تعلمت من المبادرة - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الجمعة 10 يوليه 2026 8:08 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من يحسم مباراة ربع النهائي بين فرنسا والمغرب؟

تعلمت من المبادرة

نشر فى : الجمعة 10 يوليه 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الجمعة 10 يوليه 2026 - 6:50 م

• فى مثل هذه الأيام منذ قرابة 29 عاما انطلق قطار مبادرة منع العنف التى دشنتها الجماعة الإسلامية وهى أكبر وأشمل عملية مراجعة ذاتية شاملة قامت بها حركة إسلامية تحولت بها إلى السلمية والحوار والمراجعة.


• وقد تعلمت الكثير من هذه المبادرة العظيمة ما يلى:


أولا: أدركت أن أعظم وأقوى لحظة فى حياة الإنسان هى لحظة اعترافه بالخطأ ومحاولته تصحيح هذا الخطأ ما أمكنه ذلك، وقد قلت فى إحدى كلماتى أيام المبادرة «إننا لا نريد أن نصنع جاها كاذبا على جماجمكم وآهاتكم ويُتم أطفالكم وترمل نساؤكم، بل نريد أن نبيع كل جاه كاذب من أجل حقن دماء الجميع، وألا تكون بين الناس كراهية أو أحقاد أو إحن أو دماء أو تربص.


ثانيا: أدركت أن القائد الحق لأى حركة إسلامية هو الذى يخرج الناس من السجون وعذاباتها ويحقن دماءهم، وأن القائد الفاشل هو الذى يزج بالآلاف من أبنائه إلى السجون وأهوالها وقد كان قادرا بكلمة واحدة أن ينقذهم منها.


ثالثا: تعلمت أن من يريد السلام وحقن الدماء لابد أن يتنازل، وما دام ذلك ليس فى الدين فلا حرج عليه، فإن تخسر فى السلام أفضل من أن تكسب فى الحرب.


رابعا: دخلت تجربة المبادرة وأنا أظن أننى أنا المعلم فيها ولها فى البداية، فإذا بى أجد نفسى تلميذا صغيرا فى مدرسة عظيمة اسمها مدرسة الصلح والسلام، فأحببت «فقه الصلح» وحزنت لإهمال هذا النوع من الفقه، فكتبت عنه، وأحببت رواد الصلح وعلى رأسهم محمد نبى الإسلام العظيم الذى قبل كل الشروط المجحفة فى الحديبية رغبة فى حقن الدماء، وكلما فرضوا عليه شرطا مجحفا قبله دون تردد، حتى حزن الصحابة الأجلاء، وإذا بالقرآن الكريم يحسم الموقف لصالح رسوله العظيم فسمى هذا الصلح «فتحا مبينا».


• وأحببت «الحسن بن على» رائد فقه الصلح والتنازل عن حقه لحقن الدماء فنال وسام «إن ابنى هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظمتين من المسلمين» وآليت على نفسى أن أكتب عنه طوال حياتى، وقد فعلت ولله الحمد، وأحببت صلاح الدين الأيوبى والسادات لأنهما نجحا فى الحرب والسلام معا، وشعرت بما عاناه كل منهما فى سعيهما للنجاح فى الحرب والسلام وكلاهما بخس حقه فى الأمرين.


خامسا: أدركت أن صنع السلام وترسيخه ليس سهلا وأنك ستشتم فى طريق الوسطية والسلام أكثر مما تشتم فى طريق التطرف ولكن مرضاة الله أولى من رضا الناس.


سادسا: أدركت أن معظم من يعيش خارج مصر يميل نحو التشدد ورفض التصالح لأنه لا يدفع عادة ثمنا لذلك بل يعطيه ذلك جاها كاذبا يسعد نفسه بالباطل وهو لا يدرى، فى الوقت الذى لا يستطيع نقد البلد الذى يعيش فيه ويكيل الشتائم يوميا لوطنه وحكومته.
سابعا: أدركت كذلك أن سلاح الحب والعفو والرحمة والتغافر أقوى من كل أسلحة العنف.


ثامنا: قلت مرارا: إن أرجى ما يتقرب به العبد إلى ربه هو حقن الدماء، وأن الحرب تبدأ بكلمات، فخطاب الحرب سيؤدى إليها ولو لم يقصد ذلك أهله، وخطاب السلام والتسامح والصلح سيؤدى إلى هذه الثلاثة حتى ولو بعد حين.


تاسعا: تعلمت أن من الغباء أن تطلق خطاب الحرب وأنت تريد السلام، وتعلمت إنك إذا أردت أن تنحو الدولة نحو المصالحة والسلام فابدأ أنت بها أولا، فابذل السلام ستجده، وابذل العفو ستلقاه، وراجع نفسك فستراجع الدول نفسها ولو بعد حين، الدول يأخذها الكبر ولا تتوقف عن خروقاتها إلا حينما تتوقف أنت عن خروقاتك وحماقاتك، فماذا عليك إذا راجعت نفسك لله حتى وإن لم تأخذ شيئا فى المقابل، فيكفيك أنك وصلت للحق ورجعت للصواب وتوقفت عن الغى والعنف، وصنعت ما ينبغى عليك فعله، وتأكد أن الله سيقذف فى قلب خصومك السياسيين وقتها أن يفعلوا الواجب عليهم.


• وإذا بالسجون تتحول من إهدار الكرامة الدينية والإنسانية إلى أفضل سجون فى منطقة الشرق الأوسط، وزار أكثر من ألف سجين منازلهم فى مناسبات سعيدة أو حزينة، حتى زار بعض المحكوم عليهم بالإعدام بيوتهم وعادوا دون مشكلة.


عاشرا: وآخر ما توصلت إليه أن فكرة التنظيمات الإسلامية غير القانونية تحتاج إلى مراجعة من قادة هذه الجماعات فحصادها العام سلبى فى مجمله على الدين والوطن وحتى على أهلها وذويها وأن هذه التنظيمات ستصطدم حتما مع دولها بداية من الصدام البارد وانتهاءً بالساخن العنيف الذى تراق فيه الدماء ولا يرحم أحد الطرفين الآخر ولا يفكر فى قرابة أو دين أو وطن يجمعهما، ويتكرر هذا الأمر تقريبا كل عشر سنوات فنكون جميعا ممن لا أرضًا قطع ولا ظهرا أبقى.


• وخلصت أن فى هذه التنظيمات أناسا صالحين ومحترمين كثر ولكن انخراطهم فى داخل التنظيمات يجعلهم جزءًا لا يتجزأ منها فيدورون معها حيث دارت ويقعون حيث وقعت، وتصيبهم كل المكاره فى ذلك الطريق المحفوف بالأخطار والذى لا نجاة فيه.


• لقد مكثت فى السجون والجميع يعلم شجاعتى ورباطة جأشى فيها وأن كل ما قلته أيام المبادرة ظللت متمسكاً به، مهما دارت الأيام وتعاقبت، لا أطلب سلطة ولا أتقرب لذى سلطان، ولا تغرنى الدنيا مهما علت وارتفعت، فهمتى محصورة والحمد لله فى الطب والعلم، وأعتبرهما أفضل من كنوز الدنيا كلها حتى لا يقول البعض إنى أفعل أو أقول ذلك مجاملة لأحد فلا أرجو سوى الله وحده.

التعليقات