آخر أيام الصيفية - رباب نبهان - بوابة الشروق
الإثنين 7 سبتمبر 2026 11:20 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

آخر أيام الصيفية

نشر فى : الإثنين 7 سبتمبر 2026 - 9:10 م | آخر تحديث : الإثنين 7 سبتمبر 2026 - 9:10 م

على الرغم من أنى أعشق ملامحه الهادئة، ووجهه الساكن الوادع، وهيئته الرزينة الحكيمة الراسية، وأمان القرب منه، فهو لا يغضب أبدًا.. إلا أنى أعلم أيضًا كم هو أكثرهم ديكتاتورية، ولا يُشرك فى حكمه أحدًا، ولديه من القرارات ما يُبدّل الأشجار، ويُسقط الأوراق، ويُخلى الشوارع من المارة، بل ويأمر الشواطئ بأن تُفضى فى الحال وتودّع عشّاقها.

وإن كنت أراه الآن قد فقد بعضًا من هيبته بعد أن تقدّم به العمر، وخسر مع الزمن شيئًا من سطوته، حتى إن نسائمه العليلة لم تعد تأتى مثلما كانت تأتى، وتتسلل إلى أجسادنا قشعريرة ليلية تخبرنا أنها.. آخر أيام الصيفية

إنه سبتمبر..

• • •

كنت أهواه، رغم أنه كان يسلبنى حرية اللعب والصراخ والجرى فى جنبات الشوارع المؤدية كلها إلى البحر، وحرية اختلاس النظر من خلف الشباك إلى ضيوفنا وضيوف موج البحر، والغوص فى حكاياتهم وحيواتهم دون أن أسمع ما يقولون، لكن عقلى كان يُكمل لى ما انتقص، ويملأ ما لم يصل إلى أذنى.

نعم، كنت أراهم رأى العين، وأرى تفاصيل ما يفعلون، وأعلم أن هذا أصبح اليوم دربًا من دروب الخيال. فكيف لأحد أن يرى البحر دون استئذان، ودون أن يمر على بوابات، ودون أن ينتمى أو لا ينتمى إلى أى مجتمع كان؟

• • •

كنت أشتاق إليه وأنتظره كما كنت أنتظر أيام العيد. هو أيضًا كان يحمل لى من السعادة مقادير ترضينى؛ فأنا على موعد مع أقرانى، سوف أراهم جميعًا، وسوف نلهو ونركض، ولدينا من الحكايات ما يكفى شهورًا، تساوى قدر ما ابتعدناه طوال الصيف.

وسوف نضحك حتى تظهر نواجذنا، وسوف نتعارك أيضًا؛ على من تجلس فى الصفوف الأولى، ومن تختبئ فى الصفوف الخلفية، وسوف نغار.. فمنّا من طال شعرها أكثر من الأخرى، ومنّا من أُرغمت على قصّه، وظهر عليها الحزن جليًا؛ كلما تحسسته، ووجدت مكانه خاليًا، امتعضت وبانت حسرتها، ومنّا من كانت أكثر حظًا وتركتها أمها تُسدل شعرها، فيجرى خلفها طوال الفسحة، وتأخذ فى إثارة غيظنا، وتجري، وتجرى خلفها أيضًا مدرّسة الأنشطة، لتدركها من شعرها وتعقده عقدة ربما استقرت فيه إلى آخر العام، وفى نفس صاحبته إلى أكثر من ذلك.

وسوف أرى حازم.

• • •

استحييت أن أفصح حتى لنفسى أن أجمل ما يحمله لى سبتمبر كان حازم. لم أره منذ آخر يوم فى العام الماضى، ولم يكن مسموحًا لأى بنت أن ترى أى زميل لها، ولو صدفة، بالقرب من بيتها؛ فإن صادف ولمحها أحد الجيران، أو قريب أحد الجيران من الدرجة السادسة، كان سيصدر أحكامًا، وربما يصبح له رأى فى مصير تلك الفتاة التى نظرت بابتسامة فلتت من قلبها حين رأت أول من علّمها الشعر والحُسن والهوى.

• • •

وحين دفعتنى صديقتى أرضًا فى ساحة الفناء ونحن نلهو، سقط منى شريط الستان الذى كان يزيّن ذيل الحصان الطويل الذى كان يميزني، فسقط معه شىء من ثقتى بنفسى حين رآنى حازم، وعلمت أنه لم يرَ منى سوى الشريط الذى فُقد.

يا لحماقة صديقتى، وحماقة نفسى التى لم ترَ فيها شيئًا يستحق النظر سوى شريط الستان الأبيض.

• • •

وازداد همّى مع انتهاء اليوم، وأكثر ما كان يحزننى هو قِصر المسافة من المدرسة إلى البيت؛ فلا تكفى لأحاديث أقرانى، رغم انحناءة ظهرى وثقل حقيبتى، التى حتمًا كانت تحمل أكثر من نصف وزنى، وتحمل أيضًا الكثير من الأشغال الشاقة التى لن تنتهى إلا بنومى فوق الجلاد الأحمر الشفاف، مثلما طلبت مدرسة اللغة العربية، وكل الفروض يمكن البت فى أمرها أو تأجيلها، إلا فروض مدرسة اللغة العربية؛ فهى كانت تتحملنى بالكاد، وترى أن لا فائدة من وجودى سوى العبث وإثارة الجَلَبة.

• • •

ومثلما طلبت أيضًا، كان علىَّ أن أكتب لها موضوع تعبير عن قصة كفاح كانت من بنات أفكارى. لم أكن أثق كثيرًا فيما صنعت، فكتبت اسمى بارتعاش، ودون وضوح، لكنها ميّزته، ونادتنى سائلة:

ــ من كتب هذه القصة؟

أخبرتها، وأمرى لله:

ــ أنا.

تبدّل وجهها وابتسمت لأول مرة فى وجهى:

ــ كيف تُخفين كل هذه البلاغة خلف قناع اللهو والعبث؟ إنه لا يليق أن يجتمع الإبداع مع إثارة الشغب والفوضى..

سكت ولم أدرك إن كان مدحًا ما قالت أم هجاءً، وكيف لا يتفق الإبداع مع الفوضى، فكلاهما من ذات الرحم؟ ولكننى ابتسمت حين أمرت الجميع بأن يصفقوا لى.. وصفّق لى حازم.

منذ ذلك اليوم، عرفت أن بداخلى فتاةً لديها مهارة، يمكنها أن تنجينى من العقاب، وتضعنى بين صفوف المتفوقين بلا عناء.

وأيضًا تثير إعجاب حازم أكثر من شريط الستان.

رباب نبهان كاتبة وأديبة
التعليقات