيرة. اعترض عدد من كبار الجنرالات على الإدارة السياسية للحرب. إيران كبّدت القوات الأمريكية خسائر فى الأفراد والمعدات.


فى رواية إيرانية، فشلت عملية إنزال برى أمريكى فى الأراضى الإيرانية كانت تبغى استخراج اليورانيوم المخصب والاستيلاء عليه. عدد من حلفاء الولايات المتحدة رفضوا السماح للطائرات الحربية الأمريكية المتجهة إلى الحرب على إيران بالمرور فى مجالاتهم الجوية. محاولات فرض سلطة الكونجرس على الرئيس ترامب، وانقسام أنصاره بشأن الحرب، كانت تكاليف سياسية لها.


 تأثر الاقتصاد العالمى بانخفاض المعروض من النفط والغاز وارتفاع سعريهما، وما سببه ذلك من تضخم واستحالة التوقع تكاليف معتبرة داخليا وخارجيا. هذه ربما كانت الأسباب التى دعت الولايات المتحدة إلى قبول وقف إطلاق النار، أو فى الرواية الإيرانية، إلى السعى إليه. هل يمكن أن تنتفى هذه الأسباب خلال الأسبوعين المقبلين؟


• • •
إسرائيل حرّضت الولايات المتحدة على الحرب على إيران وشاركتها فيها، فتحقق هدف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذى لم يحد عنه فى الأربعين سنة الماضية، كما أقر هو نفسه. احتياج إسرائيل للولايات المتحدة لشن الحرب على إيران يعنى أنه لا يمكنها أن تستمر فيها وحدها. ثم إنه، بالرغم من التعتيم الذى فرضته إسرائيل على آثار الحرب عليها، فالثابت أن إيران أنزلت أضرارا جسيمة ببنى أساسية ومنشآت عسكرية واستخباراتية فيها، وأوقعت ضحايا بين المدنيين. وإن كانت الذخائر تنقص القوات الأمريكية، فهى تنقص الجيش الإسرائيلى كذلك، فالمصدر واحد. وحجم السكان فى إسرائيل، وبالتالى حجم القوات التى يمكن تعبئتها صغير لا يسمح لها بالاستمرار فى حرب ممتدة مع إيران، وهى المنهمكة فى حروب على عدة جبهات. ويمكن أن تكون إسرائيل قد أدركت أنه، على الرغم من عنف قصفها وتجاهلها لقوانين الحرب، فإن النظام السياسى الإيرانى لم يسقط، وهو هدفها الجوهرى من الحرب.


 وفى الساحة السياسية الأمريكية، وهى التى حملت إسرائيل على أكف الولايات المتحدة منذ نشأتها، يتراجع التعاطف معها بين أنصار الحزب الديمقراطى، بل والجمهورى، وفى حالة هذا الأخير بين صفوف الحركة الداعمة للرئيس ترامب تحديدا. هذه كلها أسباب يمكن أن تفسر قبول إسرائيل بوقف إطلاق النار فى حربها هى والولايات المتحدة مع إيران.


ومع ذلك، فإن إسرائيل لا تعدم الحيل والتفسيرات التى تلتف حول أى اتفاقات يجرى التوصل إليها. ها هى زعمت أن وقف إطلاق النار لا ينطبق على الجبهة اللبنانية، وأطلقت، بعد ساعات من التوصل إليه، نيرانها المكثفة فجأة وبلا هوادة على بيروت، فأردت ما يقرب من ثمانمائة قتيل بين المواطنين اللبنانيين. ربما كانت إسرائيل تستحث إيران، التى كان سريان وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية من بين شروطها، على الرد عليها، فتجر بذلك الولايات المتحدة إلى المعركة من جديد، دفاعا عنها بمعاودة الهجوم على إيران. الولايات المتحدة أيدت تفسير إسرائيل للنطاق الجغرافى لوقف إطلاق النار. ومع ذلك، فإن الأسباب المذكورة أعلاه التى يمكن أن تكون قد حدت بالولايات المتحدة إلى قبول وقف إطلاق النار أو السعى إليه قد تجعلها تتمسك به. مسألة وقف إطلاق النار ومعاودة الحرب أو عدم معاودتها يمكن أن تكون لحظة حاسمة فى العلاقات الأمريكية -الإسرائيلية.


• • •
إيران تعرضت لخسائر هائلة فى منظومتيها العسكرية والأمنية الداخلية، وفى البنى الأساسية، وفى منشآتها المدنية، بما فى ذلك المصانع والمدارس والجامعات ومراكز البحث العلمية. الخسائر طالت طفلات المدارس والمدنيين عموما، والحرب بدأت واستمرت بعمليات قتل متتالية للقادة العسكريين ولرءوس النظام السياسى. هذه كلها أسباب تجعل إيران تقبل وقف إطلاق النار، ومع ذلك هى رفضت فكرته ودعت، ضمن شروط عشرة، إلى وقف الحرب على كل الجبهات فى الشرق الأوسط، والتأكيد على عدم العودة إلى شنها عليها. الرفض ربما رجع إلى عدم وثوق إيران فى الولايات المتحدة التى شنت الحرب عليها مرتين خلال أقل من عشرة أشهر، وهى فى خضم مفاوضات معها بوساطة عمانية. وقد تكون إيران قد خشيت من أن يكون هدف الولايات المتحدة هو أن تلتقط أنفاسها، وأن تراجع استراتيجيتها، إن كان ثمة استراتيجية لها، وأن تتزود بالعتاد والذخيرة الضروريين لاستئناف الحرب.


