الحالة الاقتصادية والحالة الجامعية - محمد زهران - بوابة الشروق
السبت 9 مايو 2026 12:05 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

الحالة الاقتصادية والحالة الجامعية

نشر فى : الجمعة 8 مايو 2026 - 5:50 م | آخر تحديث : الجمعة 8 مايو 2026 - 5:50 م


هل الجامعة مثل الشركة؟
ما موارد الجامعة؟
هل يجب معاملة الجامعة على أنها شركة؟


عنوان هذا المقال قد يعطى إيحاء أننا سنتكلم عن حالة الأساتذة الاقتصادية وهو حديث ذو شجون، أساتذة الجامعات عادة مرتباتهم أقل ممن يعملون فى الشركات، ناهيك عن أن مرتباتهم فى الدول النامية أقل بكثير منها فى الدول المتقدمة، لكننا سنتكلم عن اقتصاديات الجامعات كهيئة لها رسالة تعليمية سامية لكن فى الوقت نفسه عليها أعباء مالية، مرتبات الأساتذة هى أحد تلك الأعباء.


لماذا نحتاج أن ننظر لاقتصاد الجامعات؟ هذا مهم لعدة اعتبارات، أولا حتى نستطيع زيادة مصادر الدخل للجامعة بخلاف مصروفات الطلبة التى أصبحت تثقل كاهل الكثير من العائلات فى الدول النامية أو تضع الكثير من الطلبة فى أتون الديون فى دول مثل أمريكا حيث يتخرج طلبة كثيرون من مرحلة البكالوريوس وأمامهم سنوات عديدة من العمل لسداد ديون التعليم، ثانيا من المهم للشخص العادى معرفة كيف تعمل الجامعات من الناحية الاقتصادية حتى يتفهم كيفية عمل مؤسسة مهمة كالجامعة تؤثر على حياته وعلى بيئته عن طريق خريجيها، ثالثا فهم اقتصاديات الجامعة قد يشرح فى بعض الأحيان كيف يتم تحديد المصروفات، وأقول «فى بعض الأحيان» لأنه فى أحيان أخرى قد تكون هناك الرغبة فى تعظيم المكسب.


مقالنا اليوم يتحدث عن الجامعة كبناء اقتصادى، لكن هل هو يشبه الشركة؟ هل يجب أن نعامل الجامعة كشركة؟ هناك بعض التشابه، مثلا الشركات لها موارد والجامعات أيضا.


• • •
موارد الجامعة
للجامعات مصادر عدة للتمويل، ليس بالضرورة أن تتواجد كل المصادر فى كل جامعة، لأن هناك اعتبارات متعلقة بقوة الجامعة وتصنيفها والمنطقة التى تقع فيها إلخ، لكن فى الأغلب الأعم لن تخرج مصادر دخل أية جامعة عن المصادر الآتية:


• مصروفات الطلبة: وهذا هو البند الذى يتبادر إلى الذهن حين تُذكر موارد الجامعات، هذا البند يعتمد على عوامل عدة، منها على سبيل المثال هل الجامعة تأخذ دعما من حكومة بلدها؟ فى هذه الحالة تكون المصروفات أقل. فى أمريكا مثلا الجامعات التى تأخذ دعما من ولاياتها تكون جامعات أهلية بمصروفات أقل، وعادة يكون اسم الجامعة مشتقا من اسم الولاية مثل جامعة ميريلاند وجامعة كاليفورنيا. عامل آخر يؤثر على المصروفات هو اسم الجامعة من حيث القوة والعراقة، كلما زادت عراقة وقوة الجامعة زادت المصروفات مثل جامعة هارفارد أو جامعة أوكسفورد. من العوامل المؤثرة أيضا كبر حجم الجامعة وتخصصاتها، فالجامعات التقنية التى تحتاج معامل لعدد كبير من الطلبة تكون مصروفاتها أعلى من الجامعات الصغيرة المتخصصة فقط فى العلوم الإنسانية. هناك نقطة أخيرة فى هذا البند وهى نقطة سيئة ونجدها فقط فى الدول النامية أكثر من الدول المتقدمة وهى المغالاة فى المصروفات لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة خاصة فى الجامعة الخاصة. أمريكا بها فى الغالب الأعم جامعات حكومية وجامعات أهلية وليست خاصة، تعريف الجامعة الخاصة هو أن يمتلكها شخص يتكسب منها، وبالتالى تصبح الجامعة مشروعا تجاريا أكثر منه رسالة تعليمية، وأقول إنها متواجدة أكثر فى الدول النامية لأنها الدول التى تعتبر الشهادة هى الهدف وليس التعليم، أى إنها «بلد شهادات».


