أعادنى خبر وفاة الشاعر الكبير سمير عبد الباقى إلى أوائل سنوات التسعينيات التى عرفته خلالها، وقت أن كان مشرفًا على النشاط الثقافى بالمركز الثقافى السوفيتى قبل انهيار الاتحاد السوفيتى ذاته، وقد لاحظت أن كثيرًا من الأسماء التى عاشت نفس التجربة حرصت على وداع الشاعر بمحبة تليق به وبدوره فى حياتنا.
وقد يظن البعض ممن لم يعاصروا تلك التجربة أن المركز الثقافى السوفيتى آنذاك كان معقلًا لتجنيد كوادر للحركة الشيوعية، وهو ظن فى غير محله، إذ كان المكان يتسع للجميع، فضاءً حرًّا بكل ما تعنيه الكلمة، لا مجال فيه لتجنيد كوادر أو إقصاء أى فرد، مهما كانت قناعاته.
كان المكان حاضنة ثقافية كبيرة تركت أثرها فى تشكيل وعى جيل كامل كنت أحد أفراده، الأبواب مفتوحة بالمجان، تستقبل جمهورًا متنوعًا ليل نهار.
يقع مقر المركز على بعد خطوات قليلة من جامعة القاهرة، لذلك ظل محطة أخيرة نكافئ بها أنفسنا بعد تعب يوم دراسى طويل.
اعتدنا دائمًا الوقوف بشكل روتينى فى مواجهة سمير عبد الباقى، الذى كان يقف ليستقبل الجميع عند مدخل القاعة، يواجه العالم بشارب كثيف وجسد قوى وصوت جهورى حاد يماثل صوت الشاويش عطية فى أفلام إسماعيل ياسين.
رجل يخيف للوهلة الأولى، لأن القدر جعله يوجه الأوامر ويصدر التعليمات لمن حوله، غير أن ملامحه كانت تفضحه مرتين؛ فهى تخفى وسامة وتمنح ابتسامة سرعان ما تظهر لتعكس روحه المرحة وطيبة قلب يسترد معها صورة الأب.
رغم ذلك، لم يبطل مفعول السخرية من إصراره فى كل ليلة على قراءة برنامج المركز بصورة روتينية مزعجة، لكن قوة البرنامج الثقافى والفنى كانت كفيلة بغفران كل شىء.
داخل مكتبته العامرة تعرفنا على رموز الأدب الروسى العظيم، وقرأنا ما استطعنا قراءته من الكتب التى كنا نستعيرها دون تعقيدات، وكانت كلها من منشورات رادوغا أو دار التقدم الشهيرة، وفى وقت مبكر نسبيًّا حفظنا أسماء مترجمى الأدب الروسى عن مختلف اللغات.
وداخل مسرح يحمل اسم تشايكوفسكى استمعنا للمرة الأولى إلى الموسيقى الكلاسيكية، وتابعنا شرح الموسيقى الرائع فتحى الخميسى لأهم الأعمال، كما شاهدنا أجمل الأفلام وحضرنا ندوات مفتوحة مع نجوم ونجمات السينما من كبار المخرجين والممثلين، الذين كان تواجدهم بيننا أمرًا طبيعيًّا.
رأينا يوسف شاهين وتوفيق صالح وصلاح أبو سيف وعلى بدرخان ومحمد خان وداود عبد السيد وخيرى بشارة وعاطف الطيب وعطيات الأبنودى وهاشم النحاس وعلى الغزولى، وشاهدنا عن قرب ماجدة ومحسنة توفيق ويسرا ولينين الرملى، وكان سمير عبد الباقى الوحيد الذى نحسده لأن فى استطاعته التقاط الصور مع هؤلاء النجوم والدخول معهم إلى غرفة الاستقبال والمرور بهم إلى المسرح.
كما لم تنقطع أفلام كبار مخرجى السينما السوفيتية فى أى شهر، وشاهدنا عروضها بتوجيهات من سمير عبد الباقي، الذى حفظ وجوهنا بسرعة ودفعنا لرؤية أفلام سيرجى آيزنشتاين وأندريه تاركوفسكى ودزيجا فيرتوف.
بقيت شهورًا طويلة لا أعرف شيئًا عن سمير عبد الباقى، إلى أن استمعت إلى أغنية لحنها صديقى الراحل والرائع محمد عزت، الذى كان يعمل معه، وكانت الأغنية جميلة لدرجة أننى لم أصدق أن الأستاذ سمير هو مؤلفها.
ساعدنى عزت بعد ذلك على رؤية الجزء الخفى فى مسيرة الشاعر الراحل وقراءة أشعاره، والأهم أنه وضع يدى على مواطن الجمال فيها ولفت نظرى إلى خصوصية تجربته بين شعراء العامية الكبار الذين قدموا من دلتا مصر، فقد بدأ تجربته من قريته ميت سلسيل بالدقهلية، وكون مع شبابها وقتها لجانًا لاستقبال من تم تهجيرهم من سكان القناة أيام العدوان الثلاثى.
لم يتوقف الشاعر الراحل عن رواية تجاربه أو سردها فى جلساته داخل أتيليه القاهرة، والتى كان يوزع فيها نشرته الساخرة «شمروخ الأراجوز»، التى تستحق أن تكون مادة للدراسة والبحث.
للأسف، لم تنل أشعار سمير عبد الباقى الانتشار الذى كانت تستحقه، وبالتالى ظل شعره بعيدًا عن المتناول.
ورغم أنه كتب أغنيات كثيرة لعروض مسرحية، إلا أن غالبيتها كانت لعروض فى قصور الثقافة ولمسرح الدولة ومسرح العرائس، وبالتالى لم تُسجل أو تُبث تلفزيونيًّا لتحصل على فرصة الوصول إلى الناس.
وشخصيًّا أعتبر نفسى من المحظوظين لأننى عرفت الملحن الراحل عدلى فخرى فى سنواته الأخيرة، واستمعت منه إلى الأغنيات التى كتبها الشاعر الراحل عقب اجتياح بيروت من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلى عام 1982، وكانت أغنيات صادقة لعبت دورًا فى تلك الفترة الحرجة من تاريخ الصراع مع إسرائيل، ونوَّه إلى أثرها الشاعر الراحل حلمى سالم فى كتابه عن حصار بيروت.
شارك عبد الباقى صديقه عدلى فخرى العمل فى تجارب كثيرة، بدأت بأوبريت بعنوان (فى حب مصر) قُدم سنة 1971 قبل عام واحد من انفجار الحركة الطلابية فى 1972، وهى الحركة التى كرست لظاهرة الغناء الاحتجاجي، وظلت القصيدة التى كتبها سمير عبد الباقى عن الشاعر التشيلى بابلو نيرودا، وغناها عدلى فخرى، واحدة من أبرز ملامحها.
يحتاج شعر سمير عبد الباقى إلى مختارات شعرية مكثفة تقدمها عين خبيرة، تستبعد منها المضامين التى ترهق القصيدة وتقص ريشها وتحرم الشاعر من الطيران من جديد.