العراق وصراع لا ينتهى - مصطفى الفقي - بوابة الشروق
الإثنين 15 يونيو 2026 11:04 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

العراق وصراع لا ينتهى

نشر فى : الإثنين 15 يونيو 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الإثنين 15 يونيو 2026 - 7:10 م

إن عاصمة العباسيين هى ملتقى أطراف الحضارة العربية الإسلامية وفيها عاصمة الرشيد وعلى أرضها تبلورت حضارة بلاد ما بين النهرين وتمكنت دولة الرافدين، فالعراق هو حارس البوابة الشرقية للدولة العربية الكبرى وهو وريث تلك السبيكة المتميزة من التنوع فى الأصول العرقية والجذور التاريخية لذلك فهو قطر عربى أصيل ووافد فى ذات الوقت لأنه كيان كبير يمثل إضافة متميزة لأمته العربية بتاريخه العريق ومظاهره الجغرافية والسياسية التى تجعله فى غرب آسيا مطلًا على وسطها بل وتجعله أيضًا دولة شرق أوسطية تتاخم حدود الشام وتركيا.


والعراقيون شعب عربى أبى وريث الحضارات الكبرى وما من مفكر أو عالم عربى إسلامى إلا وعاش فى العراق أو مر بها، ودفع ذلك البلد الكبير فاتورة التعددية التى يحظى بها والتنوع الذى يميزه فاحتك بشعوب آسيا الوسطى والجنوبية وعرف هجمات المغول وحروب التتار وكان شريكًا فاعلًا فى الحفاظ على عروبة الجناح الشرقى للكيان العربى الكبير، واحتوى العرب والأكراد والطوائف الدينية التى تمتد بعض جذورها إلى ما قبل الإسلام، كما ظل العراق مركزًا للتعايش المشترك بين أكبر فصيلين دينيين تحت المظلة الإسلامية الواحدة وأعنى بهما أهل السنة وأتباع الشيعة وقد حدث ذلك فى انسجام كامل وانصهار فريد.


أتذكر أننى عندما كنت سفيرًا لمصر لدى النمسا منذ 30 عامًا أن ربطتنى صداقة بزميلى السفير العراقى فى فيينا وعنَّ لى أن أسأله ذات مرة عن موقف العرب الشيعة من الحرب العراقية الإيرانية فأجابنى السفير بلا تردد: «لقد حاربنا أعداء الوطن لأننا عراقيون بغض النظر عن المذاهب والنحل والطوائف»، ثم أضاف: «ولعلى قلت لك من قبل أننى كنت معاون رئيس الأركان فى الجيش العراقى فى السنوات الأخيرة لتلك الحرب الضروس التى استمرت أكثر من ثمانى سنوات ولعلك لا تعلم إلى الآن أننى عراقى شيعى وانتمائى للعراق يسبق أى انتماء آخر فبلدنا رغم التعددية إلا أنه متجانس فى النهاية رغم الخلافات والاختلافات التى عرفها تاريخه الطويل».


ولعل تلك الفرادة وذلك التنوع هما جزء من شخصية العراق المتميزة حتى فى إطار أمته العربية، وعندما جاملت بريطانيا أهل السنة من العراقيين حول عام 1920 واستقدمت لهم ملوكًا من الهاشميين وهم من صلب أهل السنة والجماعة فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد فعلت العكس عندما احتلت العراق فعليًا بعد سقوط نظام صدام حسين فى عام 2003، حيث وضعت الشيعة فى صدارة الموقف وابتدعت نظام الرئاسة الثلاثية بحيث يكون للأكراد رئاسة الجمهورية وللسنة رئاسة البرلمان وللشيعة رئاسة الحكومة التى تمثل السلطة التنفيذية الفاعلة فى نظام الحكم العراقى القائم. ولعلنا نعترف الآن أن عروبة العراق لم تكن موضع جدل أو مصدر قلق، وحين حاول بعض العراقيين أن ينص دستورهم الجديد فى مقدمته أن العراق بلد مؤسس فى جامعة الدول العربية رأى آخرون أن هذه العبارة ليست كافية لإعطاء الهوية العراقية حقها الطبيعى ومكانتها العادلة، وظل العراق وفيًا لعروبته متمسكًا بقوميته رغم ما تعرض له ذلك البلد من عواصف وأنواء ومشكلات وأزمات دافع فيها العراقيون عن هويتهم كما لم ينكروا أيضًا تعدديتهم. وها هو العراق يستدرج إلى الساحة من جديد ويدخل ويخرج من مشكلة إلى أخرى ومن مأزق إلى آخر وكأنما لم تكن سنوات الحرب والحصار والضغوط الدولية والإقليمية كافية فى حد ذاتها لكى تكون عبئًا كبيرًا على تاريخ العراق الحديث. وها هى الحرب الإسرائيلية الإيرانية تسعى لاستدراج الدولة العراقية لكى تكون طرفًا فى الحرب التى ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية وتتهم العراق بأنها طرف مباشر مع تصدير مشكلة الحشد الشعبى فى المقدمة لتبرير التدخل الأمريكى فى العراق واستنزاف قواه والسيطرة على مقدراته.