• تمويل أبحاث الأساتذة: يعتبر من مصادر دخل الجامعة، التمويل يأتى من منظمات وجمعيات وشركات من خارج الجامعة لتمويل أبحاث الأساتذة فى الجامعة، أى إن تلك الأموال موجهة للأستاذ، لكن كل جامعة تأخذ نسبة، كلما ارتفع تصنيف الجامعة وعراقة اسمها كلما زادت نسبة الجامعة من تمويل الأساتذة، لأنها تقول إنه دون اسم الجامعة الكبير لما حصل الباحث على كل ذلك التمويل. هذا طبعا معناه أن تشجع الجامعة على البحث العلمى الرصين وليس فقط النشر فى المجلات والمؤتمرات «الدرجة تانية» من باب «المنظرة».


• التبرعات هى المصدر الثالث من مصادر التمويل، فى الجامعات الأمريكية هذا المصدر هو الشغل الشاغل لرئيس الجامعة، يحدث ذلك عن طريق مخاطبة الخريجين الذين أصبحوا من كبار رجال الأعمال، أو مخاطبة رجال الأعمال وتشجيعهم على التبرع ثم تسمية اسم مبنى أو قسم أو كلية على اسمهم، لذلك من أهم سمات رؤساء الجامعات فى أمريكا شبكة العلاقات الواسعة.


• الشركات الناشئة: بعض الجامعات مثل جامعة ستانفورد وجامعة نيويورك تشجع أساتذتها وطلبتها على إنشاء شركات ناشئة لتسويق أفكارهم البحثية، وتساعد الجامعة عن طريق إعطاء بعض التمويل والمساعدات القانونية واللوجستية وفى المقابل تحصل على نسبة من الأرباح لمدة زمنية معينة.


• الخدمات العامة مثل الاستشارات من مصادر الدخل للجامعات وتعتبرها بعض الجامعات من وسائل مساعدة البيئة المحيطة بالجامعة، هذا البند وضعته فى نهائية القائمة لأنه ليس الأكثر شيوعا حسبما رأيت فى الجامعات الأمريكية، لكنه موجود فى بعض الجامعات على مستوى العالم.
مع وجود هذه الموارد، هل يمكن اعتبار الجامعة مثل الشركة؟


• • •
هل الجامعة مثل الشركة؟
الشركات لها موارد كما أن للجامعات موارد، الشركات لها مصروفات كما أن للجامعات مصروفات، الشركات تقدم خدمة أو منتجا وهو نفس الحال للجامعات، الشركات تتنافس فيما بينها وكذلك الجامعات تتنافس على اجتذاب الطلاب والأساتذة الأكفاء والنشر العلمى إلخ، فهل يمكن اعتبار الجامعة شركة؟ هى تتشابه مع الشركات فى النقاط التى تم ذكرها، لكن هناك اختلافات.


الجامعات من المفترض ألا تعظم الربح لكن تحسن كفاءة منتجها النهائى، المنتج الأساسى للجامعة هو الطالب، هى لا تقدم خدمة للطالب لكن «تصنع» الطالب، تعلمه التفكير وكيفية الحصول على المعلومة وتنقيتها ونقدها إلخ. يأتى فى المقام الثانى البحث العلمى ومخرجاته، ثم خدمة البيئة المحيطة عن طريق الاستشارات والشركات الناشئة وما شابه، وهى كلها أشياء يصعب قياسها مثل حجم المبيعات فى الشركات مثلا.


من المهم جدا التفرقة بين الشركات والجامعات، إذا اعتبرناهما نفس الشىء فإنه يمكن غلق الأقسام الجامعية التى لا تدر ربحا (كما يحدث فى الشركات)، لكن هذا لا يجب أن يحدث بالحدة والسرعة التى تحدث فى الشركات.
• • •
من الناحية الاقتصادية يمكن أن نعتبر الجامعة مثل الشركة، لكن من الناحية الاجتماعية هى أكثر خطورة من أية شركة لأن منتجها النهائى هو مستقبل البلاد.

 

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات