إن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وضعت الصين أمام أحد أكثر اختبارات سياستها الخارجية تعقيدًا فى الشرق الأوسط؛ فلأول مرة، تعرضت المصالح الأساسية لبكين فى المنطقة لضغوط متزامنة: ضمان أمن الطاقة الصينى، والحفاظ على العلاقات مع دول الخليج، والحفاظ على استقرار النظام الإيرانى، وتجنُّب الدخول فى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. وكان أى تحرُّك صينى كبير لمصلحة إحدى هذه المصالح من شأنه الإضرار بالمصالح الأُخرى. وفى الواقع، اختارت بكين عدم المفاضلة بين هذه المصالح المتنافسة، بل تبنّت نمطًا من السلوك يهدف إلى تجنّب ذلك والحفاظ على هامش حركتها فى المنطقة.
• • •
للوهلة الأولى، كان من الممكن توقّع سلوك مختلف؛ فبين الصين وإيران شراكة استراتيجية شاملة؛ إذ تشترى الصين معظم صادرات النفط الإيرانية، ويتشارك البلدان معارضة النظام الدولى الذى تقوده الولايات المتحدة، ويتعاونان فى إطار مجموعة البريكس (BRICS) ومنظمة شنجهاى للتعاون. وفى ضوء ذلك، توقع البعض أن تقدم بكين دعمًا أكبر لإيران؛ وفى المقابل، رأى آخرون أنها ستستخدم أدوات نفوذها لدفع طهران إلى التصرف بما يخدم المصالح الصينية؛ هذا التوقع انعكس أيضًا فى دعوات علنية من مسئولين أمريكيين حثّوا الصين على استغلال نفوذها لدى إيران، لكن الواقع جاء مغايرًا؛ إذ جمعت السياسة الصينية بين رسائل انتقادية لإيران وبين الامتناع من استخدام أدوات ضغط حقيقية.
ولا يمثل هذا السلوك مجرد سلسلة من ردات الفعل الظرفية، بل يعكس استراتيجيا متماسكة يمكن تمييز ثلاثة مكونات متكاملة فيها.
المكون الأول: هو خلق حضور دبلوماسى واضح؛ سعت الصين للظهور بمظهر الدولة الناشطة دبلوماسيًا، وإن لم تكن تسعى للتأثير المباشر فى مسار الحرب. أجرى وزير الخارجية وانج يى أكثر من عشرين اتصالًا بقادة المنطقة، وقدمت الصين مبادرات سياسية متعددة، وتحركت داخل مجلس الأمن، وأوفدت مبعوثًا خاصًا إلى الشرق الأوسط. ومن منظور بكين، إن مجرد الظهور الدبلوماسى المكثف يُعتبر جزءًا من الإنجاز الاستراتيجى، حتى عندما لا يغيّر مجرى الأحداث.
المكون الثانى: هو تكييف الرسائل مع جماهير مختلفة؛ لقد خاطبت بكين كل طرف بلغة مختلفة: فى تعامُلها مع إيران، شددت على مبادئ السيادة وإدانة الهجمات؛ أمّا تجاه الولايات المتحدة، فكان خطابها أكثر اعتدالًا، فى إطار سعيها لتجنّب مزيد من التدهور فى العلاقات خلال فترة سياسية حساسة، وعلى خلفية زيارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لبكين فى 13مايو 2026؛ وفى الأمم المتحدة، ركزت على القانون الدولى والحوار وضرورة وقف إطلاق النار؛ بينما قدمت نفسها أمام دول الجنوب العالمى على أنها قوة مسئولة تفضل الحلول السياسية على استخدام القوة العسكرية. وهذا لا يعكس تناقضًا فى الرسائل، بل تكييفًا لها وفق الجمهور المستهدف.
المكون الثالث: وربما الأهم، هو الغموض فى طبيعة الانخراط. ولا يعنى ذلك أن الصين امتنعت كليًا عن التعاون الأمنى مع دول المنطقة، بل إنها واصلت خلال الحرب تعاوُنها الأمنى مع دول الخليج، وفى الوقت نفسه، حافظت على علاقاتها مع إيران. وبهذه الطريقة، تجنبت الاصطفاف العلنى إلى جانب أى من الطرفين، وحافظت على علاقاتها مع كلا المعسكرين. وفى موازاة ذلك، ظهرت تقارير تحدثت عن تزويد إيران بمكونات ذات استخدام مزدوج، وشحنات من بيركلورات الصوديوم (وهى مادة أولية تدخل فى تصنيع محركات الصواريخ)، ومواد أُخرى مصدرها شركات صينية، فضلًا عن تقارير بشأن تقديم مساعدات استخباراتية.
وتكاملت هذه المكونات الثلاثة - الحضور الدبلوماسى، وتكييف الرسائل، والغموض فى طبيعة الانخراط - بما أتاح لبكين الحفاظ على مرونتها الاستراتيجية وحرية حركتها بعد انتهاء القتال؛ وبهذا تمكنت الصين، على الأقل فى المدى القصير، من تجنّب الاختيار بين إيران ودول الخليج من دون أن تلحق ضررًا جوهريًا بعلاقاتها مع أى من الطرفين، مع ترك العبء الأساسى للتورط والأكلاف الاستراتيجية على عاتق الولايات المتحدة.
