البطل المظلوم أمام الأرجنتين - خالد محمود - بوابة الشروق
الجمعة 10 يوليه 2026 8:08 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من يحسم مباراة ربع النهائي بين فرنسا والمغرب؟

البطل المظلوم أمام الأرجنتين

نشر فى : الجمعة 10 يوليه 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الجمعة 10 يوليه 2026 - 6:50 م

ثمة هزائم لا تُقاس بالأهداف ولا تُختصر فى النتيجة النهائية، بل تتحول إلى حكايات إنسانية تظل عالقة فى الذاكرة لسنوات طويلة. هزائم تشبه نهاية فيلم كبير، يخرج منها البطل منكسرًا فى الظاهر، لكنه يربح تعاطف الجميع واحترامهم. وهذا بالضبط ما بدا عليه مشهد منتخب مصر أمام الأرجنتين فى كأس العالم.


لم تكن المباراة مجرد تسعين دقيقة من كرة القدم، ولا مجرد مواجهة بين منتخب يبحث عن المجد وآخر يدافع عن لقبه وتاريخه. كانت أشبه بسيناريو درامى مكتمل العناصر، بطل يدخل المواجهة دون أن يرشحه كثيرون، يقف أمام أحد عمالقة اللعبة، ثم يكتشف الجميع أنه ليس مجرد ضيف شرف فى البطولة، بل فريق قادر على الحلم وصناعة المعجزة.


تقدم المنتخب المصرى، لعب بشجاعة، وقدم واحدة من أجمل مبارياته، قبل أن تتداخل القرارات المثيرة للجدل مع مجريات اللقاء، فتتغير ملامح الحكاية وتترك لدى الملايين إحساسًا مريرًا بأن العدالة لم تمنح البطل فرصته كاملة.


فى الدراما، لا يتعلق الأمر دائمًا بمن يفوز فى النهاية، بل بمن يستحق أن يفوز. لهذا السبب بقيت فى ذاكرتنا شخصيات خالدة مثل بطل فيلم «روكى»، والمصارع فى فيلم «The Wrestler»، و«ماكسيموس» فى فيلم «Gladiator». هؤلاء لم يخلدوا لأنهم انتصروا دائمًا، بل لأنهم واجهوا قدرًا قاسيًا، وقاتلوا حتى اللحظة الأخيرة، ثم سقطوا وهم يحتفظون بكرامتهم الإنسانية.


منتخب مصر أدى هذا الدور بامتياز. كان أشبه بالبطل التراجيدى الذى يرفض الاستسلام، ويقاتل رغم معرفته بأن الطريق صعب، وأن خصمه يملك كل عناصر التفوق التاريخى والمعنوى. ومع كل دقيقة، بدا وكأن الفريق يقترب من كتابة فصل استثنائى فى تاريخ الكرة المصرية، قبل أن يتدخل ذلك «الخصم غير المرئى» الذى تعرفه الدراما جيدًا.


فى البناء الدرامى الكلاسيكى، لا يكون الخصم دائمًا شخصًا أو فريقًا. أحيانًا يكون شعورًا بأن الظروف نفسها تقف ضد البطل، وأن قواعد اللعبة لا تسير فى اتجاه أحلامه. وهذا تحديدًا ما شعر به كثيرون بعد المباراة، شعور بأن منتخبًا قدم كل ما لديه، لكنه لم يحصل على النهاية التى استحقها.


لهذا لم يكن الحزن على الخسارة وحدها. فالجماهير اعتادت على أن كرة القدم تمنح الفرح وتمنح الألم، لكن ما أوجع هذه المرة هو الإحساس بأن الحكاية كانت تستحق خاتمة أخرى. أن ترى بطلك يقف على أعتاب إنجاز تاريخى ثم يتراجع الحلم فى اللحظة الأخيرة، تلك هى المادة الخام لكل التراجيديات الكبرى.


ولعل أعظم ما فى الدراما أن البطل المظلوم لا يتحول أبدًا إلى مهزوم حقيقى. بل على العكس، يصبح رمزًا. فالجمهور لا يتذكر دائمًا من رفع الكأس أو من اعتلى منصة التتويج، لكنه يتذكر جيدًا من قاتل بشرف، ومن قدم كل ما لديه ثم سقط واقفًا.


كم من الأفلام العظيمة انتهت بخسارة البطل لكنها بقيت حية فى الوجدان؟ لأن القيمة الحقيقية ليست فى النتيجة، بل فى الرحلة نفسها، فى الشجاعة، والإصرار، والإحساس العميق بأن هذا البطل كان يستحق فرصة أخرى، أو نهاية أكثر عدلًا.


من هذه الزاوية، يمكن قراءة مباراة مصر والأرجنتين باعتبارها أكثر من مجرد حدث رياضى. إنها قصة وفصل درامى مؤثر عن العدالة المؤجلة، وعن البطل الذى لم يحصل على كل حقوقه، لكنه كسب شيئًا أكثر بقاءً من الانتصار نفسه: احترام العالم وتعاطف جماهيره.


ففى كرة القدم، كما فى السينما، ليست كل النهايات السعيدة هى التى تنتهى برفع الكأس. أحيانًا تكون النهاية الأكثر تأثيرًا هى أن يغادر البطل المشهد مثقلًا بالجراح، لكنه يترك خلفه حكاية لا تُنسى.


وربما لهذا السبب سيبقى ما حدث أمام الأرجنتين واحدًا من تلك المشاهد التى تتجاوز حدود الرياضة. مشهد يذكرنا بأن البطولة ليست دائمًا فى الفوز، وأن بعض الأبطال يولدون من رحم الهزيمة.


لأن البطل الحقيقى، فى النهاية، ليس فقط من ينتصر.. بل من يجعل الجميع يشعر بأنه كان يستحق الانتصار.

خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات