• الأقصر بلد الرقة والرقى، من يحيا بها يتعلم ويتربى على هذه الصفات، ولذلك كانت من المحافظات القليلة التى حافظت على هدوئها وسلامها ونظافتها بعد ثورة يناير، ولم تغرق فى الصراعات السياسية أو الطائفية التى لحقت ببعض محافظات الصعيد.
• وقد تمتع فارسنا اليوم بصفات وطنه الأقصر، فكان رقراقًا وراقيًا ومتحضرًا فى كل مراحل حياته، وكان غاية فى التواضع، رقيقًا ودودًا فى كل تعاملاته مهما علت مناصبه الطبية، لا يرى نفسه ولا يدور حول ذاته، يعشق صناعة الخير ويدمن بذل المعروف.
• وصل إلى درجة مدير الصيدلة بمحافظة الأقصر، ونائب مدير القومسيون الطبى والمجالس الطبية المتخصصة، ورغم ذلك لم يقصده فقير أو مكلوم أو مكروب إلا وقضى حاجته دون سابق معرفة أو قرابة، كان ملجأً للغلابة واليتامى والأرامل، يعرفونه ويعرفهم، يقصدونه ويقصدهم، كلاهما لا يستغنى عن الآخر.
• جمع بين عفة اليد واللسان، لم يفرق فى عطائه الإنسانى بين قريب أو بعيد، ومسلم أو مسيحى، ومن له ظهر ومن لا ظهر له سوى الله، أحب الفقراء والضعفاء وعشق خدمتهم فأحبوه وبادلوه حبًا بحب.
• كان يشارك الناس أفراحهم وأحزانهم، يخفف عنهم آلامهم وأحزانهم، وما أدراك ما كربات المرضى من ذوى الأمراض المزمنة مثل الفشل الكلوى أو الكبدى أو السرطان أو هبوط القلب، وهؤلاء جميعًا هم فى صميم عمله ومجال خيره وبذله.
• كان لا يرد سائلًا، ويقصده الجميع فيصنع الخير لهم ومعهم بلا تردد، وكان فى غاية المرونة الإدارية فى مجال عمله حتى ييسر على هؤلاء المكروبين إنجاز أوراقهم وتصاريح علاجهم على نفقة الدولة أو صرف معاشاتهم من «تكافل وكرامة».
• لم يُضبط يومًا يشيح بوجهه عن مريض أو طالب حاجة فى مجال عمله أو فى أى جهة أخرى.
• لم يُضبط يومًا وهو يتكبر على البسطاء، مع أن مناصبه وثروته تغرى غيره بذلك وتصرفه عن حب الفقراء والمكروبين الذين تتضاعف أعدادهم فى مصر كل يوم.
• كان يقول لكل من يعمل تحت رئاسته من الأطباء والصيادلة والموظفين: «ارفقوا بالناس، يسروا لهم إنهاء أوراقهم بسرعة، اعتبروهم مثل آبائكم وأمهاتكم، لا تردوا أحدًا جاءنا دون قضاء حاجته».
• لم يصدق الناس فى منطقة صيدليته أنه مات، تدخل المرأة الصيدلية فتقول وهى تبكى: هل حقًا مات د/ أيمن؟ وأخرى تقول: أنا لا أصدق أنه مات، وذلك من كثرة إحسانه إلى الناس.
• كانت الدنيا لا تمثل له شيئًا، يحكى صديق عمره أ/ عبدرب النبى حافظ، الموجه بالتعليم الثانوى، والذى صاحبه طويلًا مع المهندس رجب عطا: «كانت أى امرأة تشترى العلاج فتدفع ما لديها ويترك لها الباقى إن لم تقدر على دفعه، وهناك امرأة أخذت العلاج ثم انصرفت دون دفع ثمنه، فتحرج أن يناديها أو يخبرها بالثمن أو حتى يستدعيها بعد ذلك، فهى تعلم أنه سيتركها دون إحراجها». ومن تجربتى الحياتية، الفقراء يعرفون الكرام ويقرأون تصرفاتهم مسبقًا.
• كانت جنازة د/ أيمن جاد الرب مشهودة فى الأقصر، لم يتخلف عنها أحد، فهو علم من أعلام الأقصر فى التدين والرفق والزهد والصيدلة، وينحدر من أسرة طيبة هى عائلة الجواهرة بالأقصر من ناحية أبيه، أما أمه فتنحدر من عائلة الملاحين العريقة بقوص.
• وأسرته كلها محبة للعلم والدين، وزوجته صيدلانية مثله، ولديه عدة أولاد منهم رغد فى الطب البيطرى.
• امتحن فى شبابه بالاعتقال فضرب أروع الأمثلة فى تطبيب المرضى ورعايتهم، فقد أصر على المشاركة فى علاج مرضى الدرن رغم تحذير الجميع له، ولكنه أصر على البقاء معهم رغم الخطر الجسيم المحدق به، وفعلا أصيب بالمرض الخطير، ثم تحسنت أحوال السجون فبرئ الجميع من هذا المرض العضال.
• وهذا موقف لا يقدر عليه إلا أفذاذ الرجال مثل د/ أيمن جاد الرب، الذى يشهد له الجميع بكل جميل.
• كانت حياته كلها مجموعة متواصلة من التحديات الكبرى التى تخطاها بسلام ونجاح، لكنها حفرت أخاديد فى نفسه وقلبه الذى أجهده الضنا، مما جعله يضرب رقمًا قياسيًا فى عدد دعامات قلبه التى وصلت إلى خمس دعامات، لكن ناء القلب بآخر قسطرة لقلبه فأسلم الروح لبارئها.
• رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.