لم يصدر عن الحكومة الإسرائيلية أى تعليق رسمى على مذكرة التفاهم التى وقعتها الولايات المتحدة الأمريكية مع إيران مؤخرًا، وجبُن رئيسها، مجرم الحرب، بنيامين نتنياهو، عن التفوه ولو بكلمة واحدة حولها، خوفًا من الدخول فى مواجهة مع دونالد ترامب. لم يستطع مواجهته مثلما واجه باراك أوباما عقب توقيعه اتفاقًا مع إيران عام 2015م، وحرَّض ضده الكونجرس.
فضَّل، مجرم الحرب التمترس خلف تصريحات بعض وزراء حكومته، ومن بينهم وزير الحرب، يسرائيل كاتس، الذى بدا متحديًا لترامب فى نقطة واحدة فقط من نقاط الاتفاق الأربع عشرة تتعلق بالاحتلال العسكرى الإسرائيلى لأجزاء من الأراضى اللبنانية: «رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وأنا نقود سياسة واضحة تنص على أن جيش (الدفاع) الإسرائيلى سيبقى فى المناطق (الأمنية) فى لبنان، وسوريا وغزة -لفترة زمنية غير محددة- من أجل (الدفاع) منها عن الحدود والمستوطنات الإسرائيلية فى مواجهة عناصر جهادية». أما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، فقد ذهب مدى أبعد من كاتس، ونسى حدود قوة دولته، التى تعتمد فى ثلثى الأسلحة، التى تقتل بها ذات اليمين وذات الشمال، على الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى دافع الضرائب الأمريكى، بحسب نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس، حين أشار إلى أن إسرائيل سوف تستمر فى العمل ضد النظام الإيرانى بقواها الذاتية، من دون الحاجة إلى الولايات المتحدة الأمريكية: «الاتفاق مع إيران سيئ لإسرائيل وللعالم الحر بأسره، سنضطر إلى مواصلة المعركة من أجل إسقاط النظام بنفسنا وبوسائل خلاَّقة والتأكد من إيران لن تحوز أبدًا سلاحًا نوويًا».
ربما كان وزير الأمن القومى الإسرائيلى، إيتمار بن جفير، أقرب الوزراء تعبيرًا عن الموقف الرسمى، أو عن موقف نتنياهو، بخاصة، حتى ليكاد المرء يقول إنه هو الذى أملاه ما تجرأ على قوله: «اتفاق ترامب غير ملزم لنا. إسرائيل ليست تابعة للولايات المتحدة الأمريكية. نحن دولة مستقلة وذات وسيادة. نحن نحب الولايات المتحدة الأمريكية وممتنون للرئيس ترامب. ومع ذلك، دولة إسرائيل ليست جمهورية من جمهوريات الموز. نحن لسنا شركاء فى هذا الاتفاق الذى لا يعبأ بأمننا، وهو لا يلزمنا بأى صورة من الصور».
• • •
على صعيد آخر، توافقت كل أطياف المعارضة، مثلها فى ذلك مثل السواد الأعظم من الإسرائيليين (70% بحسب استطلاعات للرأى)، على أن الاتفاق سيىء لإسرائيل. اتهم بعض زعماء المعارضة، نتنياهو بالفشل سياسيًا، وبالخضوع لإملاءات الرئيس الأمريكى، وبالتفريط فى المصالح الإسرائيلية، وبتمييع جهود الجيش، إذ قال زعيم المعارضة، يائير لابيد: «لقد خسر نتنياهو الحرب. انهار فى لحظة الحقيقة». أوفى جيش (الدفاع) الإسرائيلى بمهامه، أما هو فلم يجلب البضاعة. لم يكن ثمة فشل مطلق أكثر من الفشل السياسى لنتنياهو على الساحة الإيرانية. لم تعد المسألة مسألة وصاية. نحن أمام رئيس أمريكى يقول بوضوح وعلانية لرئيس الحكومة: «أنا رئيسك، وستفعل ما يُقال لك». هذا الأمر يضع إسرائيل أمام معضلة مستحيلة- إما الدخول فى مواجهة مباشرة ومدمرة مع حليفتنا الكبرى، أو التنازل المهين عن المصالح الإسرائيلية وعن حقنا المقدس فى الدفاع عن نفسنا.