 سبب ثالث هو أن إيران ترى أنها ما زالت قادرة على إيذاء إسرائيل والقوات الأمريكية، وعلى مزيد من تقويض سمعة الولايات المتحدة. ثم هناك مضيق هرمز الذى تتحكم فى المرور فيه. ومع ذلك قبلت إيران وقف إطلاق النار الذى توسطت باكستان فى الوصول إليه، فما أسباب هذا القبول بعد الرفض؟ بالإضافة إلى وقف نزيف الخسائر، لعل هذه الأسباب هى نفس أسباب الرفض السابق، فهذه الأسباب أوراق فى يديها تلعبها خلال التفاوض.


• • •
دول الخليج تأثرت بالحرب، ولكنها ليست أطرافا فى المفاوضات بشأن إنهائها، وعلى أى حال فمواقفها من وقف إطلاق النار متباينة، تتوقف على إدراكها لمصادر الخطر عليها وأفضل المقاربات لمواجهتها. البعض يرى أن إيران هى المصدر الأول للخطر عليها، وأن هجمات إيران على الأهداف الأمريكية فيها سبب لمضاعفة العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ولذلك فإن هذا البعض غير مرتاح لوقف إطلاق النار دون تحقيق هدف إسقاط النظام.


قطر مثلا ترى أن الولايات المتحدة لم تلتفت إلى تحذيرها بعدم ضرب حقل «بارس» للغاز الطبيعى الإيرانى؛ لأنه سيجلب ردا إيرانيا على نصيبها من هذا الحقل المسمى قطريا «حقل الغاز الشمالى»، أكبر حقول العالم. قطر تتوخى الحذر، ولكن حتى فى وسط الحرب، كانت حريصة على علاقات حسن الجوار مع إيران. قطر لا بد أنها مرتاحة إلى وقف إطلاق النار.


 عُمان، التى توسطت لسنوات طويلة بين الولايات المتحدة وإيران، لم تنقطع اتصالاتها بهذه الأخيرة أثناء الحرب، وهى توافقها على خطتها لإدارة المرور فى مضيق هرمز بعد أن تضع الحرب أوزارها. الشك قليل فى أن عُمان راضية تماما عن وقف إطلاق النار. المملكة العربية السعودية، شارك وزير خارجيتها مع وزراء خارجية باكستان ومصر وتركيا فى اجتماع فى إسلام آباد لدى نهاية شهر مارس الماضى «لبحث الجهود الدبلوماسية الرامية إلى التوصل إلى تسوية للحرب الجارية فى الشرق الأوسط». وزيرا الخارجية السعودى والإيرانى تواصلا هاتفيا منذ أيام. كل ذلك يشى بأن المملكة العربية السعودية مرتاحة إلى وقف إطلاق النار.


صحيح أن صمود وقف إطلاق النار يتوقف على موقفى الولايات المتحدة وإيران أساسا، ثم على موقف إسرائيل التى يمكن أن تعمل على إسقاطه. وصحيح كذلك أن ثمة خلافات بين الأطراف المباشرة على فهم شروط وقف إطلاق النار وشروط التفاوض بينها على إنهاء الحرب. غير أن الأسباب الأساسية التى دعت الطرفين الأمريكى والإيرانى إلى قبول وقف إطلاق النار ترجّح استمراره. علاقة رئيس أركان الجيش الباكستانى، عاصم منير، بالرئيس ترامب، وهو الذى دعا إلى منحه جائزة نوبل للسلام، تمنحه قدرة على التأثير على قرار الرئيس الأمريكى. منذ ما قبل وقف إطلاق النار تسعى باكستان إلى إشراك الصين فى عملية وقف الحرب أو إنهائها. قيل إن الصين ستكون الضامن لأى اتفاق يجرى التوصل إليه. ليس معروفا أى دور سيلعبه الضامن، ولكن أن تكون الصين هى «الضامن» لتنفيذه يمنح مصداقية لأى اتفاق. يبقى بالطبع أن تقبل الولايات المتحدة أن تكون الصين الضامن لاتفاق لإنهاء الحرب.


• • •
يمكن توقع أى شىء من الرئيس الأمريكى، خاصةً إذا أنصت إلى رئيس الوزراء الإسرائيلى. ومع ذلك فإن لتوصل المفاوضات إلى تسوية للحرب الدائرة فرصا حقيقية. الحرب أنهكت أطرافها، وهى بذلك خلقت الظروف لنجاح المفاوضات.
إن نجحت المفاوضات فى إنهاء الحرب، فباكستان، الوسيط، سترتفع مكانتها فى النظام الدولى، وسترتفع معها مكانة كل من الأطراف التى ساندتها فى لعب دورها، وهى مصر وتركيا والسعودية. لعل هذه المكانات المرتفعة تمكنها من الاضطلاع بالأدوار التى تليق بها فى صياغة حوكمة ضرورية جديدة فى الشرق الأوسط.

 

أستاذ الأبحاث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة

إبراهيم عوض أستاذ الأبحاث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات