خطر تطبيع خطاب الترانسفير - من الصحافة الإسرائيلية - بوابة الشروق
الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 10:40 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

خطر تطبيع خطاب الترانسفير

نشر فى : الأحد 6 سبتمبر 2026 - 6:45 م | آخر تحديث : الأحد 6 سبتمبر 2026 - 6:45 م

كان خطاب الترانسفير (نقل السكان) موجودا فى الحركة الصهيونية منذ نشأتها؛ لقد فكّر مسئولون بارزون فيها، فى مناسبات عديدة، فى إمكان نقل السكان العرب من أرض إسرائيل، عبر إغراءات اقتصادية، أو اتفاقيات مع دول قريبة وبعيدة. وكان لقطاع غزة، الذى ارتبط بمشكلة اللاجئين، مكانة مركزية فى هذا النقاش، ولا سيما منذ سيطرة إسرائيل عليه فى سنة 1967م، عندما طُرحت مشاريع عديدة فاشلة لتقليص عدد سكان القطاع، أو إفراغه من سكانه.

كانت قوة الصهيونية تكمن دائما فى قدرتها على طرح رؤية جريئة وريادية، وفى الوقت نفسه، العمل بواقعية، وتحديد القيود والانزلاقات المحتملة، وبناء على ذلك، التكيف وتغيير السياسات والأهداف؛ وتجسّدَ ذلك فى فكرة الترانسفير. وعندما اتضح، على مرّ السنين، أن احتمال تنفيذها ضئيل، وأن السعى لتطبيقها سيُلحق ضررا سياسيا ودبلوماسيا كبيرا، وأنه من الصعب إقناع الفلسطينيين بالاقتلاع «طوعا»، دُفعت الفكرة إلى هامش الخطاب العام، لكنها لم تختفِ قط، وحملت، فى الأغلب، وصمة فكرة هاذية ومرفوضة، وارتبطت بالتيارات المتطرفة.

تغيّر التعامل مع فكرة الترانسفير بصورة جذرية منذ «مجزرة» 7 أكتوبر؛ ففى ظل الصدمة المؤلمة، انتقلت الفكرة إلى مركز الخطاب العام بالتدريج، وأصبحت جزءا من أجندة أحزاب اليمين، فنتنياهو يتمسك برؤية «الريفييرا المتوسطية» التى طرحها ترامب، على الرغم من أن الأخير تخلّى عن الموضوع منذ فترة طويلة؛ أمّا كاتس، فأنشأ إدارة للهجرة لا تتضح طبيعة أعمالها، بينما تعتبر الأحزاب الواقعة إلى يمين الليكود «الهجرة الطوعية» هدفا مركزيا.

يعكس الخطاب المتعلق بقضية الترانسفير التغيّرات التى طرأت على المجتمع الإسرائيلى منذ 7 أكتوبر. وقبل كل شىء، هو دليل على استبدال التفكير المعقد والرصين بالأوهام. وهذا كله تحت غطاء صورة زائفة، مفادها بأن هناك «تصحيحا» للتفكير الفاشل الذى كان سائدا قبل 7 أكتوبر، ويرافق ذلك ازدراء للنقد، ولا سيما النقد الذى يحذّر من فقدان الشرعية فى العالم؛ وهو الهاجس الذى كان يحتل مكانة مركزية فى حسابات صنّاع القرار فى الماضى. قدّم السفير هاكابى، المؤيد بشدة لإسرائيل عموما، ولمعسكر اليمين خصوصا، مرآة قاسية لهذا الواقع عندما قال إن الإرهاب اليهودى يستشرى فى الضفة الغربية، وأنه لا توجد أى خطة لتنفيذ هجرة قسرية من غزة؛ أما بقية العالم، فانتقاداتها أكثر حدة، سواء حيال ما يحدث فى الضفة الغربية، أو بشأن تطوّر النقاش بشأن الترانسفير.

يعكس خطاب الترانسفير أيضا التطرف الذى طرأ على عالم القيم الإسرائيلى؛ لقد جرى تبرير «المجزرة البشعة» فى 7 أكتوبر، التى رافقتها تطلعات إلى إبادة إسرائيل ــ وهى تطلعات لم تختفِ بالضربات القاسية التى وُجّهت إلى الفلسطينيين خلال الحرب. ويمكن المقارنة بشعوب أُخرى تعرضت لهجمات وحشية وانتقمت من أعدائها، مثل الاتحاد السوفييتى فى ألمانيا النازية، أو الأمريكيين فى اليابان، لكن حتى غريزة الانتقام، يُفترض أن يكون لها حدّ ومنطق، ولا يمكن أن تتحول إلى بوصلة جماعية، أو إلى مبرّر لأى نوع من العمليات، وفى أى وقت، ولا يمكن أيضا أن تحلّ محلّ التحليل الواقعى للخريطة الجيوسياسية فى المنطقة والعالم، وصوغ هدف استراتيجى متجذر فى أرض الواقع.

إن ترحيل سكان غزة، شأنه شأن ابتلاع الضفة الغربية، يجسّدان، إلى حدّ كبير، سيطرة الطابع الدينى على الخطاب الاستراتيجى فى إسرائيل. فالمطروح هنا أهداف دينية عقائدية طائفية مغلّفة بعباءة خادعة تحمل عنوان «الاستراتيجيا».

يتجسد تطبيع فكرة الترانسفير فى الحوار الهادئ الذى يجرى مع ممثلى هذه الفكرة فى الفضاء الإعلامى، من دون طرح أسئلة صعبة بشأن كيفية تطبيق الرؤية وأبعادها القيَمية والأخلاقية، والنتائج التى ستترتب على محاولة تنفيذها. ويُفترض ألّا تساير وسائل الإعلام جهود التطبيع هذه، بل أن تشكك وتطرح أسئلة حادة، كما لم تفعل عشية 7 أكتوبر...

الأوهام المسيانية عبر التاريخ

إن الشعوب التى قادتها أوهام منفصلة عن الواقع وتصورات مسيانية انهارت على امتداد التاريخ، واليهود يعرفون ذلك جيدا، ولا سيما من خلال تجربة خراب الهيكل الثانى؛ صحيح أن الفلسطينيين هم الذين بادروا إلى تنفيذ «مجزرة» 7 أكتوبر، ويعتبرون أنفسهم ضحايا للحرب، ولا يُجرون مراجعة ذاتية، وكثيرون منهم ينكرون حق إسرائيل فى الوجود، ولو كانت إسرائيل إمبراطورية عالمية فى العصور القديمة، لربما كان فى إمكانها اتخاذ خطوات جذرية، لكنها دولة تسعى لتكون جزءا من أسرة الأمم فى القرن الحادى والعشرين، وقوتها محدودة، ولا تستطيع التصرف كاقتصاد مغلق مكتفٍ ذاتيا، أو كإسبرطة جديدة، أو أن تقوم بهندسة جغرافية وديموغرافية للمنطقة؛ كذلك ثبُت أنها لا تستطيع القضاء على أعدائها، خلافا لوعود القيادة للمواطنين.

إن إسرائيل الواقعية ليست دولة مدمنة على القوة، ولا تعمل على تحقيق أوهام خطِرة، ولا تؤمن بإمكان خوض حرب أبدية، بل هى دولة تعرف متى تهاجم عند الضرورة، لكنها تعرف أيضا كيف تدفع نحو التسويات، وتدرك أنه لا توجد سيناريوهات مثالية، ولا حلول سحرية.

ثمن تطبيع الترانسفير

إن تطبيع الترانسفير، وبالأحرى ترويج وسائل تنفيذه، سيضرّ، بل إنه بدأ يضرّ فعلا بشرعية إسرائيل فى العالم، وبصورتها كدولة متزنة، ويبدو كأن مواطنيها، فى أغلبيتهم، لا يعرفون ولا يفهمون تبعات ذلك، وفى مقدمتها تطوّر الضغوط والعقوبات والعزلة.

وهذا يسلّط الضوء على الاستنتاج القائل إنه منذ 7 أكتوبر، وعلى الرغم من أن إسرائيل وجّهت ضربات قاسية إلى أعدائها، فإنها تعانى فى الوقت نفسه جرّاء تفكُّك الإجماع الداخلى والتطرف فى منظومة القيم، وفى لغة الخطاب السائدة فيها، وجرّاء ضرر جسيم لحِق بشرعيتها الدولية، وهذه الشرعية تشكل دعما وجوديا لا يقلّ أهمية عن القوة العسكرية، وربما يكون  أكثر أهمية منها.

ميخائيل ميلشتاين

يديعوت أحرونوت

مؤسسة الدراسات الفلسطينية

من الصحافة الإسرائيلية أبرز المقالات من الصحف الإسرائيلية
التعليقات