ورأى، رئيس حزب «يسرائيل بيتينو»، أفيجدور ليبرمان، أن نتنياهو وحكومته فشلا على كل الأصعدة العسكرية، والسياسية، والاقتصادية: «للأسف مررنا مع القيادة الحالية بكارثة أمنية هى الأصعب فى تاريخ إسرائيل منذ المحرقة، ألا وهى (مذبحة) السابع من أكتوبر». وهى تقودنا الآن نحو كارثة سياسية هى الأصعب فى تاريخ دولة إسرائيل، ومنها إلى كارثة اقتصادية. الناس لم تفهم بعد أننا فى طريقنا نحو كارثة اقتصادية لا تقل فداحة.
ثمة نقطة أخرى، مهمة، تشير إليها دوائر المعارضة، تتعلق بتوصل ترامب إلى اتفاق مع إيران من وراء ظهر إسرائيل ونتنياهو، رغم أنهما -أمريكا وإسرائيل- خاضتا الحرب معًا، وهى مفارقة، تشى بوجود خلل ما فى العلاقة بينهما أو بالأحرى بين ترامب ونتنياهو، إذ يقول زعيم حزب «الديمقراطيون»، يائير جولان: «يستيقظ المواطنون الإسرائيليون على اتفاق صُنع من وراء ظهر الدولة، فيما نُحٍّى نتنياهو جانبًا»، مشيرًا إلى أن هذا الفشل ليس وليد اليوم: «إنه تلخيص لسنوات طويلة من الفشل. نتنياهو هو الشخص الذى باع للإسرائيليين وهم أنه سيد الأمن لسنوات، لكنه أصبح فى الواقع أبوالفشل الاستراتيجى الأكبر فى تاريخ إسرائيل»، وهو ما ذهب إليه، أيضًا، رئيس حزب، يشار/دوغرى، جادى آيزنكوت، الذى قال: «تستيقظ إسرائيل هذا الصباح على اتفاق يتبلور بعيدًا عن هنا وبعيدًا عن المصالح الإسرائيلية».
لم يختلف رأى معظم المحللين السياسيين عن رأى زعماء المعارضة، فى أن الاتفاق سيئ لإسرائيل، وجيد لإيران، وفى أن نتنياهو مسئول عن هذا الفشل. يشير المحلل العسكرى بصحيفة، يسرائيل هيوم، يوآف ليمور، إلى المكاسب الفورية التى تجنيها إيران من الاتفاق، قائلًا: «ستحصل إيران على الكثير على الفور، خاصة النفط والمال، وستعطى القليل جدًا على الفور، خاصة فتح مضيق هرمز، الذى كان مفتوحًا أصلًا عشية الحرب». لاحقًا من المفترض أن تحصل على ما هو أكثر، دون أن يكون من الواضح تمامًا ما الذى ستعطيه، خاصة فى مسألة النووى. لا توجد ضمانة لإخراج اليورانيوم عالى التخصيب من إيران، ولعدم تخفيض تخصيبه على أرضها، وليس هناك أى اتفاق بشأن مصير اليورانيوم المخصب بدرجات منخفضة، ولا أى اتفاق بشأن آلية للرقابة».
الأمر، نفسه، خلص إليه شموئيل روزنير، الذى أشار إلى أن إسرائيل أنهت جولة من الحرب (هى فى الحقيقة لم تنهها، وإنما فرض ترامب عليها أن تنهها) استهدفت إضعاف إيران، فيما ظلت إيران أكثر قوة بمفاهيم عديدة، وهو ما يمثل مصدر قلق لكل إسرائيلى بغض النظر عن موقفه السياسى. وقد وصف، بن كسبيت، هذا الفشل بأنه فشل ليس فى اللغة العبرية كلمة تصفه، وبأنه تجسيد نادر لكل الكوابيس الممكنة. إذ نجأ نظام إيرانى صلب الشكيمة من الأسوأ ولديه استعداد، مادى، ونفسى، وعسكرى واقتصادى للهرولة نحو القنبلة النووية، فيما فقدت إسرائيل القدرة على التحكم فى مصيرها وعلى العمل من أجل إزالة تهديدات وجودية على أمنها.
وقد وصف، باراك سرى، هذا الفشل بأنه فشل استراتيجى كبير، لأن نتنياهو، ببساطة، وضع شروطًا واضحة، فى بداية الحرب، لم يتحقق واحدٌ منها: إزالة التهديد النووى الإيرانى، وإزالة تهديد الصواريخ الباليستية وخلق الظروف التى تدفع الشعب الإيرانى لإسقاط النظام. وفيما اتهم، يوآف ليمور، نتنياهو، بأنه الوحيد المسئول عن هذا الفشل: «هذا الفشل المدوى هو مسئولية شخص واحد، أحاط نفسه بمجموعة بائسة ومتملقة وفاسدة، وآمن فى قرارة نفسه بأنه قادر على كل شىء»، أشار، شموئيل روزنير، إلى أن نتنياهو فقد اثنتين من أوراقه الرئيسة: «الزعم بأنه الوحيد الذى يعرف بما فيه الكفاية التعامل مع إيران، وبأنه الوحيد القادر على التعامل مع ترامب، الذى خسره كذخر سياسى. لم تكن حساباته صحيحة كما يبدو».
لم تكن حسابات نتنياهو بشأن الحرب خاطئة وحسب، كما يقول روزنير، وإنما قراءته لما بعد الحرب أيضًأ، إذ لم تكن هناك «خطة للخروج من الحرب، ولم يكن هناك هدف واضح وواقعى لها»، كما يقول، آفى يساخاروف، ولم تكن هناك قراءة جيدة، أيضًا، لشخصية الشريك الأمريكى، ترامب، الذى جرَّه، كما هو معلوم، جرَّا، إلى الحرب. إذ عرف نتنياهو، سلفًا، كما يقول، ناحوم برنياع، أن ترامب «متقلب، ونزوانى، ونرجسى، ومنحط، ولا يمكن إلزامه بشىء».
• • •
لكن السؤال هو، ما الذى يمكن لنتنياهو أن يفعله الآن إزاء تقلبات ترامب؟ ليس أمامه، فى نظرى، سوى أن يسلم، صاغرًا، بهذه الانعطافة الحادة فى سياسة الحليف الأمريكى، الذى ساعده بشكل غير مسبوق، وحارب معه كتفًا إلى كتف.
بيد أن الاتفاق ستكون له تبعات، بكل تأكيد، ليس على أمن إسرائيل فقط فى أى مواجهة مستقبلية بينها وبين إيران، وإنما على أمن الدول العربية التى وقعت معها على معاهدات واتفاقيات، التى يسميها، يوآف ليمور، الدول الودودة قليلًا أو كثيرًا.
فى هذا الإطار، يشير بوعز هعتسينى إلى أن الاتفاق، الذى يسميه «اتفاق استسلام»، ينقذ النظام فى طهران ويبقيه على قدميه، ويلقى بإسرائيل إلى الكلاب، وإلى أنه لا يُعد خيانة لإسرائيل فقط، وإنما للدول العربية التى سارت مع ترامب، وإلى أنه لن تكون هناك اتفاقيات أفراهام جديدة، لأن السعودية ودولًا أخرى لم يصبها جنون حتى تراهن على الحيطة المايلة فى واشنطن، وهو ما يذهب إليه، أيضًا، إلداد شافيط، الذى يجزم بأن دول المنطقة لن تسارع إلى الاستنتاج بأن إيران خرجت من اللعبة، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تعرف كيف تستخدم قوة عسكرية جبَّارة، لكنها ليست مؤهلَّة -سياسيًا واقتصاديًا- لإدارة حرب متواصلة حتى تحقيق حسم كامل فى مواجهة إيران، مستنتجًا، أن كثيرًا من دول المنطقة لن تسارع بفتح قنوات حوار مع إيران، انطلاقًا من فهم بأن إيران تظل، حتى بعد تلقيها ضربة قاصمة، لاعبًا لايمكن تجاهله.
أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة