هل يعوق الاقتصاد التقدم التكنولوجى؟
متى نسير من العلم إلى التكنولوجيا؟
ما تأثير هذا المثلث على سوق العمل؟
العلم والتكنولوجيا عاملان مؤثران تأثيرًا كبيرًا فى الأحداث التاريخية. تلك الأحداث تعتمد على تفاعل الدول وعلى تفاعل الأفراد داخل الدولة الواحدة. فأما التفاعل بين الدول فيعتمد على القوة الناعمة والقوة الخشنة؛ فالقوة الناعمة، من رفاهية الحياة وأدوات الترفيه المبهرة، إلخ، هى فى النهاية تكنولوجيا انبثقت من أبحاث علمية، والقوة الخشنة فى فترة الحروب هى أيضًا تكنولوجيا؛ فالأسلحة وأدوات الأمن السيبرانى تطبيقات تكنولوجية.
الأفراد يتأثرون بالتكنولوجيا، وهذا ماثل أمامنا فى أيامنا هذه فى مواقع التواصل الاجتماعى، وألعاب الكمبيوتر، وبرمجيات الذكاء الاصطناعى للمحادثة. خلاصة القول إن العلم والتكنولوجيا يكتبان أسطر التاريخ، خاصة أن العلوم الإنسانية، من علم النفس والاجتماع، إلخ، هى أيضًا علوم تؤثر فى الدول والأفراد.
العامل الثالث الذى يقود العالم، خاصة فى عصرنا، هو الاقتصاد؛ فهو عامل يؤثر فى حياة الناس، وعلى العلم والتكنولوجيا. الحروب فى العصور الحديثة تدور حول عوامل اقتصادية، مثل مصادر الطاقة والمعادن النادرة وطرق التجارة، التى تؤثر بدورها على سلاسل الإمداد.
مقالنا اليوم يناقش العلاقة بين تلك العوامل الثلاثة، فكلٌّ منها يؤثر ويتأثر بالاثنين الآخرين، ومعرفة تلك العلاقة تساعد على فهم الأحداث الحالية، وعلى تحليل الأحداث التاريخية، وعلى الاستعداد لمواجهة تغيرات سوق العمل، وأيضًا تساعد على بناء سياسة علمية متوازنة. وفيما يتعلق بالنقطة الأخيرة، فأحب أن أدعو القارئ الكريم للنظر فى مقال سابق لكاتب هذه السطور بعنوان «السياسة العلمية للدول» بتاريخ 18 أغسطس 2023.

• • •
أضلاع المثلث
العلم هو نقطة البداية، والتكنولوجيا هى تطبيق العلم على هيئة اختراعات نراها فى شكل منتجات أو خدمات. ليست كل الاكتشافات العلمية تتحول إلى اختراعات؛ فهذا الطريق يحتاج إلى تمويل ووقت، ولا يوجد الوقت ولا التمويل اللازمان لتحويل كل الاكتشافات العلمية إلى تكنولوجيات، ناهيك عن الاكتشافات العلمية التى لا يوجد تطبيق واضح لها بعد. لذلك تظل الكثير من الاكتشافات العلمية حبيسة الأوراق العلمية وبراءات الاختراع حتى تظهر حاجة لتحويلها إلى تكنولوجيا.
هذه الحاجة قد تكون ظهور خطر يهدد البشرية، مثل الأوبئة، أو أثناء الحروب، مثل مشروع مانهاتن الذى أدى إلى ظهور القنبلة الذرية. التاريخ يقول لنا إن عشرات السنين تمر قبل أن يتحول الاكتشاف العلمى إلى تكنولوجيا، لكنى أعتقد أن هذا المدى الزمنى سيقل كثيرًا فى السنوات القادمة نتيجة الوتيرة المتسارعة فى الاكتشافات العلمية، وأيضًا تأثير التكنولوجيا على العلم.
ما ذكرناه هو تأثير العلم على التكنولوجيا؛ فالأول هو الفكرة، والثانى هو التطبيق، لكن العلاقة متبادلة؛ لأن التقدم العلمى يحتاج إلى أجهزة، وكلما تطورت الأجهزة زادت وتيرة البحث العلمى. وقد تقدمت أدوات البحث العلمى تقدمًا كبيرًا فى السنوات الأخيرة، ومن المنتظر أن تتقدم بوتيرة أسرع فى المستقبل، نظرًا لاستخدام برمجيات الذكاء الاصطناعى فى البحث العلمى.
وهنا أحب أن أدعو القارئ الكريم لمراجعة مقالين كنت قد نشرتهما بفارق زمنى ثلاث سنوات؛ الأول بعنوان «العلم والتكنولوجيا» بتاريخ 12 نوفمبر 2022، والثانى بعنوان «الفارق بين تطور التكنولوجيا وتطور العلم» بتاريخ 7 فبراير 2025.
نأتى الآن إلى عامل حاسم فى تقدم العلم والتكنولوجيا، وهو الاقتصاد. الاكتشافات العلمية تحتاج إلى تمويل، وتحويل تلك الاكتشافات إلى تكنولوجيا يحتاج أيضًا إلى تمويل. هذا التمويل لا يكفى الجميع، لذلك يتم اختيار الموضوعات العلمية والابتكارات التكنولوجية تبعًا للسياسة العلمية لكل دولة. فالدول التى تعتمد على الزراعة، مثلًا، يجب أن تهتم بالبحوث الزراعية، وتلك التى تعانى فقرًا مائيًا عليها الاهتمام بالأبحاث المتعلقة بتحلية مياه البحار، واستكشاف المياه الجوفية، وترشيد استخدام المياه عن طريق الذكاء الاصطناعى، إلخ.
هذا عن العلاقة من الاقتصاد إلى العلم والتكنولوجيا، فماذا عن تأثير التكنولوجيا على الاقتصاد؟ التكنولوجيا هى منتجات وخدمات، أى منتجات استهلاكية يدفع الناس أموالًا للحصول عليها؛ إذًا فالتكنولوجيا تدر مالًا على الحكومات والشركات. وقد ناقشنا تأثير البحث العلمى على الاقتصاد فى مقال سابق بعنوان «تأثير البحث العلمى على الاقتصاد» بتاريخ 13 أكتوبر 2023.
وحيث إننا ذكرنا الشركات، فمثلث العلم والتكنولوجيا والاقتصاد يؤثر على سوق العمل.

• • •
معضلة سوق العمل
هناك مشكلة متعلقة بسوق العمل؛ فالطلبة يدخلون الكلية التى تؤهلهم للحصول على عمل مجزٍ بعد التخرج، لكن المشكلة أن بين قرار اختيار الكلية والالتحاق بسوق العمل فاصلًا زمنيًا يمتد من ثلاث إلى خمس سنوات، وهى مدة قد يحدث فيها الكثير:
• التقدم التكنولوجى يغير من شكل سوق العمل، وهو يحدث بخطوات متسارعة كما قلنا. نحن لم نسمع عن الذكاء الاصطناعى التوليدى مثل «شات جى بى تى» قبل 2022، فماذا عمن اختار كليته فى 2021 أو 2020؟
• الاقتصاد فى أى مجال يدور دورته: توسع، ثم تباطؤ، ثم ركود؛ فماذا عمن اختار كليته فى وقت التوسع، ثم تخرج فى وقت التباطؤ أو الركود، حيث تقل الوظائف فى المجال الذى اختاره؟
• الأحداث العالمية تخلق مجالات جديدة أو تنعش مجالات راكدة؛ فمثلًا الاحتباس الحرارى ينعش المجالات المتعلقة بالمناخ، وقد تنتعش تلك المجالات بعد أن يكون الطالب قد قضى سنة أو أكثر فى تخصص آخر.
• العلاقات بين الدول تؤدى إلى ظهور أو اختفاء أو تقليل بعض الوظائف. وسائل الاتصال والشركات عابرة القارات أدت إلى انتشار وظائف متعلقة بالبرمجة، مثلًا، عن طريق التعهيد (outsourcing).
لم نذكر فى هذه العوامل الكوارث، مثل الحروب والأوبئة، التى تؤثر بشدة على سوق العمل.
لكل ذلك، تُعد الدراسات المستقبلية مهمة؛ لأنها تتنبأ بطريقة منهجية بالتقدم التكنولوجى، وبالتالى سوق العمل. وأدعو القارئ لمراجعة مقال لى بعنوان «علم المستقبل ومستقبل العلم» بتاريخ 4 إبريل سنة 2021.
• • •
الأصل فى العلم والتكنولوجيا هو حماية الإنسان ورفاهيته، وأى تغيير فى هذه الأهداف يُعد انحرافًا، ويحتاج إلى إعادة نظر فى السياسة العلمية وتطبيقها.