قضيتُ أكثر من ربع عامى، ونصف وقتى، وكل جهدى أتابعه، وأتابع الركن الذى كان يسكنه. أروح وأغدو كى أطمئن أنه ما زال موجودًا وبخير، وأنه لم تمتد إليه يدٌ إلا يد البائع، الذى طالما انتظرت أن أراه وهو يشطب السعر القديم ويضع سعرًا أقل فى متناول يدى القصيرة. وما إن تعاطفت معى الأسعار، وتنازلت التنزيلات قليلًا، حتى أمسكته وطرتُ به من السعادة.
• • •
وأخذتُ أعدّ الأيام. كل يوم أخرجه من الدولاب، وأنتزع عنه الجراب، ثم أرجع إلى الخلف قليلًا، أنظر إليه وأحدّثه:
«محظوظٌ أنت أيها المعطف، لا تعرف أين خاتمتك، ولن تتصور مَن سوف يرتديك. عليك أن تبتهج، وأن تتفاخر على أقرانك. أنت على أعتاب أن يملكك رجلٌ غير عادى، إذًا فأنت معطفٌ غير عادى».
• • •
وجاء اليوم الموعود، وقابلته، وجلسنا نحن الثلاثة على طاولة واحدة: أنا، والرجل الذى سرق عقلى، والمعطف.
لم يسترعِ انتباهه شىء، وكأن كرسى المعطف خالٍ. وإن راقنى ذلك وأعجبنى، فحتما أنه جاء من أجلى، من أجل أن ينظر إلى وجهى. كيف لمعطفٍ أسود أن يظهر لونه، ولونُ عينى أشدُّ سوادًا وبريقًا ولهفة؟
حان الوقت أن أقدّمه له، وأن أحكى له عن ماضيه، وعن قصة كفاحى فى الحصول عليه، وعن الأسرار التى صارت بيننا.
ولكن... أخذه منى، نظر إليه فى عجالة، ووضعه جانبًا، ثم انتقل إلى حديثٍ آخر.
لا، لا، لا... لا يمكن أن تكون هذه هى الطريقة التى تليق باستقبال جزءٍ من روحى. أخبره أيها المعطف... قصّ عليه حكايتنا، قل له كيف نشأت علاقتنا منذ الموسم الماضى. أخبره عن الليالى التى قضيتها فى سريرى وأنا أحكى لك عنه، وأنت تستمع بكل حماسٍ ولهفة.
• • •
باعنى معطفى ولم ينطق بكلمة، فاضطررتُ أن أسوّق بضاعتى بنفسى. وقفتُ بكل جرأة، وصرتُ أدلّل على المعطف كما لو كنت أقف فى ميدان العتبة، أيامَ كان رائجًا:
«انظر إلى الخامة... هل ترى الصنعة وجودة التفاصيل؟ كأنه خُلق من أجلك، كما خُلقتَ أنت من أجلى. أرجوك أن ترتديه... أريد أن أراه عليك».
ماطلنى قليلًا، ثم استجاب، حين ضجر من إلحاحى وتوسلاتى، وارتداه بالفعل، ووقف أمامى.
• • •
مضت عدة دقائق وأنا شاخصةٌ أمامه، كشمسية بحرٍ غُرست فى رمال الشاطئ، وداهمتها الأمواج، فثبتت أوتادها ولم تتحرك. رحتُ أثنى على جمال معطفى (الذى بات معطفه)، وكيف أصبح يشبهه، وكأنهما وليدان من نفسٍ واحدة. ويا لمهارتى حين اشتريتُ، واخترتُ بعناية مقاسًا رائعًا، أخذ بالفعل من منحنيات جسده ممراتٍ وطرقات، احتار فيها عقلى، وكاد يلتبس علىّ الجسد بالرداء.
