• تألمت كثيرا عندما علمت بنبأ بيع أ/محمد أمين الصحفى لمكتبته حتى يجد ما ينفق به على أسرته.
• تذكرت فى الحال كاتب الشرق الأول العقاد حينما باع مكتبته قبل موته لحاجته الماسة إلى المال، وكانت مكتبته فريدة من نوعها حيث كان يشترى الكتاب فور صدوره فى أى بلد فى العالم.
• العقاد هو أول موظف يستقيل فى مصر رغم حاجته للمرتب، وأقول ذلك دوما لصديقى الجميل الكاتب المبدع د/ عمار على حسن «سرت على نهج العقاد واستقلت من وظيفة كبرى حتى يرتاح ضميرك المهنى، وحاربت الإرهاب والتطرف الدينى والعلمانى والفساد وتوريث الحكم وكتبت عشرات الكتب العلمية والأدبية وحصلت على الدكتوراه من أعرق كلية وجامعة، وارتقيت مرتقى صعبا على نهج العقاد، تاركا أمر رزقك أنت وأولادك إليه سبحانه، المفكر والكاتب فى مصر إن لم يكن له عمل آخر يتكسب منه أصبح فى دائرة الفقر والعوز.
• العقاد كاتب الشرق الأول، وأعظم من أمسك بالقلم فى القرن العشرين، لم يخضع لأحد قط مهما علا جاهه ولم يجامل مسئولا فى الوقت الذى مدح فيه العباقرة الموتى لأنه آمن بعبقريتهم، إنه محامى العباقرة.
• كتب عن عبقرية عمر والصديق أبى بكر وعثمان وعلى وفاطمة الزهراء وعمرو بن العاص، وواجه بهم ما أراده المد الشيوعى الجارف وقتها من وضع أمثال «لينين وماركس وستالين» كنماذج لأمة العرب والمسلمين فأسقط نماذج الشيوعية المشوهة وحطمها.
• فلما علا نجم هتلر واعتبره البعض مخلصا من طغيان الإنجليز شن حملة ضارية عليه وعلى النازية حتى أهدر هتلر دمه ورصد جائزة لمن يأتى برأسه، فذهب إلى السودان، وهناك اقترب من أهلها وأصبح من أقرب المفكرين والكتاب المصريين إلى السودانيين.
• كان العقاد لا يكل ولا يمل وكلما خرج من معركة فكرية دخل فى أخرى، فقد واجه الملك فؤاد الذى أراد تغيير فقرتين فقط فى الدستور وهما «الأمة هى مصدر السلطات»، والأخرى «الوزارة مسئولة أمام البرلمان» فصاح مهددا له فى البرلمان «إن الأمة على استعداد لسحق أكبر رأس يخون الدستور» فسجنه فؤاد.
• يقول العقاد: «لى أصدقاء وأعداء بحمد الله، لقد حاربت الطغيان والفوضى، ومذاهب الهدم والبغضاء، والتبشير، وحاربت التقليد الأعمى والدجل المريب باسم الدين، والجمود والرجعية، والأحزاب والملوك، وهتلر ونابليون والمستعمرين، والصهيونية، وأعداء الأدب القديم، لقد حاربت هؤلاء جميعا، فالتقى على محاربتى أناس من هؤلاء وهؤلاء «صهيونى إلى جوار نازى أو فوضوى إلى جوار رجعى إلى ملحد، إلى جانب حامل اللحية المزيفة باسم الدين إلى جانب الماركسى من اليسار والمبشر من اليمين.. فحمدًا لله أن أرسل على هذه السيوف المشرعة من كل جانب لكنه أسبغ على الدروع التى تتكسر عليها تلك السيوف، فقال رب الجنود: «أنت قدهم وقدود».
• فالعقاد الذى رفض مدح الملوك والحكام يمدح غاندى وفرانكلين، ويرفض أن يهادن الشيوعية وهى فى عنفوان قوتها، أو يسكت عن النازية وهتلر وجيش الألمان فى العلمين، ويأبى أن يجامل الحكام وقصورهم والأحزاب أو الرأسمالية الجشعين وهو لا يجد قوت يومه.
• فقد مرت عليه أيام لا يجد ما ينفقه ولعل الخطاب الذى بعثه لصديقه «لطفى جمعة» قائلا: «ساعدنى، فإنى لا أجد قوت يومى» يعد نموذجا على هوان الفكر والمفكرين فى بلادنا ونقطة سوداء فى حياتنا الأدبية، ولو سخر العقاد قلمه لمدح الملوك والحكومات المتعاقبة وسدنتهم لعاش يتقلب فى النعيم.
• ومنذ هذا الزمن والإنسان والعلم والفكر فى بلادنا أرخص بضاعة، وهى الوحيدة التى ينخفض ثمنها مع ارتفاع الأسعار الجنونى.
• ورغم اعتداده بنفسه إلا أنه كان رحيما، فقد رأى فى سجنه جلادا يهوى بسوطه على ظهر سجين حتى أدماه، فظل يبكى ولا يستطيع النوم أيامًا ثم مرض على إثر ذلك فترة.
• وكان العقاد لا يهاب الموت ولكنه يكره المرض لأنه يذل الإنسان «إذا فاجأنى الموت فإننى أصافحه ولا أخافه بقدر ما أخاف المرض لأنه ألم مذل لا يحتمل لكن الموت ينهى كل شىء».
• إننى أعتقد أن هناك تقاربًا فى الشخصية بين العقاد ود/عمار على حسن فى الرجولة والزهد والتعفف عن النقائص.
• سلام على مفكرى هذه الأمة الصالحين، وعلمائها الزهاد المتواضعين.