تعتمد الأوضاع الجديدة فى الشرق الأوسط وغرب آسيا على ركيزتين كبيرتين هما الأحلاف والسياسات إذ إن هناك مواقف ثابتة وتوجهات موروثة تتحكم إلى حد كبير فى سياسات المنطقة، والكل يدرك أن الأحلاف مفيدة وضارة فى ذات الوقت؛ مفيدة لأنها تعطى إحساسًا بالمساندة والدعم واعتبار الدولة العضو فى الحلف ذات عزوة ولديها رصيد إضافى يسمح لها بمرونة الحركة وإيجاد بدائل مختلفة للقرارات الكبرى ذات التأثير فى مسار الأحداث، وهى بذلك تعطى إحساسًا متزايدًا بالثقة وربما الشعور بالأمان أيضًا.
لكن يعيب عضوية حلف معين وجود حدود للمواقف وسقوف للحركة الشاملة لدى الدولة العضو، إذ يمثل الحلف سياجًا قد يضعها أحيانًا داخل أسوار السياسات العامة لمحصلة مواقف دول الحلف وبين الأمرين معًا تكون هناك عناصر القوة ونقاط الضعف وقد يبدو الهامش أحيانًا آخذًا فى الاتساع تحت مظلة التطورات الجديدة للأحلاف القائمة فلم يعد التطابق الكامل فى السياسات شرطًا لعضوية حلف معين كما لم يعد الالتزام صارمًا بمواقف ثابتة تتبناها الدول الأعضاء بل أصبحنا بصدد تفاعلات جديدة تعطى هامشًا متزايدًا للحركة التى تتمتع بها الدولة العضو بما لا يتعارض مع الثوابت الأساسية والمواقف المبدئية لباقى الأطراف.
داخل حلف الناتو درجاتٌ وألوان من الخصوصية والتميز الذى لا غبار عليه فضلًا عن الاختلافات التى نشأت تجاه الحرب على عراق صدام – على سبيل المثال - والمواقف المتضاربة التى اختلف حولها الحلفاء فى تلك الفترة، كما أننا نثمن كثيرًا للنزعة الاستقلالية التى تنفرد بها فرنسا أحيانًا فى مواقف أكثر اعتدالًا تجاه القضايا الحدية التى يتبناها الأطلنطى فيما لا يخرج عن إطار فلسفة الدولة الغربية ونسقها الأيديولوجى.
ولماذا نذهب بعيدًا؟! حتى ألمانيا التى كانت معروفة بولائها التالى للمملكة المتحدة فيما يتصل بالعلاقات مع واشنطن قد سمحت لنفسها مؤخرًا بالخروج عن النص عندما انتقد المستشار الألمانى بعض التوجهات الانفعالية للإدارة الأمريكية فى ولاية ترامب الثانية وهكذا يبدو الأمر جليًا، أما الأحلاف الدولية فلم تعد صناديق مغلقة تعتصم بداخلها الدول الصغرى خلف مواقف الدول الأكبر وزنًا والأكثر تأثيرًا، فالاستقلال النسبى لبعض السياسات الفرنسية يرجع الفضل فيه إلى الزعيم العملاق مظهرًا وجوهرًا الجنرال شارل دى جول منقذ فرنسا مرتين الأولى فى مواجهة النازى أثناء الحرب العالمية الثانية، والأخرى بإنقاذها أيضًا من مستنقع الدماء الذى تورطت فيه ضد ثوار الجزائر حتى نالت الاستقلال.
أقول ذلك كله للتأكيد على أن عضوية حلف ما ليست نهاية الشخصية المستقلة للدولة ولا هى بالضرورة قيدٌ على حركتها إلى الأمام فما أكثر ما رأيت من دول تتخذ مواقف استقلالية بدوافع من تاريخها وتراثها مثلما هو الأمر بالنسبة لتركيا تجاه القضية الفلسطينية وسياسات إسرائيل العدوانية رغم أن تركيا كما هو معروف دولة مؤثرة وعضوٌ فاعل فى سياسات الناتو مع علاقات وثيقة تضمها مع الولايات المتحدة الأمريكية التى هى بدورها الداعم الأول والحليف الأكبر للدولة العبرية ولا شك أن انتقادات نتنياهو لسياسة أردوغان هى خير دليل على ما ذهبنا إليه، ويهمنى هنا أن أطرح الأمر بالقياس على الحلف الثلاثى الوليد بين الدول الإسلامية الثلاث المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا ودولة باكستان، ونطرح هنا الملاحظات التالية:
أولًا: إن الحلف الثلاثى الوليد الذى يضم المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا ودولة باكستان هو حلفٌ بين دول ثلاث إسلامية، فالمملكة العربية السعودية تضم مهبط الوحى ومنزل الرسالة المحمدية ولها ثقل سياسى واقتصادى بارز لا على مستوى الإقليم فحسب أو بين دول الخليج والدول العربية فقط ولكن على المستوى العالمى أيضًا، أما الجمهورية التركية فهى وريثة الدولة العثمانية صاحبة آخر خلافة إسلامية، أما باكستان فإن مبرر قيامها كدولة بعد تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947 بين دولتى الهند ذات الأغلبية الهندوسية وباكستان ذات الأغلبية المسلمة تشير إلى الدور الإسلامى لتلك الدولة الآسيوية التى تحتل موقعًا شديد الحساسية فى وسط آسيا وعلى الحدود مع الجارتين الكبيرتين الصين والهند، لذلك فإن الخصائص التى تتمتع بها الدول الثلاث تعطى شعورًا بالتجانس العقائدى الذى لا يعرف التعصب الدينى ولا يستهدف شعبًا بذاته أو أمة بالتحديد رغم أن لكل دولة فى النهاية أجندة خاصة وأوليات تنفرد بها.
