شهادات على البشاعة.. وما خفى أعظم - يحيى عبد الله - بوابة الشروق
الثلاثاء 2 يونيو 2026 9:35 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

شهادات على البشاعة.. وما خفى أعظم

نشر فى : الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 8:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 8:10 م

لم تبح الحرب البربرية التى شنتها إسرائيل، وما تزال، على غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، بكل أسرارها بعد، خاصة فى ما يتصل بجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، التى تجاوزت حدود الانتقام.

يستهدف المقال توثيق شهادات بعض الجنود الإسرائيليين عن بعض هذه الجرائم، لتكون تحت أيدى الباحثين. أعدت الشهادات للنشر فى جريدة «هاآرتس» (أعدها توم ليفنسون)، ليس بهدف الكشف عن الوجه القبيح للجيش الإسرائيلى، وإنما بهدف إظهار الأثر النفسى الذى تركه ارتكابها على الحالة النفسية للجنود، وبهدف إظهار لامبالاة المؤسسة العسكرية تجاه معاناتهم، وبهدف «التطهر الذاتى» وإبراء الذمة.

تظهر الشهادات نزرًا يسيرًا فقط من الجرائم، ومع ذلك، فهى تعد وثيقة تدين السلوك الإسرائيلى. يتحدث أحد الجنود فى شهادته عن القنابل شديدة التدمير، زنة طن، التى استخدمت أثناء اقتحام مدينة خان يونس، وعن تدريبه خلال فترة التدريب على إطلاق النار الكثيف والعشوائى، دون تفريق بين طفل وشيخ، ومدنيين عزل لمجرد الاشتباه فقط فيهم، وعن السلوك العنصرى، غير الآدمى تجاه جثث القتلى، حتى، من الفلسطينيين الأبرياء، وعن رضاء الجميع، بمن فى ذلك القادة عن هذا السلوك، الذى يُعد سلوكًا جماعيًا، وكودًا مهنيًا،  يحظى بتوافق داخل المؤسسة العسكرية: «أطلقتُ النار مثل المجنون، مثلما علمونا فى تدريب الفصيلة خلال الفترة الأولى من التجنيد. عندما وصلنا إلى الهدف رأيت أن الأمر لا يتعلق بمخربين. فقد كان رجلًا كهلًا بصحبة ثلاثة أطفال، ربما صبية. لم يكن أحدٌ منهم مسلَّحًا. لكن الرصاصات غربلت أجسادهم، وانسكبت أعضاؤهم الداخلية إلى الخارج. لم أر قط شيئًا كهذا عن قرب. أتذكر أنه ساد بيننا صمت، لم ينبس أحدٌ ببنت شفة. بعد ذلك جاء قائد الكتيبة مع أفراده، الذين بصق أحدهم على الجثث وصرخ قائلًا: «هذا جزاء من يتحرش بإسرائيل، يا ولاد العاهرات». كنتُ مصدومًا، لكننى التزمت الصمت لأننى لا شىء، مجرد جبان بائس».

• • •

كان قتل المدنيين الفلسطينيين، خلال الحرب، بمن فيهم الأطفال، سياسة ممنهجة، تتبناها القيادات العليا، وتنفذها الكوادر التابعة بكل برود، دون أى وخز ولو بسيطا للضمير، وهو ما تدل عليه شهادة ضابط احتياط خدم فى غرفة عمليات سلاح الجو بوزارة الحرب الإسرائيلية، بالوحدة المسئولة عن تخطيط الهجمات: «كنا نخطط الهجمات ونحصل على المصادقة عليها ونحن نعرف أن عشرات من المدنيين، بل أكثر أحيانا، سيقتلون خلالها. وهو أمر لم يحرك ساكنًا لدى أحد. ما حدث (من قتل بالجملة للمدنيين) كان غير متناسب. ذات لحظة خططنا لهجوم قتل فيه أطفال، وبعد ذلك بلحظة كنا نجلس ونتناول الهامبورجر فى ابن جبيرول (اسم شارع فى تل أبيب)».

فى شهادة أخرى، تصف إحدى المجندات، ما عايشته من قتل جنونى للأبرياء من الفلسطينيين، ومن عدم احترام لآدمية القتلى منهم، ومن الإذلال الذى يلقاه من يقع منهم فى الأسر، قائلة: «اطلعتُ خلال الحرب على عمليات قتل لأبرياء. أمور صادمة، لو كنتُ قرأت عنها فى «هاآرتس» لاحتججت بصوت عال، لكنها حدثت أمام عينيَّ وكأن شيئًا لم يكن».