• • •
وفجأة... بدت على وجهه علامات التذمر، وكأن قيدًا يلتف حول رقبته! بدأ يتحرك بعصبية، وينازع المعطف، والمعطف يكاد يتمزق بين يديه، بينما أنا غارقة فى إنكارى، أقول له:
«لا... هو مقاسك تمامًا، ولكن... ربما الذراعان؟ بل الكتفان... أعتقد أنه يحتاج إلى بعض الطول... وربما كان الأفضل أن يتسع الخصر... والـ…».
قاطعنى بصوتٍ مخنوق:
«ماذا تبقى إذًا من المعطف؟»
نظرتُ إليه بلهفة، وأجبت:
«أعطنى دقائق، وسوف أجعله يتسع لك. إن كان قلبى قد فعلها حين سكنته، واتسع حتى فاض خارج حدود جسدى، أفلا يكون سهلًا علىّ أن أوسّع لك معطفًا؟»
• • •
تركنى وغادر، دون أن يتفوه بكلمة تعيد إلىّ روحى التى ذهبت وراءه. نظرتُ إلى سرابٍ سحبنى من يدى، ودلّنى على طريقٍ ظننتُ أن فيه ضالتى، وأخذتُ أبحث عن أثره، وأتردد على الأماكن التى كنا نرتادها سويًا، لعلّى أجده، أو أجد بقايا الروح المتمردة العاصية التى سكنت عنده.
وهنا أدرك الحزن أن وسادتى خالية، فغرس فيها رايته.
• • •
أبدًا لن أرفع أنا رايتى، واستمررتُ فى البحث عنه. صرتُ أدور عليه فى كل الوجوه، ولم أترك مكانًا مرّت به ذكرياتنا إلا وطرقته، حتى ذهبتُ يومًا إلى إحدى طاولاتنا المفضلة، فى زمنٍ كان بالأمس قريبًا، وإن كان، بعد أن اختفى، قد أصبح ثقيل الخطى.
• • •
وشممتُ رائحته تتناثر حولى وأنا أجلس على الطاولة ذاتها، ورفعتُ بصرى لأجده... هو حقًا! أخيرًا لان قلبه، وشعر بعوزتى وذلّ حاجتى. وهممتُ أن أناديه وأعاتبه، وبالفعل ناديتُ اسمه... ولكنه لم يلتفت.
قمتُ بخطواتٍ حذرةٍ مرتعشة، حتى لمستُ كتفه، فاستدار... ولكن، فى لمحة بصر، تبدلت ملامحه، ورأيتُ رجلًا لم يكن، من الأساس، يشبهه... أنا فقط مَن خُيّل إلىّ ذلك.
• • •
تلجلجتُ، واعتذرتُ لشخصٍ لا أعرفه، وتراجعتُ إلى طاولتى بحسرة.
لم يكن الرجل الذى على الطاولة هو الرجل الذى سرقنى، ولم يكن سارقى هو الرجل الذى أريده. لم يكن فيه شىءٌ قط يشبهنى، لم يكن لى… ولكنه جاء حسب تعليمات قلبى، الذى قرر أن يحب، فأعدّ وألّف قصة حب، وانتظر أول طارق سبيل.
• • •
تتولد بداخلنا الرغبة فى الحب قبل أن نقابل مَن سيقع عليه الاختيار، وفى جميع الأحوال نلقى إليه بقصة مُعدّةٍ مسبقًا، لا ينقصها سوى اسمه. ولو أن اسمًا آخر سبقه فى المرور، لكنا ألقينا إليه الحكاية نفسها.
صرتُ كقاطع الطريق اليونانى القديم «بروكرست»، الذى كان يجبر عابرى السبيل على النوم فى سريره؛ فإن وجدهم أطول من قياسه، قطع أطرافهم، وإن وجدهم أقصر، شدّ أجسادهم بقسوة حتى يطابقوا القالب.
وهكذا صار قلبى بروكرست آخر؛ قلبًا أحمق، ديكتاتورىّ العاطفة والنزعة، إذا أراد أن يحب، فعلى العالم أن يستجيب.