من كان يصدق؟! - يحيى عبد الله - بوابة الشروق
الأربعاء 6 مايو 2026 2:45 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

من كان يصدق؟!

نشر فى : الثلاثاء 5 مايو 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الثلاثاء 5 مايو 2026 - 7:00 م

من كان يصدق أن دولة تقمصت دور الضحية وعاشته لعقود طويلة، وارتدت قناع المظلومية، ومارست به تضليلًا، فصدقها وتعاطف معها كثيرون، قد فضحتها ممارساتها فى غزة والضفة ولبنان وإيران، وأسقطت كل الأقنعة التى توارت خلفها، حتى إنها صارت فى نظر العالم، الآن، بمن فيهم أقرب حلفائها، إلا قليلًا، دولة مجرمة وعدوانية وفاشية وعنصرية وتوسعية؟!

ثمة مقولة إسرائيلية لدافيد بن جوريون، تعبر عن لا مبالاة  تجاه غير اليهود تقول: «ليس مهمًا ما يقوله الأغيار وإنما ما يفعله اليهود». بيد أن الأغيار لم يعد ينطلى عليهم تضليل، واتخذوا مواقف ضده.

• • • 

فى أوروبا، من كان يصدق أن إيطاليا، إحدى الدول الأوروبية الأكثر دعمًا لإسرائيل، تعلق العمل بالاتفاقية العسكرية التى وقعتها معها، وأن تتحول نظرة قطاع عريض من الإيطاليين تجاهها ــ دولة وحكومة وشعبًا ــ من النقيض إلى النقيض؟! قد يقول قائل، إن ضغط المعارضة والأحزاب اليسارية ــ التى تطالب، حتى، بقطع العلاقات معها هو ما دفع رئيسة الحكومة، جورجيا ميلونى، إلى اتخاذ هذا القرار، لكن أحزاب الوسط، أيضًا، تمارس ضغطًا مماثلًا، بحسب دانيئيل باتينى.

بمعنى أنها حالة مجتمعية لا تقتصر على تيار بعينه. لم ينشأ هذا التحول من فراغ وإنما بسبب السياسات الإسرائيلية الخرقاء، التى من بينها، منع البطريرك اللاتينى من زيارة كنيسة القيامة بالقدس ومن الصلاة فيها خلال عيد الفصح المسيحى الأخير، حيث بدا الأمر، فى نظر إيطاليا الكاثوليكية، حاضرة الفاتيكان، وكأن إسرائيل تناصب العالم المسيحى، خاصة الكاثوليكى، العداء؛ ومن بينها، أيضًا، اتهام إيطاليا للجيش الإسرائيلى بإطلاق النار، بشكل متعمد، على قوات «اليونيفيل» فى جنوب لبنان، التى تقودها إيطاليا؛ ومن بينها الهجمات البربرية التى شنها الجيش الإسرائيلى، مؤخرًا على بيروت، وقتل فيها مئات من بينهم أطفال ومدنيون مسيحيون لا علاقة لهم بـ«حزب الله»؛ ومن بينها جرائم الحرب فى غزة، وجرائم المستوطنين فى الضفة الغربية المحتلة، التى تحظى بمباركة الجيش والساسة. لذا لم يعد مستغربًا أن تصف وسائل الإعلام الإيطالية الإسرائيليين بأنهم نازيون، ووحوش، وأفظع شعب فى العالم.

من كان يصدق، أن تتدهور العلاقات بين فرنسا وإسرائيل، وأن يتلاسن نتنياهو وماكرون بشكل علنى، وأن توقف إسرائيل مشتريات السلاح من فرنسا، بعد أن رفضت الأخيرة السماح للطائرات التى تحمل أسلحة للحرب على إيران بالمرور فوق مجالها الجوى، وأن تسعى إسرائيل إلى إبعاد فرنسا عن ملف المفاوضات  مع لبنان؟! يقول السفير الإسرائيلى فى واشنطن، يحيئيل لايتر: «آمل أن لا يُضطر الفرنسيون إلى بذل مجهود كبير. نحن لا نريدهم قريبًا من المفاوضات. نريد إبعادهم بقدر ما أمكن. هم غير ضروريين. هم تأثير غير إيجابى، سيما فيما يخص لبنان».

من كان يصدق أن يعبر المستشار الألمانى، فريدريك ميرتس، المؤيد لإسرائيل على طول الخط، والذى تصدى للكثير من القرارات المناهضة لها داخل الاتحاد الأوروبي، عن قلقه مما يجرى فى الضفة الغربية المحتلة، سواءٌ فيما يتعلق بمحاولات ضمها أم باعتداءات المستوطنين فيها على الفلسطينيين؟ّ!

من كان يصدق أن حملة أطلقها تحالف من بعض الأحزاب فى البرلمان الأوروبى من العاصمة البلجيكية، بروكسل، تنجح فى جمع توقيعات تجاوزت المليون توقيع خلال ثلاثة أشهر فقط ــ الحد الأدنى المطلوب لاعتماد المبادرة رسميا ــ تطالب دول الاتحاد الأوروبى بالتعليق الكامل لاتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبى وإسرائيل؟! 

يعكس الأمر تناميًا على صعيد الاستياء الشعبى، أيضًا، فى أوروبا تجاه السياسات الإسرائيلية، حتى إن المقارنة بين إسرائيل والنازية صارت أمرًا مألوفًا فى وسائل الإعلام الأوروبية ولدى سياسيين كثيرين. ففى قاعة البرلمان البولندى، عرض، كونراد بيركوفيتش، عضو البرلمان عن الحزب اليمينى، «كونفدريشن»، خلال إحدى الجلسات، علم إسرائيل وقد استبدل الصليب المعقوف، شعار النازية، بنجمة داود؛ واتهم إسرائيل بأنها «ترتكب إبادة جماعية أمام أعيننا بوحشية خاصة»، وساوى بين إسرائيل والنازية، قائلًا: «إسرائيل هى الرايخ الثالث الجديد».

يلخص، رون بروشاور، سفير إسرائيل لدى ألمانيا، العلاقات الإسرائيلية الأوروبية على النحو التالى: «لم يكن وضعنا بهذا السوء البالغ أبدًا. حيثما نظرنا فى أوروبا، باستثناء صربيا والتشيك، أصبح وضعنا سيئًا جدًا. حتى رئيسة الحكومة الإيطالية، جورجيا ميلونى، وهى صديقة مقربة من إسرائيل، قررت تخفيض مستوى اتفاق الدفاع الأمنى مع أورشليم، الذى وقع عام 2005م ويتجدد تلقائيًا كل خمس سنوات؛ وهو يُضاف إلى قرار إيطالى سابق بتعليق تصاريح التصدير العسكرى لإسرائيل من عام 2024م. دول أخرى مثل فرنسا، وبلجيكا، وهولندا، وسلوفينيا وغيرها قد خسرناها منذ فترة. نحن اليوم فى وضع فريد، لم نعهده قط فى الماضى، تنتقد فيه كل دول أوروبا تقريبًا بشكل علنى وصعب للغاية دولة إسرائيل».

• • •

قد يقول قائل: وما أهمية أوروبا لإسرائيل، وهى تعتمد على، أمريكا، القوة الأعظم فى العالم؟ أوروبا هى الشريك التجارى الأهم لإسرائيل، والأقرب إليها أيديولوجيًا، وجغرافيًا، فضلأ عن التعاون القائم بينها وبين أوروبا فى المجال الأكاديمى، وفى مجال البحث العلمى.

مع هذا، يكابر الساسة الإسرائيليون ولا يريدون الاعتراف بالتغير الذى حدث فى أوروبا، نتيجة لسياساتهم الإجرامية، ولا بالواقع الجديد، الذى نشأ، بل ويتهمون أوروبا بأنها تخلت عن قيمها.

فقد شنَّ رئيس الحكومة، مجرم الحرب، نتنياهو، هجومًا عنيفًا على الدول الأوروبية، اتهمها فيه بأنها «موبوءة اليوم بضعف أخلاقى عميق»، وبأنها «فقدت السيطرة على هويتها، وقيمها، وعلى التزامها بحماية الحضارة من البربرية». الأمر، نفسه، فعله وزير الخارجية، جدعون ساعر، الذى اتهم  أوروبا، بأنها «تدفن رأسها فى الرمال مثل النعامة»، وبأن زعماءها «يعظون إسرائيل من مكاتبهم المكيَّفة، وبأن هناك من يصور إسرائيل على أنها مشروع استعمارى».

• • •

من كان يصدق أن ينهار وضع إسرائيل فى الولايات المتحدة الأمريكية، بحسب تقارير عديدة، خلال الثلاث سنوات الأخيرة، منذ العدوان الهمجى على غزة؟!. فقد أظهر آخر استطلاع للرأى أجراه معهد «بيو» أن 60% من الأمريكيين يكنون مشاعر سلبية تجاه إسرائيل، بمن فيهم 41% من الجمهوريين. تصف تسيبى شموليفيتس الأمر بأنه «كارثى»، مشيرة إلى أن «وضع إسرائيل أصعب بكثير مما يفهمه أو يحب أن يفهمه إسرائيليون يعيشون فى فقاعة».

من كان يصدق أن يصوت 40 سيناتورًا ديمقراطيًا ــ رقم قياسى غير مسبوق، يمثل نحو 75% من إجمالى عدد الأعضاء الأمريكيين الديمقراطيين بمجلس الشيوخ ــ ضد بيع جرافات مدرعة لإسرائيل، وأن يصوت 36 لصالح وقف إرسال 12 ألف قنبلة زنة الواحدة 450 كجم إليها؟! يشير هذا التصويت غير المسبوق إلى تضاعف عدد المعارضين لتقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل مقارنة بمحاولات تصويت سابقة فى العامين الماضيين، ويعكس أمرين مهمين: تآكلًا تاريخيًا فى تأييد تقديم معونات أمريكية غير مشروطة لإسرائيل، وانتقال بؤرة المعارضة من هوامش الحزب الديمقراطى إلى مركزه.

من كان يصدق أن يجرؤ سيناتور أمريكى على اتهام إسرائيل بقتل النساء والأطفال؟ّ! يقول السيناتور الديمقراطى، بيرنى ساندرز: «الأمريكيون، من ديمقراطيين، وجمهوريين، ومستقلين، يريدون أن تُستثمر أموال الضرائب فى تحسين الحياة هنا فى أمريكا، وألا تستعمل فى قتل النساء والأطفال الأبرياء فى الشرق الأوسط وفى تعريض حياة الجنود الأمريكيين للخطر كجزء من حروب نتنياهو التوسعية غير الشرعية».

توجه أصابع الاتهام فيما يخص تردى الصورة الذهنية لإسرائيل فى العالم، إلى مجرم الحرب، نتنياهو، وحكومته المتطرفة. تقول تسيبى شميلوفيتس، إن بنيامين نتنياهو، ولأسباب شخصية تتعلق ببقائه السياسى، «قرر منذ  سنوات عديدة الارتباط باليمين المتطرف فى كل العالم، انطلاقًا من تصور فاسد مفاده أن من يؤمنون بتفوق نصرانى أبيض ولا يؤمنون بالديمقراطية أفضل لإسرائيل من الليبراليين الديمقراطيين»؛ كما اتهمه شلومو شامير، بأنه دمًّر علاقات الحزب الديمقراطى الأمريكى بإسرائيل، عبر انحيازه السافر للرئيس الجمهورى، دونالد ترامب، وبأنه أحدث شرخًا فى علاقة الجالية اليهودية الأمريكية بإسرائيل، بسبب تعمد تجاهلها فى كل زيارة له لأمريكا، فيما ألقى، نير كيبنيس، باللوم على كل حكومته اليمينية، المتطرفة، قائلًا: «إنها حشرت إسرائيل فى عزلة سياسية واضحة وحولتها إلى دولة خاضعة لوصاية مطلقة لشخص طاعن جدًا فى السن وغير متزن، سيستمر فى منصبه الرفيع فى كل الأحوال الـ 33 شهرًا التالية فقط».

من المؤسف، بل والمحزن، أنه فى الوقت الذى كُشف فيه القناع عن الوجه الحقيقى لإسرائيل، وعن حكومتها الفاشية، وسياستها الإجرامية ونواياها التوسعية، وفى الوقت الذى تدير فيه كثير من دول العالم، بما فى ذلك حلفاؤها وأصدقاؤها، الظهر لها، وتنتقدها بشكل علنى وحاد، وتقلص تعاونها معها، خاصة فى المجال العسكرى، تتعامى بعض الدول فى منطقتنا عن هذه الحقائق التى صارت ساطعة كالشمس، وتتمادى فى التعاون معها، وإذا حدث وانتقدت سياساتها، فعلى استحياء.

كان الأحرى بهذه الدول أن تكون فى طليعة من يتصدون لهذه السياسات الإجرامية، وأن تتخذ خطوات عقابية عملية ضدها مثلما فعلت الدول الأوروبية. صحيحٌ، أن المواقف الأوروبية والأمريكية مهمة ومؤثرة، لكن مواقف دول المنطقة ستكون أمضى وأكثر تأثيرًا، وستردع إسرائيل عن المضى فى مشروعها الاستقوائى.    

أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة

 

يحيى عبد الله أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة
التعليقات