العروبة الباقية - مصطفى الفقي - بوابة الشروق
الإثنين 13 يوليه 2026 7:38 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل المونديال؟

العروبة الباقية

نشر فى : الإثنين 13 يوليه 2026 - 6:25 م | آخر تحديث : الإثنين 13 يوليه 2026 - 6:25 م

العراق قطر عربى كبير وحارس للبوابة الشرقية لعالمه العربى، وقد حباه الله وفرة طبيعية فى المياه والنفط فضلا عن التربة الخصبة والأرض الغنية بمصادر الإنتاج الزراعى والتعدينى، والعراق أرض السواد تدليلا على الخصوبة وإشارة إلى الوفرة، ولكن ذلك البلد العربى العريق بحضارته، المحبوب بمكانته، الجسور فى سياسته قد تعرض كثيرًا لعواصف عاتية ورياح غاضبة فعرف الحروب المستمرة والصراعات الدائمة والحصار الطويل، توالى عليه المغامرون وسافكو الدماء.


ويذكر الجميع للشعب العراقى أنه واجه الطغاة والبغاة فى أحلك فترات التاريخ وأشدها إظلامًا فعرف الغزو المغولى والهجمة التتارية وظل صامدًا جسورًا متمسكًا بعروبته قابضًا على قوميته، ولهذه الأسباب مجتمعة شدت أسماعى أخبار العراق الجديد الذى يسعى للخروج من محن الحروب وجرائم الفساد والأزمات الخانقة والمشكلات المتجذرة.


والرائع فى الشعب العراقى أنه شديد المراس قوى الشكيمة، إنه عراق نهرى دجلة والفرات، وعراق الإسلام سنة وشيعة وأكرادًا، إنه عراق الأعظمية والكاظمية والعتبات المقدسة والمزارات خصوصًا بالنسبة لأتباع المذهب الشيعى وارتباط الأحداث بين فجر الإسلام وضحاه، لذلك فإننا إذ نكتب اليوم عن العراق لأنه حاضٌر فى العقل العربى على الدوام وله مكانته التى لا تتغير رغم أنه بلد يثير الأطماع ويستدعى الأزمات ويقدر على المواجهة فى مختلف الظروف، فهو أيضًا عراق الحجاج بن يوسف وصدام حسين ولكنه شعبٌ عريق يراجع ماضيه وينتقد حاضره وإن كانت بعض الأحداث الكبرى فى تاريخه ملطخة بالدماء مثلما حدث فى سقوط النظام الملكى وميلاد جمهورية العراق الذى يملك جيشًا يستمد تماسكه من صلابة شعبية تثير الإعجاب -عربيًا أو كرديًا- بقوميته والتصالح مع هويته.


وأتذكر ما رواه أمامى أحد كبار الدبلوماسيين العرب عن رأى الجامعة العربية أثناء صياغة البند الذى يشير إلى عروبة العراق فى صدر دستورها الجديد وكيف أن سياسيين أكرادًا كانوا وراء تأكيد عروبة العراق مع الالتزام بارتباطاته الأخرى المقبولة من كل الأطراف فى ظل تعايش مشترك يثير الإعجاب، ويهمنى أن أشير فى هذه الظروف إلى عدد من الملاحظات المحورية وأهمها:


أولًا: إن الأقطار العربية فى الشام والجزيرة وفى العراق والتخوم متقاربة التكوين تمضى على نمط ثابت، ذلك أن ما يحدث فى إحداها ينعكس على جيرانها بمنطق الجغرافيا وبحكم الصلات التاريخية الوثيقة والثقافة المشتركة، ويبدو العراق دولة نموذجا فى هذا الشأن فلها جوار آسيوى شرقًا وشمالًا وجوار عربى فى الغرب والجنوب، وإن استعرضنا التاريخ الاجتماعى للمشرق العربى لوجدناه شديد التشابه يكاد يعكس مفهوم الوحدة الإقليمية التى تتمتع بها دول تلك المنطقة، والعراق تحديدًا دولة جوار قومى محاط بشعوب ليست كلها عربية ولذلك أضحى نافذة على ثقافات أخرى أعطته قدرًا من التنوع ودرجة من التعددية، فالعراق ملتقى حضارى وسبيكة عربية كردية تجمع بين كثير من الهويات التى لا نجادل فى أهميتها فالتعددية نعمة وليست نقمة كما يتوهم البعض.


ثانيًا: حين نهضت الدولة الإسلامية خلال حكم العباسيين أصبحنا أمام نموذج فريد للدولة المستقرة فى ذلك التاريخ البعيد، ولكن كما أن التعددية تغرى بجاذبية خاصة لدى البعض فإنها تجذب أيضًا أطماعًا وشرورًا مثل التى مر بها العراق وإذا كان العراقيون عربًا وكردًا، سنة وشيعة فإن ذلك التنوع أعطاه تاريخيًا أدوارًا يعتز بها، وإذا كان أتباع الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان والشيعة ممن يعلون بقدر الإمام على بن أبى طالب منذ فجر وشروق الإسلام، أقول إن كلا من الجانبين يمضى على نفس الطريق فى إيمان عميق لأن العراق للجميع دون تفرقة أو تمييز، ولقد كنت أدهش كثيرًا طوال الحرب العراقية الإيرانية من موقف الشيعة العرب خصوصًا من أبناء العراق وهل هم فى مأزق أم أن عروبتهم هى الغالبة وتعلو على غيرها باستثناء تعاليم الإسلام الحنيف؟ وعندما كنت سفيرًا لمصر فى فيينا كان زميلى من العراق سفيرٌ متميز وصديقٌ عزيز فسألته ذات يوم: ماذا عن موقف الشيعة العراقيين من تلك الحرب؟ فقال لى: إنهم جزء لا يتجزأ من النسيج الوطنى السكانى، وضرب لى أمثلة واضحة فى هذا السياق ثم أضاف: إنك تعرفنى منذ سنوات وتعلم أننى كنت معاون رئيس الأركان فى الجيش العراقى أثناء تلك الحرب ولكن الذى لا تعلمه هو أننى على أى مذهب فى الإسلام فالكل سواء أمام تعاليم دينه واحترامه لغيره ولقد فاجأنى ذلك السفير الصديق أننى اكتشفت أنه من بيت شيعى عراقى عريق، والخبرة التاريخية تؤكد أن العراق برغم تعدد دياناته ومذاهبه إلا أنه متجانس سكانيًا فى نهاية الأمر وهو يضم خليطًا من فرق دينية ومذاهب سياسية، كذلك فإنه لا يخفى علينا أن العراق فى العصر الملكى كان هاشميًا بقيادة أهل السنة والجماعة ثم أضحى بعد سقوط صدام ليصبح نموذجًا للتعددية فى حكم البلاد وإدارة شئونها على النمط اللبنانى شكلًا وليس موضوعًا بسبب الظروف المختلفة بين الحالتين.


ثالثًا: تعرض العراق خلال العقود الأخيرة لهجمات شرسة دفعت به إلى وضع مأساوى، فأصبح يعانى من ضغوط اقتصادية وعجز مالى لم يكن متوقعًا من قبل كما تعرضت بغداد ومصارفها العامرة لحال من السطو المنظم والنهب الممنهج لإمكانات ذلك البلد الغنى، صاحب الثروة والتراث فى وقت واحد وبلغ الفساد المالى أرقامًا تتحدث عنها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة السيد على الزيدى حتى أصبحنا أمام مشهد الدهشة من أطراف عراقية رشيدة تبحث وتراجع وتسأل وتستجوب أين ذهبت أموال الشعب العراقى الذى يقف على أعتاب رؤية تنموية شاملة وفكر اقتصادى جديد؟ .. إننا نحيى عراق الصحوة واسترداد الحقوق ونرى أن نموذج ولى العهد السعودى فى استرداد الأموال قد أصبح قابلًا للتكرار مع من يملكون فى مواجهة من لا يملكون.


رابعًا: إن الجوار العراقى - الإيرانى يبدو نقطة تماس بين قوى متباينة فيها جيشٌ يتعافى بسرعة وحشد شعبى لعب دورًا مؤثرًا فى تطهير البلاد من رجس الإرهاب وسطوة أصحابه، وبالمناسبة فأنا شخصيًا لا أنكر التأثيرات الفارسية على عروبة العراق ولا التأثيرات العربية على الشخصية الصفوية لإيران وأن الذى أحرص عليه وبوعى كامل هو عروبة العراق التى تقف سدًا منيعًا أمام من يشككون فيها.


خامسًا: لعلنا نتساءل الآن هل كتب على العراق أن يظل دائمًا فى نزيف مستمر من تراثه وثقافته وأمواله وثروته بينما الكل عاجزٌ عن توظيف الإمكانات العربية فى خدمة الجوار القومى الذى يحترمه العراق ودستوره وخصوصية الهوية الوطنية لذلك الشعب العربى الجسور؟ وهنا أتساءل مرة أخرى هل هو قدر العراق حكمٌ استبداديٌ يسحق البشر والفكر والعقيدة أم هو فسادٌ مالى وإدارى يمتص مقدرات ذلك الشعب العربى الأبى الذى دافع مع أشقائه العرب والمسلمين عن قضيتهم الأولى فى الحروب مع إسرائيل والدفاع عن الشعب الفلسطينى الذى أرهقته الضغوط ونالت منه جرائم الدولة العبرية خصوصًا فى العقود الأخيرة؟ أليس من حق العراق أن يعيش مثل بقية شعوب الأرض متميزًا بحضارات البابليين والآشوريين والعباسيين وغيرهم؟
وعلى ما أظن أنه ليس يومًا بعيدًا يتعافى فيه العراق بالكامل ويقف على قدميه مزدهرًا واعيًا حافلًا بالقراء فى شارع المتنبى بعاصمة الرشيد حيث تتردد الأشعار وتصدح الأنغام حتى يستعيد العراق دوره الثقافى الكبير وعافيته الاقتصادية المعروفة ودوره السياسى المرموق، والعرب لا ينسون أبدًا أن العراق ركنٌ ركين فى أضلاع الدولة العربية الكبرى وملتقى لأبنائها من مختلف العقائد والأفكار وهو مصدر تألق ودعم لأشقائها فى هذه الظروف الدولية الصعبة والأحوال الإقليمية شديدة الحساسية بالغة التعقيد.

نقلا عن إندبندنت عربية

التعليقات