توسيع دائرة الحرب فى الشرق الأوسط - مصطفى الفقي - بوابة الشروق
الإثنين 10 أغسطس 2026 7:39 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

توسيع دائرة الحرب فى الشرق الأوسط

نشر فى : الإثنين 10 أغسطس 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : الإثنين 10 أغسطس 2026 - 6:30 م

تسعى الدول المتحاربة تاريخيًا إلى توسيع دائرة الصراع فى ظل غبار المعارك وضجيج المدافع وفرقعات القنابل، ويحدث ذلك من خلال الدوافع التى تحرك الجانب الذى يتطلع إلى مكاسب إقليمية دفعته إلى خوض تلك الحرب، وينطبق الأمر على النموذج الإسرائيلى بالدرجة الأولى والنموذج الإيرانى تاليًا لذلك مباشرة إذ إن توسيع ساحات المعارك وإشعال الحرائق يمكن أن يؤدى إلى استمرار الحرب وتصاعد حدتها حتى يحقق الطرف الحريص على استمرارها أهدافه العسكرية ومكتسباته الإقليمية ويؤكد تفوقه على أرض المعركة، والذى يدقق فى الصراع العسكرى الدائر فى غرب آسيا والشرق الأوسط لا بد أن يكتشف أن الأطراف صاحبة المصلحة فى استمرار الحرب والدخول فى مراحل مسلحة لنزاع متصاعد فى المنطقة إنما تحركها وتشعلها أطراف ساعية إلى استمرار الوضع وتوسيع نطاق الحرب وإدخال أطراف جديدة فيها ضمانًا لاستمرارها وتأكيدًا لزيادة اشتعالها ورغبة فى إحداث تداخل يزيد الأمور تعقيدًا ويجعل التسوية صعبة والسلام بعيدًا، ولعل حادث (دمياط) المصرية والهجوم على سفينتين بالميناء باستخدام مسيرة هى النمط الشائع فى الحرب الحالية فى محاولة لجر مصر بحجمها السكانى وجيشها الكبير للتورط فى العمليات العسكرية الراهنة، وتفسير ذلك يتضح من الملاحظات التالية:


أولًا: إن نظرة إيران للمواجهة هى نظرة إقليمية شاملة لا تقف عند حد معين، فالتطلعات الإيرانية مفتوحة وشهية الحرس الثورى مهيأة للهيمنة والسيطرة بقدر ما تستطيع خصوصًا وأن العقل الإيرانى يتوهم بأن الخيرات الطبيعية والبشرية فى منطقة الخليج هى منحة لا يستحقها العرب فضلًا عن الأطماع الإيرانية التاريخية فى مكتسبات أرضية فى مقدمتها مملكة البحرين التى ما زالت طهران تحتفظ بمكتب بالخارجية الإيرانية تحت مسمى البحرين كما لو كانت إقليمًا مقتطعًا من الأراضى الإيرانية، وكلنا نعرف ما جرى بين بريطانيا وإيران فى نهاية ستينيات القرن الماضى بشأن تلك المملكة العربية لؤلؤة الخليج وقد اختار الشاه محمد رضا بهلوى قبول الأمر الواقع على مضض فى ظل معارضة شديدة لدى القيادات السياسية والبرلمانية فى طهران حينذاك.


أما عن إسرائيل فحدث ولا حرج فهى تعيش وهم الدولة اليهودية الكبرى من الفرات إلى النيل وتتصور أن الأحداث التى جرت منذ السابع من أكتوبر 2023 هى فرصة مواتية لتحقيق حلمها القومى من خلال صفقة القرن تارة ومن خلال التمكين للديانة الإبراهيمية فى الدائرة الإسلامية للشرق الأوسط تارة أخرى، وتدرك إسرائيل أن جر دول عربية أخرى إلى ساحة القتال هو أمرٌ مرغوب ومطلوب خصوصًا وأن مصر هى الجائزة الكبرى التى تتطلع إليها إسرائيل لا بالاحتلال العسكرى ولكن بالسيطرة الفكرية والهيمنة الإقليمية، ورغم أن القاهرة شديدة الحرص على خفض التصعيد إلا أن نتنياهو يراها فى الأفق فرصة يخطط من خلالها إلى التوسع بالعدوان وفرض الأمر الواقع حتى يتحقق حلم إسرائيل بشرق أوسط جديد تسيطر عليه الهيمنة اليهودية لمواجهة الأغلبية العربية والإسلامية.


ثانيًا: إن الولايات المتحدة الأمريكية لها أجهزة كبرى فى السيطرة الدائمة على منابع البترول وشبكة التواصل الدولية خصوصًا المضايق المائية ولا يبتعد حلمها كثيرًا عن أن يكون لها تطلع نحو مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس بالإضافة إلى المضايق التركية ومضيق جبل طارق، فتلك هى الرؤية الحديثة للهيمنة الجديدة التى تسعى من خلالها واشنطن إلى فرض سيطرتها على المنطقة ثم تأتى بعد ذلك خططها الفرعية فى السيطرة من خلال ساحات جانبية وميادين فرعية للمواجهة مع القوى الباقية فى الشرق الأوسط، فهى لا تسعى إلى الحرب العسكرية مع كل الدول ولكنها تحتفظ لكل منها بنمط خاص تعيش به وتسعى من خلاله إلى احتواء مصادر الطاقة ومنابع المياه وتحقيق السيطرة الاستراتيجية طويلة المدى على مراكز التأثير فى الشرق الأوسط باعتباره واحدًا من أهم وأغنى مصادر الثروة فى العالم المعاصر، وإذا كنا نتوهم أن إسرائيل تستخدم أمريكا فقط إلا أن الواقع يقول أيضًا أن واشنطن تستخدم إسرائيل أداة لتحقيق أحلامها فهى تريد لها أن تكون شرطى الولايات المتحدة فى الخليج والجزيرة العربية ودول المشرق العربى.


ثالثًا: إن استهداف إسرائيل لمصر وتركيا بعد إيران هى مرحلة لاحقة تسعى من خلالها الدولة العبرية بدعم من واشنطن إلى توسيع دائرة نفوذها وتوسيع نطاق سيطرتها حتى تضمن فى النهاية هيمنة الغرب بأدواته وفى مقدمتهم إسرائيل على مقدرات المنطقة وثرواتها الطبيعية وميزاتها الجغرافية وتراثها التاريخى.


رابعًا: إن توسيع دائرة الحرب وضمان استمرارها ولو متقطعة يخلق صراعًا إقليميًا ودوليًا فى الشرق الأوسط وحوله ويذكى نار الحرب الباردة والساخنة فى وقت واحد ويقطع الطريق على روسيا والصين فى السيطرة ويجعل الهند طرفًا مناوئًا فى تحالف واضح مع إسرائيل فى وقت تكون فيه إيران مشغولة بترميم أوضاعها ولملمة جراحها، وهنا لا بد أن أشير إلى وجود خلاف تاريخى صامت بين العرب والفرس ولا علاقة له بالاختلاف المذهبى بين الشيعة والسنة، فالشيعة العرب جزء لا يتجزأ من أمتهم العربية حاربوا معها حتى أمام إيران نفسها ولكن الخلاف الصفوى مع العنصر العربى فى الأهواز وغيرها ليس بعيدًا عن الوعى الكامل بالتمييز المعروف بين العرب والعجم فى العصر العباسى وتصاعد قوة الملالى فى مراحل معينة وانتباه خلفاء بنى العباس وورثتهم، لذلك نقول إن هناك جذورًا تاريخية لحساسيات إيرانية عربية فهما وحدة الدين الإسلامى بين الأمتين الفارسية والعربية من فجر الدعوة المحمدية.


خامسًا: واهمٌ من يتصور أن العلاقات الأمريكية الأوروبية تمضى فى انسجام مستمر بل هى تضم رواسب للحروب التاريخية فوق الأراضى الأوروبية بتدخلات أمريكية ظهرت منذ الحرب العالمية الأولى وتأكدت بشكل واضح فى الحرب العالمية الثانية حين ألقت واشنطن بالقنبلتين الذريتين على هيروشيما وناجازاكى بعد موقعة بيرل هاربر وأرسلوا الكاماكازى اليابانى فى العمل الانتحارى على قطع الأسطول الأمريكى فى المياه الآسيوية وكان ذلك إيذانًا بانتهاء الحرب العالمية الثانية واستسلام اليابان وتوقيع الإمبراطور لوثيقة الخضوع المعروفة، ولم يكن الدرس موجهًا من الولايات المتحدة الأمريكية إلى اليابان وحلفائها فقط ولكن كان موجهًا أيضًا للعالم بأسره وفى مقدمته القوة الأوروبية الكبرى حتى يعى الجميع الدرس ويدرك أن واشنطن هى زعيم العالم الحر بالمفهوم الأمريكى العنصرى حتى ولو كان مستترًا تحت مظلة الحرب الباردة لعدة عقود.


سادسًا: لعلنا نعترف هنا بأن هاجس استخدام السلاح النووى لا يتوقف عند حدود الأزمة الإيرانية الأمريكية بل هو متجذرٌ فى الوجدان عبر العقود الأخيرة عندما لم تتمكن اتفاقيات منع الانتشار النووى من وضع حد لذلك، فدخلت إلى نادى الكبار وسط الدول النووية دول أخرى إضافية فى مقدمتها إسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية بالإضافة للأعضاء الدائمين فى مجلس الأمن وذلك يعنى أن محاذير منع الانتشار النووى لم تنجح ولكنها استيقظت بشدة فى الحالة الإيرانية بتحريك من إسرائيل ودعم من السياسات الإيرانية التوسعية الخرقاء فى ساحات الشرق الأوسط.


خلاصة القول الذى نلح عليه هو التأكيد على أن محاولات توسيع نطاق الحرب الحالية فى الشرق الأوسط ليست جديدة بل هى استهدافٌ تاريخى لترك النيران مشتعلة يحركها الصراع الإيرانى الإسرائيلى وسياسة الهيمنة الأمريكية.


نقلا عن إندبندنت عربية

التعليقات