فى مساء الثانى من يونيو 2026، اتصل البيت الأبيض بالقدس المحتلة. استمرت المكالمة نحو ربع ساعة. خرج منها ترامب وقد أطلق على نتنياهو وصف «المجنون»، وأخبره أن العالم كله بات يكرهه وأن إسرائيل أصبحت مكروهة بسببه، وأنه لولا حمايته الشخصية لكان يقبع اليوم خلف القضبان. وخرج نتنياهو بتصريح علنى مفاده أن العمليات العسكرية فى لبنان ستتواصل «وفق الخطة المرسومة». انتشر الخبر كالنار فى الهشيم، وكان رد فعل شريحة واسعة فى العالم العربى متوقعًا: ها هو الشرخ يتسع، وها هى العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تترنح.
هذه القراءة خاطئة. والخطأ فيها مكلف.
قبل أن نفندها، لا بد من الإنصاف. فالحجج المؤيدة لها ليست من فراغ. التراكم حقيقى: غزة ولبنان، والاغتيال الفاشل فى قطر الذى كاد يطيح بمفاوضات وقف إطلاق النار، ثم العمليات فى لبنان التى جاءت فى التوقيت الأسوأ لمسار التفاوض الأمريكى الإيرانى الذى يعتز به ترامب. وأرقام الرأى العام الأمريكى لم تعد هامشية؛ فـ62 فى المائة من الأمريكيين يريدون وقف تسليح إسرائيل أو تقييده. كما أن تحدى نتنياهو العلنى لواشنطن ومواصلته الضربات بعد المكالمة مباشرة يمثل فى حد ذاته رسالة غير مألوفة من حليف إلى حليفه.
غير أن الدليل الفاصل ليس فى المكالمة، بل فيما كان الكونجرس يفعله فى الأسبوع ذاته.
فى السابع والعشرين من مايو، أى قبل خمسة أيام من المكالمة، أُدرج فى مشروع قانون الدفاع الوطنى الأمريكى لعام 2027 البند رقم 224 المعنون «مبادرة التعاون فى تكنولوجيا الدفاع بين الولايات المتحدة وإسرائيل». ويرسى هذا البند دمجًا واسعًا بين منظومتى القيادة والسيطرة العسكريتين، وشبكات الاستخبارات، والبنية التكنولوجية للبلدين فى مجالات الذكاء الاصطناعى والحوسبة الكمية وأنظمة الدفاع الجوى المتكاملة. ويذهب كثير من المحللين إلى أنه التطور الأهم فى العلاقة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية منذ اتفاقية المساعدات العسكرية عام 2016.
فما يُقرَّر فى المؤسسات أثقل وزنًا مما يُقال فى المكالمات الهاتفية.
لكن ما يجعل هذه العلاقة محصنة من القطيعة لا يقتصر على البنية المؤسسية. فثمة شبكة من التبعيات الشخصية المتبادلة لا تقل أهمية.
ترامب يمسك بخيط البقاء السياسى لنتنياهو: الغطاء الدبلوماسى فى مواجهة الملاحقات الدولية، والحماية السياسية فى واشنطن، والدرع فى مواجهة أزماته الداخلية. وهذا ما عناه حين قال له: «أنا أنقذ مؤخرتك». لم تكن ثورة غضب بقدر ما كانت تذكيرًا لدائن بحجم الدين المستحق.
لكن الدين لا يجرى فى اتجاه واحد. ملفات جيفرى إبستاين، الموثقة الصلات باستخبارات إسرائيلية وبدوائر نفوذ لم تُكشف بالكامل بعد، لا تزال طىَّ الكتمان المنتقى فى عهد ترامب الذى يملك وحده مفتاح توقيت الإفراج عنها. نتنياهو وأجهزته يعرفون ماذا فى هذه الملفات. وترامب يعرف أنهم يعرفون. أوراق الضغط الحقيقية لا تحتاج إلى تلويح؛ يكفى أن يعرف كل طرف ما يعرفه الآخر. «أنا أنقذ مؤخرتك» قالها ترامب صراحة. وما لم يقله نتنياهو علنًا: أنا أيضًا أمسك بالمقابل.
وقد جاءت مكالمة الثامن من يونيو بعد الهجوم الإيرانى الصاروخى على إسرائيل لتؤكد أن الخلاف بين ترامب ونتنياهو يدور حول إدارة التحالف لا حول وجوده.
هذا هو ما يجعل المشادة شجار عاشقين لا غير. وما يجعل قراءتها بوصفها انفصالاً وشيكًا أمرًا خطيرًا على من يعول عليها فى حساباته.
وهنا يكمن الخطر الأكبر على القارئ العربى. فمنذ العدوان الثلاثى عام 1956، يتكرر نمط مألوف فى القراءة السياسية العربية: يُنظر إلى كل خلاف علنى بين واشنطن وتل أبيب باعتباره بداية افتراق استراتيجى، ثم يتبين أن ما بدا شرخًا لم يكن سوى خلاف داخل التحالف نفسه. وهكذا يسبق التمنى التحليل، وتُبنى الحسابات على الأوهام أكثر مما تُبنى على موازين القوى.
والمفارقة أن ما يغذى هذا الانطباع اليوم ليس تحولاً فى جوهر العلاقة، بل الطابع الدرامى للمكالمة نفسها، فيما يغيب عن الأنظار ما هو أكثر أهمية: أن المؤسسات الأمريكية كانت، فى الوقت ذاته، تدفع بالعلاقة مع إسرائيل نحو مستوى غير مسبوق من الاندماج الاستراتيجى.