حين صمتت المدافع أخيرًا بين واشنطن وطهران، انصرفت أنظار العالم إلى قصر فرساى حيث وُقِّعت إحدى النسختين، وإلى طهران حيث وُقِّعت الأخرى عن بُعد. غير أن الفصل الحقيقى لم يُكتب هناك. لقد كُتب قبل ذلك بأسابيع فى فندق بإسلام آباد، حيث نجحت دولة متوسطة الثقل فى تحقيق ما عجزت عنه القوى الكبرى والوسطاء المخضرمون جميعًا: أن تشيّد جسرًا وتُبقيه مفتوحًا حتى عبر منه الطرفان.
كان الطريق إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد مفروشًا بمحاولات لم يُكتب لها النجاح. وكانت سلطنة عُمان، طوال سنوات، القناة الهادئة بين واشنطن وطهران، مستندة إلى حيادها الجغرافى وعلاقاتها التاريخية مع الطرفين. لكن مع تصاعد المواجهة إلى ما تجاوز حدود الاحتواء، لم يعد هذا الحياد كافيًا لتحريك الأطراف الرئيسية، ثم فقدت إدارة ترامب ثقتها فى هذا المسار، فانتهى عمليًا. وكان الجسر العُمانى أضعف من أن يتحمل هذا الثقل.
لم يكن أحد قد رسم لباكستان هذا الدور، كما لم يكن ثمة إجماع إقليمى يرشحها له. وما حدث جاء بطريقة أكثر عمقًا وأجدر بالتأمل. فعندما أُسدل الستار على مسار مسقط، وجد الطرفان نفسيهما فى فراغ دبلوماسى. عندها تحركت إسلام آباد بهدوء، فأبلغت واشنطن أنها قادرة على فتح باب للحوار، وأكدت لطهران أنها لن تكون يومًا أداة فى يد أحد. وكانت المبادرة باكستانية، وكان توقيتها محسوبًا بعناية.
ثمة أسباب وجيهة تفسر نجاح إسلام آباد حيث أخفق غيرها
أولها أن علاقة إيران بباكستان لا تقوم على المجاملة الدبلوماسية، وإنما على الجغرافيا والمصلحة. فباكستان تمثل المنفذ البرى الأهم الذى يربط إيران بالصين، كما أن الممر الاقتصادى الصينى ــ الباكستانى وفر لطهران شريانًا استراتيجيًا يصعب الاستغناء عنه فى ظل العقوبات. ويضاف إلى ذلك أن باكستان لم تكن يومًا طرفًا فى مواجهة عسكرية مع إيران، ولم تستضف قواعد معادية لها، فظلت فى نظرها شريكًا يمكن الوثوق به عندما ضاقت الخيارات.
وبالنسبة إلى واشنطن، لم يكن الاختيار صعبًا. فالعلاقة الأمنية مع إسلام آباد تمتد عبر عقود من التعاون العسكرى والاستخباراتى، وكان المشير عاصم منير شخصية معروفة فى تلك الدوائر بما وفر قدرًا كبيرًا من الثقة.
ثم جاءت المملكة العربية السعودية لتضفى بعدًا إقليميًا حاسمًا على معادلة الثقة. فتحالفها الوثيق مع باكستان جعل أى اتفاق ترعاه إسلام آباد بعيدًا عن شبهة الانحياز لإيران، مقبولًا لدى دول الخليج. وهكذا لم يكن هناك وسيط آخر يستطيع أن يجمع، فى آن واحد، ثقة طهران، وقبول واشنطن، واطمئنان الرياض.
أما الصين، فقد كانت الحاضر الغائب. فمصالحها النفطية، واعتمادها على الممر البرى عبر باكستان، جعلا إنهاء الحرب مصلحة استراتيجية مباشرة لها. ولم تظهر بكين فى الواجهة، لكنها أسهمت بهدوء فى تهيئة الظروف التى سمحت للمفاوضات بتجاوز أصعب مراحلها.
غير أن نجاح أى وساطة لا يتوقف على هوية الوسيط وحدها، وإنما على الطريقة التى تُدار بها. وقد أدركت إسلام آباد ذلك منذ البداية. فلم تتجه مباشرة إلى جمع الوفدين الأمريكى والإيرانى، بل هيأت البيئة السياسية المحيطة، فأجرت مشاورات مع المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا، ثم استعانت بمصر وقطر عند الحاجة إلى تجاوز بعض العقبات. ولم يكن ذلك بلا ثمن، فقد كانت باكستان تمر بضائقة مالية، غير أن المملكة العربية السعودية وقطر وفرتا الدعم اللازم، فى رسالة واضحة بأن هذه الوساطة تحظى بغطاء إقليمى راسخ.
وعندئذ فقط انتقلت إسلام آباد إلى المرحلة التالية، فجمعت الوفدين الأمريكى والإيرانى بعيدًا عن الأضواء، فى عملية أُعدت بعناية قبل أن تصل إلى طاولة التفاوض.
وعندما التأمت جلسات فندق سيرينا فى إسلام آباد يومى الحادى عشر والثانى عشر من أبريل 2026، كانت جميع العناصر الأساسية قد أصبحت فى مكانها. ولهذا جاءت قائمة المشاركين شديدة الانتقائية؛ فلا مراقبين، ولا أطر متعددة الأطراف، ولا أجندات متزاحمة. وأوفدت الولايات المتحدة وفدًا رفيع المستوى برئاسة نائب الرئيس جى دى فانس، يرافقه المبعوثان الخاصان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، فيما أوفدت إيران وفدًا برئاسة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجى. وتولت باكستان إدارة الاتصالات، وتأمين المناخ الذى أبقى الحوار قائمًا عندما بدا الانقطاع احتمالًا واردًا.
وفى السابع عشر من يونيو 2026، وقّع الرئيس ترامب مذكرة تفاهم إسلام آباد فى قصر فرساى، فيما وقّعها الرئيس مسعود بيزشكيان، فى التوقيت نفسه، من طهران. وكان مقررًا أن يلتقى الطرفان بعد يومين فى منتجع بورجنستوك السويسرى، غير أن إلحاح وقف القتال عجّل بالاتفاق. وحملت الوثيقة اسم إسلام آباد، فيما انتقلت محادثات التنفيذ إلى جنيف. وكان الجسر قد أدى مهمته.
• • •
فى السياسة الدولية، نادرًا ما تُقدَّم الفواتير على الملأ. وإسلام آباد تدرك أن عائد الوساطة الناجحة لا يُقاس بما يُدفع مباشرة، بل بما تضيفه إلى مكانة الدولة ونفوذها. فقد أصبحت شريكًا لا يمكن تجاوزه فى الحسابات الإقليمية والدولية؛ تحرص واشنطن على التشاور معها، وتتمسك الرياض بشراكتها، وتدرك بكين قيمتها الاستراتيجية، فيما اكتسبت لدى طهران رصيدًا سياسيًا يصعب تجاهله. وفى عالم تُقاس فيه القوة بالنفوذ، كان ذلك أكبر عائد يمكن أن تحققه.
وربما كان الأثر الأبعد لهذه الوساطة ما تجسد فى القاهرة، حيث خرج إلى العلن لأول مرة ما كان يجرى الإعداد له بهدوء طوال الأشهر السابقة. فقد استضافت مصر، فى الحادى والعشرين من يونيو، الاجتماع الرابع للمجموعة الرباعية، الذى ضم مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان. ورحب الوزراء الأربعة بمذكرة تفاهم إسلام آباد، وأكدوا أن أمن الخليج والمشرق العربى، إلى جانب مركزية القضية الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية على أساس حل الدولتين، تمثل جميعها ركائز لا غنى عنها لاستقرار المنطقة. ثم استقبل الرئيس عبدالفتاح السيسى الوزراء الأربعة، ودعا إلى تحويل هذا التنسيق إلى آلية مؤسسية دائمة للتشاور والعمل المشترك. ولم تكن القاهرة ميلاد هذا الإطار، بقدر ما كانت الإعلان السياسى عنه، وبداية تطويره.
ولعل القيمة الحقيقية لهذا الإطار الرباعى أنه لا يقدم نفسه محورًا فى مواجهة أحد، ولا تكتلًا موجهًا ضد طرف بعينه، بل إطارًا للتشاور وصون السلام والاستقرار الإقليمى. فإذا كان جسر إسلام آباد قد أتاح للطرفين عبور أخطر مراحل المواجهة، فإن التحدى الأكبر أمام هذه الرباعية هو إقامة سدٍّ فى وجه الحرب التالية؛ سدٍّ يقوم على التشاور، والردع المحسوب، واحتواء الأزمات قبل أن تستفحل، فلا يكون السلام ثمرة إنهاء الحروب فحسب، بل ثمرة الحيلولة دون اندلاعها.
• • •
هنا يبرز الدرس الأعمق. ففى زمن تتصارع فيه القوى الكبرى على النفوذ، لا يضيق هامش المبادرة الدبلوماسية المستقلة، بل يتسع. فالقوى الكبرى المنشغلة بمواجهاتها تعجز، فى كثير من الأحيان، عن أداء الدور الذى لا ينهض به إلا من يجمع الثقة، والموقع، والعلاقات فى آن واحد. وقد أحسنت باكستان قراءة تلك اللحظة، وحددت موقعها عند نقطة التقاء المصالح، وأدارت عملية تفاوضية دقيقة، وأبقت الجسر مفتوحًا حتى عبر منه الطرفان.
صمتت المدافع، وما زالت المفاوضات تتواصل فى جنيف. وفى إسلام آباد، أثبتت دولة لم يكن كثيرون يتوقعون منها هذا الدور أن الدبلوماسية، مثل الهندسة، لا تُقاس بفخامة ما تُشيّده، بل بقدرته على الصمود. وأن السلام لا يصنعه جسر واحد، بل منظومة من الجسور تعبر بالأزمات، والسدود التى تحول دون عودتها.
مساعد وزير الخارجية الأسبق