لكن حادثة واحدة، وقعت بين محور نتساريم وطريق صلاح الدين، تركت أثرًا نفسيًا بالغًا بها، كما تزعم: «كنت أجلس فى غرفة العمليات، وفجأة اكتشفتْ أطقم المراقبة خمسة فلسطينيين تجاوزوا الخط المحظور عليهم تجاوزه فى اتجاه شمال القطاع. فانتابت الجميع حالة من الجنون، وسادت فوضى عارمة. أعطى قائد الكتيبة أمرًا بنسفهم، رغم أنهم لم يكونوا مسلحين أو شيئًا من هذا القبيل. انطلقت إحدى الدبابات، وبدأت فى إطلاق النار صوبهم. مئات من الرصاصات». قتل أربعة من الخمسة، ونجا واحدٌ، وُضع داخل قفص بالموقع، انتظارًا لحضور فرد من «الشاباك«، جهاز الأمن العام، لاستجوابه. تصف المجندة تعامل جنود الموقع مع الأسير الفلسطينى، قائلة: «ظللت فى الموقع بالليل، لكننى لم أستطع النوم، كنت البنت الوحيدة. فجأة نادانى بعض الجنود، فذهبت معهم إلى القفص. جلس هناك هذا الفلسطينى، وقد عُصبت عيناه، وبدا أنه يتجمد من البرد. فجأة أخرج أحد الجنود عضوه الذكرى وبدأ يبول عليه. وقال له: «دا عشان بئيرى (كيبوتس هاجمته «حماس» فى اليوم الأول من اقتحامها الحدود)، يا (سباب سوقى بشع) ودا عشان نوفا(اسم مهرجان موسيقى أقامه شباب إسرائيليون بجوار كيبوتس ريعيم، هاجمه عناصر من حماس فى السابع من أكتوبر)، وضج الجميع بضحك متواصل. أنا أيضًا ضحكت».

تحاول المجندة التطهر من الجرم البشع، الذى شاركت فيه، كعادة كثير من القتلة الإسرائيليين، الذين يعبرون عن إحساس زائف بالذنب، كما يقول الدكتور رشاد الشامى، بعد ارتكابهم أبشع الجرائم، أو يبررونها بحجة الدفاع عن النفس، أو يعبرون عن ذهول متكلَّف من لا إنسانيتهم، وعن صدمة مفتعلة من لا أخلاقيتهم، ومن عجزهم عن رفض هذه الجرائم، فتقول، بعد تسريحها من الجيش، لتنفض العبء النفسى عن كاهلها: «شعرت بأنى منافقة، قذرة، كنت أستحم ثلاث مرات فى اليوم. لم يفارقنى مظهره (مظهر الفلسطينى الأسير. لكن القتل العشوائى البشع مر عليها مرور الكرام ولم يؤثر فيها!) وهو عاجز طوال الوقت.  كيف وقفت هناك هكذا ولم أفعل شيئًا؟ كيف أننى، التى أدعى أننى أخلاقية وأتطوع مع لاجئين وأخرج فى مظاهرات، وافقت على قبول ذلك؟ كيف لم أقل لهم شيئًا، وماذا يعنى هذا بالنسبة لي؟ ليست لدى إجابات».

• • •

تكشف الشهادات عن مشاركة ضباط أمريكيين فى القتال، وعن تحمسهم للقتل. والحقيقة، أنه ليس الأمريكيون فقط هم من شاركوا القوات الإسرائيلية فى القتال فى غزة، وإنما تطوع آلاف من اليهود من كل أنحاء العالم فى هذا القتال. يقول أحد الشهود: «كان فصيلى على عربات هامر ومثَّل ما يشبه قوة تأهب بالمنطقة التى كنا نعمل بها. بخلافنا كانت هناك هامر أخرى تحت قيادة ضابط يحمل اسمًا أمريكيًا. خدم هناك شهورًا عديدة، فى كل مرة كان يغادر فيها لواء ما القطاع فإنه كان يلتحق ببساطة باللواء الذى يحل محله. كان نموذجًا غريبًا، ومريبًا. فى كل مرة سُئل فيها عن خلفيته كان يرد بشىء ما مختلف، وإذا تشككتَ فى كلامه كان يتعصب».

يصف الشاهد قتل الأمريكى لفلسطينى أعزل، يرفع الراية البيضاء، بكل برود قائلًا: «ذات مساء، نجح فلسطينى فى الاقتراب من محيط الموقع، فخرجت عربتا هامر، واحدة تحت قيادتى، والثانية تحت قيادة الضابط الأمريكى. وصلنا إلى الفلسطينى، فرفع يديه مباشرة. كان من الواضح أنه غير مسلح. اقترب منه الضابط الأمريكى، وانتظر بضع ثوان، ثم أطلق ببساطة النار عليه. من دون أن يسأل أسئلة، من دون أن يفعل الفلسطينى شيئًا».

ثم يصور عملية التستر على هذا القتل العمد لمواطن أعزل، وهذا الإزهاق البشع لروح إنسان لم يمثل تهديدًا، قائلًا: «بعد ذلك عدنا إلى الموقع، ودخلت غرفة العمليات وشاهدت أنا ومجموعة من الضباط ما رصدَتْه المسيَّرة النى كانت فى الجو. قال أحد الضباط الكبار«إنه قتل متعمد، ببساطة قتل متعمد»، لكنهم قرروا ألا يفعلوا شيئًا، ببساطة كنسوا الأمر تحت الطاولة. أبلغوا قيادة اللواء بأن مخربًا قُتل. لم يجر حتى تحقيقٌ فى الأمر. استمر هذا الضابط الأمريكى فى الخدمة هناك كأن شيئًا لم يكن».

• • •

تحكى الشهادات عن تعمد الجنود قتل المواطنين البسطاء من طالبى المساعدات، بدم بارد، بحجة أنهم تجاوزوا الخط التعسفى الذى حدده الجيش، وعن الأثر الذى يتركه هذا الأمر فى نفوسهم، وعن مطاردة القتلى الأبرياء لهم  فى صحوهم ونومهم، وعن شعورهم بأن الجيش تخلى عنهم وتركهم يواجهون مصيرهم، رغم تصويرهم القتل وكأنه لعبة من ألعاب الحاسوب. يقول أحدهم: «عندما تطلق النار عبْر فوهة قناصة، فإن كل شىء يبدو قريبًا، مثل لعبة من ألعاب الحاسوب. أنت لا تنسى وجوه أولئك الذين قتلتهم. هذا يظل معك. لا يفارقك. منذ سُرحت من الخدمة وأنا لا أكف عن التبول على نفسى بالليل. أشعر بأننى ظللت وحيدًا، بأن أحدًا لا يستطيع مساعدتى».

فى دفاعها عن نفسها ضد تعمد قتل المدنيين، لا تفتأ إسرائيل تتهم المقاومين الفلسطينيين بأنهم يتخذون من المدنيين دروعًا بشرية، لذا، كان من المفارقات، أن تشير الشهادات إلى أن الجنود الإسرائيليين، أنفسهم، هم من يتخذون من الفلسطينيين دروعًا بشرية، وهى ممارسة عسكرية تعرف فى الجيش الإسرائيلى باسم «إجراء البعوضة» أو «إجراء البلاتفورم». تحكى الشهادات عن نهب الجنود للممتلكات الفلسطينية، وعن تبرير الفعل بمقولات متهافتة، أكل عليها الدهر وشرب.

يقول أحد الشهود: «رأيتُ جنودًا يأخذون هواتف، وسلاسل ذهبية، وأموالًا، نقدية، وكل شىء. هناك من قالوا إن كل العرب نازيون، وإن السرقة من النازيين خيرٌ وبركة».

مما يستنتج من كل هذه الشهادات، رغم قلتها، أنها الاستثناء الذى يدل على القاعدة، وأن استهداف المدنيين العزل، بمن فيهم الأطفال والشيوخ والنساء، سياسة ممنهجة، وأن تعامل المؤسسة العسكرية مع الأسرى تعامل فاشى وعنصرى، وأن الجيش، الذى يوصف بأنه (الأكثر أخلاقية) عُصبة من اللصوص وناهبى ممتلكات الخصم.

 

 

أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة

يحيى عبد الله أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة
التعليقات