ويهمنى هنا أن أسجل فى حق العراق الشقيق بعضًا مما يستحق لدوره القومى وعطائه العربى فهو يقع بين طرفى كماشة العدو الإسرائيلى غربًا والنظام الإيرانى شرقًا ويبقى دائمًا حلبة للصراع ومركزًا للصدام دافعًا فاتورًة غالية لاختناقات سياسية داخلية وتدخلات أجنبية لا تتوقف خصوصًا من الجانب الغربى فى ناحية وإيران فى ناحية أخرى، وتدور ملاحظاتنا حول المحاور التالية:


أولًا: إن عروبة العراق صمام أمان لا للحدود الشرقية للعالم العربى فقط ولكن لاستقرار منطقة الخليج ودوله أيضًا، لذلك فإن العراق ليس بحدوده الجغرافية فحسب ولكن بتأثير امتداداته الثقافية والفكرية على الشرق العربى أيضًا، ويكفى أن نتذكر أن شارع المتنبى فى بغداد هو نوع من المدفعية الثقيلة التى يدافع بها العراق العربى عن هويته العربية وجذوره القومية.


ثانيًا: يعانى العراق تاريخيًا من التقلبات السياسية والتغييرات فى جهاز الحكم، وقد توافد عليه عدد من القيادات العربية من الهاشميين كان الملك غازى والملك فيصل الأول والثانى فضلًا عن ولى العهد الشهير الأمير عبد الإله أهم رموزها ولقد أنهت ثورة عام 1958 تاريخًا ملكيًا فى العراق وأصبحنا أمام نمط جديد من التغييرات العسكرية على قمة السلطة العراقية، لذلك فإن العراق الذى عانى كثيرًا من الصراعات والاضطرابات هو ذاته الذى يواجه الآن صراعات من نوع جديد فى ظل تحولات إقليمية واسعة، ولقد عانى العراق الحديث من موجات الإرهاب ونوبات العنف وظل دائمًا مدافعًا عن أمته العربية وهويته القومية.


ثالثًا: امتلك العراق تاريخيًا جيشًا نظاميًا مؤثرًا واشتهر سلاح الطيران فى بلاد الرافدين بسمعة طيبة، وأتذكر أننى عندما كنت أعمل سكرتيرًا للمعلومات للرئيس الراحل مبارك أنه كان يحكى لى عن الفترة القصيرة التى قضاها فى مطار الحبانية وبسالة الطيارين العراقيين ويتذكر رفيقه فى ذلك الوقت اللواء طيار حميد شعبان وكيف كانت العلاقات العسكرية بين البلدين نموذجًا رفيعًا فى تلك الفترة، كما أن للعراق رصيدًا ضخمًا من الخبراء والأطباء والعلماء فى مختلف دول العالم وهو يعتمد على ذلك الرصيد عندما تستقر أوضاعه وتهدأ المنطقة من حوله.


رابعًا: إن العراق بمدنه المتألقة بدءًا من الموصل مدينة الفنون والآداب وملتقى الحضارات وصولًا إلى البصرة فى الجنوب مرورًا ببغداد الرشيد إنما يضيف للثقافة العربية خصوصًا فى ميادين الموسيقى والطرب ما يجعل العراق جزءًا لا يتجزأ من القوى الناعمة العربية ولا يكاد يقابله تاريخيًا إلا مدينة حلب فى شمال سوريا عند المنافسة فى ميادين الثقافة والأدب على السواء، والعراقى شديد المراس بطبيعته قوى الشكيمة بفطرته لذلك فهو قوة مضافة لعالمه العربى فى كل الأحوال، ولن أنسى تجوالى فى شوارع بغداد فى إحدى الزيارات الرسمية وكيف تأرجحت خطواتى بين مقامى الإمام موسى الكاظم والإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان.


خامسًا: إن خصوصية العلاقة بين طهران وبغداد بمنطق الجوار الجغرافى تجعل الأمور تمضى بطريقة شديدة الحساسية بالغة التعقيد، فالجوار الجغرافى والتقارب المذهبى يجعلان تلك العلاقة تتأرجح صعودًا وهبوطًا وإذا دخلت عليها إسرائيل طرفًا من خلال الولايات المتحدة الأمريكية فإننا نشهد صدامًا لا يتوقف ويدفع العراق العربى الفاتورة فى كل الأحوال فضلًا عن موجات العنف (الداعشى) والإرهاب المستورد ليظل قيدًا على الشعب العراقى فى كل الأحوال.


إن خلاصة القول فى هذه الظروف تدعونا إلى ضرورة التعاطف مع العراق العربى فى ظل أوضاع توحى باستهداف ذلك القطر الشقيق وتمزيق نسيجه القومى والنيل من وحدته الإقليمية متناسين أن الحضارة العربية الإسلامية مدينة للعراق بالقسط الأوفى من تاريخها الطويل لذلك فإن دولة العباسيين يجب أن تظل مزدهرة لا تعرف الانقسامات والفوارق ولا تضيع فى زحام موجات التعصب والجنوح نحو العنف الذى لا مبرر له.


نقلا عن إندبندنت عربية

التعليقات