هذا النمط لا يمثل مجرد مجموعة من الإجراءات العملية، بل يعكس تصورًا أوسع لاستخدام القوة يمكن تفسيره بمفهوم «وو وى» (Wu Wei) فى الفلسفة الطاوية، ويعنى «اللا فعل»، أو «العمل من دون إكراه»؛ وليس المقصود بذلك الادعاء أن الحزب الشيوعى الصينى تبنّى الفلسفة الطاوية كجزء من سياسته الخارجية، كذلك هو لا يعنى السلبية المطلقة، بل تجنّب الإجراءات التى ربما تفضى إلى ضرر يفوق فائدتها.
وبالنظر إلى النتائج، يبدو كأن هذا النمط من السلوك حقق هدفه إلى حد كبير؛ فما زالت إيران تعتبر الصين شريكتها الاستراتيجية الرئيسية، على الرغم من بروز بعض الانتقادات داخل إيران بشأن حجم الدعم الصيني؛ ودول الخليج لا تزال ترى فى بكين شريكة اقتصادية وسياسية مهمة، بينما واصلت الولايات المتحدة تحمُّل العبء الأمنى فى المنطقة، ولم تتدهور العلاقات الصينية الأمريكية نتيجة الحرب، بل استمر قدر من التعاون بينهما فى إدارة الأزمة. وأكثر من ذلك، حظيت بكين بإشادة من الرئيس الأمريكى، الذى أثنى على نظيره الصينى شى جين بينج بسبب مساعدته خلال الحرب.
ومع ذلك، من المبكر الجزم بأن هذه السياسة كانت بلا ثمن. ففى المدى القصير، نجحت الصين فى الحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف، لكن حذرها ربما يثير فى المدى الطويل شكوكًا فى مدى استعدادها لتحويل نفوذها الاقتصادى والسياسى إلى أدوات ضغط فعلية فى أوقات الأزمات؛ ففى إيران، ربما تزداد الشكوك فى مستوى الدعم الذى يمكن توقّعه من بكين فى الظروف القصوى، بينما يمكن أن يترسخ لدى دول الخليج الانطباع أن الصين لا تستخدم نفوذها لكبح إيران، حتى عندما تتعرض مصالحها، هى نفسها، فى المنطقة للخطر. وهكذا، فإن «اللا فعل» الصينى حافظ على مرونته الاستراتيجية وعلاقاته مع الجميع، لكنه لم يعزز بالضرورة الثقة باستعداده لتحمّل الأكلاف من أجل شركائه؛ ثم كشفت الحرب عن مزايا النهج الصينى المتحفظ، وأيضًا عن حدوده فى الوقت نفسه.
• • •
تكشف الحرب مع إيران أن تحليل السياسة الصينية لا يمكن أن يستند إلى التصريحات العلنية لبكين وحدها؛ فالرسائل التى تبعث بها الصين تتغير وفق الجمهور المستهدف والظروف؛ لذلك يجب تقييمها إلى جانب أفعالها الفعلية، والأهم من ذلك، إلى جانب الخطوات التى تختار عدم اتخاذها. ويُعتبر فهم الفجوة بين الخطاب والسلوك الفعلى أمرًا أساسيًا للوصول إلى تقييم أكثر دقة للسياسة الصينية وأهدافها فى الشرق الأوسط. ومن هذه الزاوية، لا تمثل الحرب مع إيران حالة استثنائية، بل تكشف بصورة أكثر وضوحًا نمطًا من السلوك سبق أن ظهر فى أزمات إقليمية سابقة.
كذلك توضح الحرب حدود الرهان على الصين من أجل استخدام نفوذها على إيران. فعلى مدى أعوام، طُرحت فى إسرائيل مقترحات لتشكيل ائتلاف من الدول ذات العلاقات الوثيقة مع بكين، بهدف تشجيع الصين على ممارسة ضغوط على طهران، لكن سلوكها خلال الحرب أظهر أنها امتنعت عن استخدام هذا النفوذ، حتى عندما تعرضت مصالح شركائها المقربين فى الخليج للخطر. والتحدى أمام إسرائيل لا يقتصر على تقييم حجم النفوذ الصينى على إيران، بل يتمثل أيضًا فى فهم الظروف التى يمكن أن تدفع بكين إلى اعتبار استخدام هذا النفوذ خطوة تخدم مصالحها الاستراتيجية.
وأخيرًا، فإن تحديد حدود الانخراط الصينى ربما يساعد إسرائيل على تقييم السلوك المتوقع لبكين فى الأزمات المستقبلية بصورة أكثر دقةً. فبدلًا من التساؤل عمّا يمكن أن تفعله الصين، سيكون من الأجدى دراسة ما هى الخطوات التى لن تُقدم على اتخاذها، سواء تعلق الأمر باستخدام الضغط الاقتصادى، أو التدخل السياسى الملزم، أو تحمّل الأكلاف الاستراتيجية، وربما يسهم هذا النهج فى الحد من التوقعات غير الواقعية، وفى تمكين إسرائيل من بناء سياستها تجاه الصين على أساس تقدير أكثر واقعية لحدود انخراطها.
غاليا لافى
معهد دراسات الأمن القومى
مؤسسة الدراسات الفلسطينية