عفوك يا هرتسوج - يحيى عبد الله - بوابة الشروق
الثلاثاء 24 فبراير 2026 11:47 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

عفوك يا هرتسوج

نشر فى : الثلاثاء 24 فبراير 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الثلاثاء 24 فبراير 2026 - 6:15 م

شن الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، هجومًا عنيفًا على الرئيس الإسرائيلى، يتسحاق هرتسوج، مؤخرًا، وبشكل غير مسبوق، حين قال إن «الشعب الإسرائيلى ــ وهو نفسه ــ يجب أن يخجل منه» بسبب عدم منحه عفوًا رئاسيًا لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو.
كان ترامب قد طلب، قبل ذلك، من هرتسوج، بلطف وبابتسامة، من فوق منبر الكنيست، خلال زيارته لإسرائيل فى أكتوبر الماضى، أن يصدر عفوًا عن نتنياهو، وأرسل إليه خطابًا رسميًا أيضًا. أثار هجوم ترامب على هرتسوج استياءً فى إسرائيل، وأصدر ديوان هرتسوج بيانًا رد فيه على تصريحات ترامب، متجنبًا الرد بهجوم مماثل، جاء فيه: «رئيس الدولة فى هذه اللحظة فى رحلة العودة إلى إسرائيل من زيارته إلى أستراليا. الطلب الذى قدَّمه رئيس الحكومة موجود، طبقًا للنظم المعمول بها، مثلما جرى التوضيح مرارًا وتكرارًا، وطبقًا للقواعد، بوزارة العدل، للحصول على الرأى المهنى، وبعد انتهاء العملية فقط سيفحص رئيس الدولة الطلب طبقًا للقانون، وطبقا لصالح الدولة، وطبقًا لضميره من دون أى تأثير لضغوط خارجية أو داخلية كهذه أو غيرها. يثمن الرئيس هرتسوج الإسهام المهم للرئيس ترامب من أجل دولة إسرائيل وأمنها. إسرائيل دولة قانون ذات سيادة. لم يتخذ الرئيس هرتسوج بعد، خلافًا للانطباع الذى تولد عن كلام الرئيس ترامب، أى قرار فى الموضوع».
لرئيس الدولة فى إسرائيل سلطة العفو عن متهمين، وهى سلطة منصوص عليها فى القانون الأساس: رئيس الدولة (بند 11 ب). تتضمن هذه السلطة، العفو عن متهمين، بمعنى إلغاء أو تقصير مدة العقوبة، أو تخفيف العقوبة (تخفيض مدة الحبس، استبدال الحبس بغرامة وما شاكل ذلك)، ومحو القيد الجنائى أو تقصير فترة التقادم/ محو.
يتعلق العفو بالعقوبة، وليس بإلغاء الإدانة نفسها (إلا إذا كان الأمر يتعلق بمحو القيد بالمفهوم الإدارى). يُقدم طلب العفو إلى الرئيس، لكن قسم العفو بوزارة العدل هو الذى يفحص الطلب فى واقع الأمر، ثم تقدم التوصية إلى الرئيس، الذى تكون سلطته، هنا، تقديرية، لكنه يأخذ، فى الأغلب الأعم، بالتوصيات المهنية.
• • •
هل يستطيع الرئيس إصدار عفو قبل أن تصدر إدانة بحق المتهم، كما فى حالة نتنياهو؟ الإجابة، نعم، من الممكن، نظريًا، إصدار عفو مسبق أيضًا (قبل إصدار حكم نهائى)، لكن الأمر نادر جدًا ومثار خلاف عام.
للتذكير: يُحاكَم نتنياهو فى ثلاث قضايا جنائية أطلق عليها: القضية 1000، التى اتهم فيها بتلقى امتيازات وهدايا نفيسة (سيجار وشمبانيا، ومجوهرات وما شاكل ذلك) من رجال أعمال، وعلى رأسهم، أرنون ميلشين، وجيمس باكر، فى مقابل تسهيل مصالحهما، طبقًا للائحة الاتهام. الاتهام الذى وُجه إلى نتنياهو فى هذا الملف هو: الاحتيال والحنث بالقسم، والقضية 2000، وتعرف باسم قضية «يديعوت أحرونوت»، أيضًا، وتتعلق بالمحادثات التى أجراها نتنياهو مع ناشر الصحيفة، أرنون (نونى) موزيس. طبقًا للائحة الاتهام جرى الحديث حول إمكانية تقليص توزيع الجريدة المنافسة، أى «يسرائيل هيوم» (ناشرها صديقه الراحل الملياردير الصهيونى الشهير شيلدون أدلسون، وكانت توزع بالمجان) فى مقابل أن تغطى «يديعوت أحرونوت» الأخبار المتعلقة بنتنياهو بشكل إيجابى.
الاتهام الموجه لنتنياهو فى هذا الملف هو الاحتيال والحنث بالقسم، أيضًا، ثم القضية 4000، التى تعرف بقضية شركة «بيزك» للاتصالات وموقع «والا»، أيضًا، وهى القضية الأخطر، بحسب الخبراء فى القانون. طبقًا للائحة الاتهام، حرص نتنياهو (الذى كان يشغل، بالإضافة إلى منصب رئيس الحكومة، منصب وزير الاتصالات، أيضًا) على الدفع بقرارات تنظيمية تخدم مالك شركة «بيزك»، شاءول ألوفيتش، فى مقابل الحصول على تغطية ودودة على موقع «والا». الاتهام الذى وجه إلى نتنياهو فى هذه القضية هو الرشوة، والاحتيال والحنث بالقسم.
تجرى المحاكمة بالمحكمة المركزية بالقدس منذ عام 2020م، ولم تنتهِ بعد. ولأنه لم يستجد أى جديد فى مسألة العفو خلال الفترة الأخيرة، منذ أكتوبر الماضى، فمن الممكن أن نخمن أن السبب وراء تصريحات ترامب الأخيرة هو ما سمعه من نتنياهو خلال زيارته الخاطفة لواشنطن مؤخرًا، رغم أن نتنياهو ينفى نفيًا تامًا أنه ليس له دخلٌ لا من قريب ولا من بعيد بالأمر.
لكن، من السذاجة أن نفترض أن ترامب شغل نفسه بأمر لا يعنيه، وسط اهتمامه بقضايا داخلية وخارجية كبرى، بعد 24 ساعة فقط من لقائه بنتنياهو فى البيت الأبيض. يدل هجوم ترامب على هرتسوج على العلاقة الخاصة التى بينه وبين نتنياهو، فضلًا عن اعتقاده بأن كليهما مضطهد من قبل ما يسميانه بالدولة العميقة.
من ناحية أخرى، ترامب لا يعنيه ما يردده نتنياهو وأبواقه الإعلامية من أن القضايا خاسرة، أو أنها ملفقة. ما يعنيه أنه طلب، وأن طلبه يجب أن يلبى. ترامب، بحسب، نير كيبنيس، هو السيد، الذى يأمر فيطاع. يذكره المشهد برمته، «بأفلام ومسلسلات المافيا: لا يمكنك أن تحصل على امتيازات من «الدون»/ السيد، فكم بالأحرى من الدونالد، من دون أن تكون مدينا له طوال العمر. لقد استعادت إسرائيل (المخطوفين) واعتقدت أن المقابل هو إطلاق سراح أسرى (فلسطينيين) ووقف إطلاق النار؟ فكروا مرة أخرى، لأن الدون ترامب أسدى لكم معروفًا، والآن ما الذى يطلبه؟ شىء صغير فى المقابل ــ وليس لنفسه حتى…».
• • •
ثمة رأى بأن هجوم ترامب على هرتسوج قد يقلل من فرص العفو عن نتنياهو، ويعقد الأمور أكثر. نحن لسنا من أنصار هذا الرأى. يرى أصحاب هذا الرأى أن إسرائيل ليست جمهورية من جمهوريات الموز، وأن الرئيس الإسرائيلى ليس من المفترض أن يقول لترامب: سمعًا وطاعة يا سيدي، وأن هناك إجراءات يجب أن تتبع، فى هذه القضايا الشائكة، المتهم فيها نتنياهو بارتكاب مخالفات جنائية، وقد تدينه المحكمة.
من ناحية أخرى، يشير البعض إلى أن سلوك نتنياهو وطبيعته الشخصية المتعالية، وعدم قيامه بالحد الأدنى الممكن لم يساعد هرتسوج فى العفو عنه. فهو لم يعرب فى طلب العفو الذى قدمه للرئيس عن ندمه على ارتكاب هذه المخالفات، ولم يعترف بها، ولم يبد استعدادًا للدخول فى مفاوضات من أجل التوصل إلى صفقة قانونية، تُسوَّى من خلالها القضايا، بل إنه أوضح فى الطلب إنه «يستطيع إدارة المحاكمة، لكن الشعب الإسرائيلى هو الذى لن يستطيع تحمل ذلك».
• • •
يتناقض التدخل السافر من جانب ترامب فى النظم السياسية لدول العالم مع الخطاب الذى ألقاه فى شهر مايو من العام الماضى بالرياض، واستنكر فيه التدخل فى شئون الدول الأجنبية، قائلًا إن «محاولات التدخل الأمريكية من هذا النوع تحولت فى الماضى إلى كوارث».
لكن هذا التصريح يبدو فارغًا إزاء سلسلة من تدخلاته الفظة، مؤخرًا، فى فنزويلا، بعد اعتقال رئيسها، مادورو وزوجه، بالقوة، واقتيادهما إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وفى البرازيل، حيث فرض عقوبات على مسئولين كبار فى الهيئة القضائية لمحاكمتهم حليفه، الرئيس السابق، جائير بولسونارو، بسبب ضلوعه فى محاولة انقلابية على الرئيس البرازيلى، الحالى، كما فرض رسومًا جمركية لفترة من الوقت على بضائع برازيلية للضغط عليها من أجل إنقاذ صديقه وإطلاق سراحه، فضلا عن تدخله فى الأرجنتين لصالح حزب الرئيس اليمينى، خافيير ميلاى، وفى هندوراس لصالح مرشح حزب اليمين للرئاسة، نصرى أصفوره (من أصول فلسطينية)، الذى وصفه بأنه «النصير الحقيقى الوحيد للحرية».
يؤكد الباحث، دوف ليفين، أن الولايات المتحدة الأمريكية تدخلت، منذ الحرب العالمية الثانية، فى انتخابات دول أجنبية أكثر من 80 مرة، فيما يشير الباحث، توماس كروثرز، إلى أن تدخلات ترامب «تتخذ طابعًا علنيًا فظًا وأنه لا يخفى دوافعه، وأنه يشعر بأن له مجموعة من الأصدقاء فى العالم (من بينهم نتنياهو بالطبع) يريد أن يساعدهم».
• • •
تثير هذه التدخلات مخاوف فى إسرائيل من أن يفعل ترامب الشىء نفسه فى الانتخابات التى من المفترض أن تجرى فى إسرائيل فى شهر أكتوبر من هذا العام، لصالح بنيامين نتنياهو، خاصة على ضوء مطالبته هرتسوج مرتين، حتى الآن، بإصدار عفو رئاسى عنه، وعلى ضوء المديح الذى كاله لنتنياهو فى الشهور الأخيرة، ووصفه فيه، ضمن أمور أخرى، بأنه «زعيم كبير وقت الحرب»، و«بيبى كان رئيس حكومة ممتاز خلال الحرب».
حاولت دوائر مقربة من نتنياهو استغلال تصريحات ترامب من أجل الدفع فى اتجاه العفو الرئاسى عنه، على رأسهم، الوزيرة عيديت سلمان، التى حذرت الرئيس من أنه إذا لم يستجب لطلب ترامب بإصدار عفو عن نتنياهو، فإن «من شأن ترامب أن يفرض ربما عقوبات على مسئولين كبار فى الهيئة القضائية».
التزم نتنياهو وأعضاء الائتلاف الحاكم الصمت إزاء تصريحات ترامب، لكن المثير أن من يسمون بالمعارضة لم ينبس منهم أحدٌ، أيضًا، ببنت شفة.
لدى هرتسوج، شخصيًا، رغبة فى إصدار عفو عن نتنياهو، ألمح إليها، فى تصريح سابق، لا يتسع المجال هنا لشرح أسبابها، لكنه يخشى قطاعًا عريضًا من الرأى العام فى إسرائيل، ويخشى رد فعل الهيئة القضائية، ويخشى من حكم التاريخ عليه بأنه رئيس ضعيف، رضخ لإملاءات خارجية. لكن، مع كل هذا، لا أستبعد أن يصدر عفوًا عنه فى نهاية المطاف.


أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة

يحيى عبد الله أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة
التعليقات