هل التقدم التكنولوجى مفيد دائما؟
لماذا يجب علينا مناقشة هذا الموضوع؟
ماذا عسانا أن نفعل؟
تتسابق الشركات الكبرى على تطوير التكنولوجيا لأن هذا يساعدها على جنى الأرباح، لكن لكل شىء ثمنا، وهذا الثمن ليس مالا فقط، ولكن قد يكون تأثيرا سيئا على المستوى الاجتماعى، أو النفسى، أو الصحى، أو البيئى إلخ. المؤسف أن الشركات الكبرى دائما تسأل: «هل يمكن إنتاج تلك التكنولوجيا المتقدمة؟» ولا تسأل: «هل يجب إنتاج تلك التكنولوجيا المتقدمة؟».
مقالنا اليوم يناقش تلك النقطة بالتحديد، متى نقول إنه من الأفضل عدم إنتاج تلك التكنولوجيا المتقدمة؟ الإجابة السهلة أنه إذا كانت الأضرار أكبر من الفائدة المرجوة فلابد من التوقف عن تطوير تلك التكنولوجيا لكن الموضوع أكثر تعقيدا من تلك الإجابة العامة.
عندما طالب جيفرى هينتون الذى يعتبره الكثيرون الأب الروحى للذكاء الاصطناعى بالتوقف عن أو التمهل فى تطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى تفاديا للأخطار المحتملة حسب رأيه، فهل كان محقا؟ هل استمعت له الشركات الكبرى؟ نحاول فى هذا المقال مناقشة قضية التأثير الإيجابى والسلبى للتقدم التكنولوجى.

• • •
تقدم سيئ
التكنولوجيا المتقدمة قد يكون لها عيوب، لكن الشخص الذى يستخدمها لا يرى تلك العيوب إما لانبهاره بالتكنولوجيا ذاتها، أو لقوة الحملة الدعائية من الشركة منتجة التكنولوجيا، أو يتجاهل الشخص العيوب نتيجة المتعة السريعة التى توفرها له تلك التكنولوجيا.
إذا أخذنا مواقع التواصل الاجتماعى مثل الفيسبوك مثلا، هذا تقدم تكنولوجى، ثم جاءت الخطوة التالية وهى متابعة تفاعلك على تلك المواقع ثم إظهار اختيارات تتناسب مع شخصيتك أو مع ما تريد البرمجيات إظهاره لك. هل هذا التقدم الثانى مهم؟ ألم يكن من الأفضل إظهار المحتوى حسب التسلسل الزمنى وترك كل شخص يختار ما يقرأ؟ بالنسبة لشركات التواصل الاجتماعى التقدم التكنولوجى الثانى شديد الأهمية لأنه يزيد من حجم الدخل القادم من الإعلانات، عندما ترى محتوى مخصصا لك فستقضى وقتا أطول على تلك المواقع وبالتالى ستزيد قيمة الإعلانات، لكن بالنسبة للأشخاص فهذا التقدم التكنولوجى سيئ لأنه يقود إلى «إدمان» تلك المواقع، والإدمان بجميع صوره مدمِر، وحيث إن أساس التكنولوجيا هو نفع البشرية وليس زيادة أرباح الشركة، فإن التقدم التكنولوجى القائم على استخدام الذكاء الاصطناعى لإظهار محتوى يجعلك تدمن هو تقدم سيئ.
يمكننا مناقشة تكنولوجيات أخرى يمكن اعتبارها تقدما تكنولوجيا سيئا، على سبيل المثال الأسلحة الذاتية التى لا تحتاج تحكما من البشر، والأطعمة السريعة الضارة بالصحة حتى وإن كانت شهية، إلخ.
مثل هذا التفكير قد يدفعنا إلى الاعتقاد بأن أى تقدم يمكن اعتباره سيئا لأنه لا توجد تكنولوجيا دون قدر من الأضرار، لكن هناك تقدما حسنا.

• • •
تقدم حسن
التقدم التكنولوجى المطلوب هو الذى يؤدى إلى خدمة ورفاهية الإنسان بدون أضرار جسيمة، لاحظ أنه لا تكنولوجيا بلا أضرار.
• الدواء والأمصال الطبية هى تكنولوجيا حسنة حتى وإن كانت لها آثار جانبية، لكن تظل هذه الآثار أقل كلفة من المرض ذاته.
• تكنولوجيا الكشف المبكر عن الأمراض أو توقعها هى تكنولوجيا حسنة، لكنها عالية التكلفة المادية وتؤدى إلى اتساع الهوة فى الخدمات الطبية بين الغنى والأقل ثراء.
• التكنولوجيا الزراعية تساعد على زيادة المحاصيل وبالتالى يصل الطعام إلى عدد أكبر من الناس، وعلى الجانب الآخر التكلفة المادية ليست قليلة وجودة المحصول قد لا تكون بنفس درجة الزراعة التقليدية.
• استخدام الروبوتات فى المصانع والشركات يرفع من كفاءة العمل، لكنه يؤدى إلى فقدان بعض الوظائف.
• وسائل الاتصال السريعة جعلت العالم كله قرية صغيرة، لا ننكر أهمية ذلك ونفعه، لكن فى المقابل ساعد على انتشار المعلومات المغلوطة والإشاعات وتقليل تركيز الجيل الجديد وإدمانه تصفح مواقع التواصل الاجتماعى على حساب أعمال أخرى أكثر أهمية.
القائمة لا نهائية عن التقدم التكنولوجى الحسن، لكننا ذكرنا بعض الأمثلة حتى نوضح أن لكل تكنولوجيا مساوئها، لكن المهم أن تكون الأضرار أقل كلفة من المكاسب.
• • •
ماذا نفعل؟
ماذا نفعل إذن حيال التقدم السيئ، حين تضع الشركات الكبرى الأرباح قبل الإنسان؟ أعتقد أنه لا يمكن عمل شىء بالنسبة للشركات، لكن كفرد لك الحرية فى استخدام تكنولوجيا معينة أو تركها، يمكننا تلخيص اتخاذ القرار فى النقاط التالية:
• هل تريد استخدام تلك التكنولوجيا الحديثة لأن الجميع يتكلم عنها أو يستخدمها ولا تريد أن تحس أنك لا تواكب العصر؟ إذا كان هذا هو السبب الوحيد فلا تستخدمها.
• ما النفع الذى يعود عليك أنت من استخدام التكنولوجيا؟
• ما أضرار تلك التكنولوجيا بالنسبة لك؟ يجب أن تكون دقيقا هنا، لأنه لا تكنولوجيا دون أضرار، ولن نمل من تكرار ذلك.
• هل النفع أكبر من الضرر بالنسبة لك؟ أم لا؟
بالنسبة للحكومات واستخدام التكنولوجيات الجديدة فالموضوع أكثر تعقيدا لأنه يتعلق بالنفع الذى يعود على الدولة من تلك التكنولوجيا، وحساب التكلفة سواء الاجتماعية أو البيئية أو الاقتصادية لتلك التكنولوجيا.
أحب أن أدعو القارئ الكريم لمراجعة مقالين لكاتب هذه السطور، الأولى بعنوان «التكنولوجيا.. رفاهية للبشر وخطر جسيم» (22 أغسطس 2025)، والثانية بعنوان «التكنولوجيا وتأثيرها السيئ على عالمنا» (31 أكتوبر 2025).
هناك كتاب يُعتبر مدخلا جيدا لهذا الموضوع بعنوان:
"Understanding Technology and Society: seminal questions and enduring insights»
أو «فهم التكنولوجيا والمجتمع: أسئلة محورية ورؤى دائمة» من تأليف الأكاديمى الأمريكى تود بيتنسكى.
• • •
التكنولوجيا هى فى النهاية أداة، وأية أداة لها مميزات وعيوب، وبلغة المال لها مكاسب وثمن، يجب أن نكون صرحاء جدا عند دراسة المميزات والعيوب حتى نقرر بناء تلك الأداة أم لا، المشكلة هى عدم الثقة بين الشركات وبعضها البعض، فتخاف شركة أن تتوقف عن تصميم وتصنيع أداة معينة فتسبقها إليها شركة أخرى وتحقق مكاسب عن طريق إخفاء العيوب عن الناس، للأسف.