ثانيًا: إن الأمر اللافت فى خضم المواجهة الإيرانية الأمريكية هو أن باكستان الجارة لإيران تملك سلاحًا نوويًا لتحقيق الردع وإحداث التوازن أمام دولة الهند، ولذلك فإن الحلف الثلاثى الجديد يضم بين أعضائه دولة تملك القنبلة النووية الإسلامية فى ظل أزمة الشك المعاصر والثقة المفقودة والخوف المتزايد من حيازة بعض الدول لذلك السلاح الفتاك ما لم تكن لدى أصحابها ضماناتٌ تؤكد على الحرص المشترك والحذر الشديد للتعامل فى هذا الإطار، ويهمنى هنا أن أشير إلى أن العلاقات السعودية الباكستانية تذهب بعيدًا منذ سنوات ميلاد فكرة دولة إسلامية فى شبه القارة الهندية لذلك اتسمت دائمًا العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودولة باكستان بروح التضامن والدعم المتبادل فى كثير من الظروف والمواقف الدولية والإقليمية.
ثالثًا: لا نتحدث عن المملكة العربية السعودية بانحياز أو مبالغة ولكننا نزعم أنها قد أصبحت دولة ذات ثقل كبير على إمتداد خريطة العالم المعاصر من الناحيتين الاقتصادية والسياسية فضلًا عن الثقل الروحى الذى تتمتع به فى أنحاء العالم الإسلامي، ولذلك نرى أن المقومات المتميزة لكل دولة على حدة تعطى إحساسًا بالثقل النسبى والأهمية الجيوسياسية، كما أن الدول الثلاث تتمتع بعلاقات طيبة مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية فضلًا عن الصين وربما يكون الاستثناء الوحيد متصلًا بالعلاقات الباكستانية الهندية والصراع التاريخى بينهما على إقليم كشمير واضعين فى الاعتبار التقارب الشديد حاليًا بين نيودلهى وتل أبيب.
رابعًا: إن الجمهورية التركية رقمٌ صعب فى غرب آسيا وحوض البحر المتوسط متاخمة للجوار العربى خصوصًا سوريا والعراق ولعل ذلك التشابك يعطى التحالف مفهومًا تنمويًا بحيث لا يقف عند المزايا السياسية والعسكرية وحدهما ولكنه يعطى وزنًا للتبادل التجارى والتعاون الاقتصادي، كما أن الجيش التركى يتمتع بخبرات نظامية وتقنية مكتسبة من تاريخ طويل فى الصراعات الإقليمية وحروب البلقان والميراث الثقيل للإمبراطورية العثمانية.
خامسًا: لقد استقبلت الدول المختلفة اتفاقية التعامل الثلاثى بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان بترحيب عام وقبول متوقع باستثناء الدولة العبرية التى يصعب إرضاؤها بسبب سياساتها العدوانية التوسعية والعنصرية، وقد كان ترحيب واشنطن بل وطهران أيضًا بمثابة تأكيد على أن الدول الثلاث لا تستهدف بلدًا بذاته ولا تسعى للمواجهة دون مبرر فهى قوة تمضى تحت مظلة السلام والاستقرار والأمن فى إطار القانون الدولى والشرعية التى ارتضتها شعوب العالم بأسره فى ميثاق الأمم المتحدة الذى يشجع على التعاون الدولى والإخاء بين الأمم.
بقى أن نشير هنا بعد هذا العرض الموجز إلى الاحتمالات القادمة إذ يظل الانضمام إلى هذا الحلف ممكنًا إذا اتفقت إرادة الدول الثلاث على دعوة أطراف أخرى تؤمن بالمبادئ المشتركة والأفكار المتقاربة للأطراف المشاركين فيه فضلًا عن الالتزام الكامل بأهداف شعوب المنطقة بل وشعوب العالم بأسره الساعية إلى نبذ الحروب وتسوية النزاعات المسلحة بالطرق السلمية والبعد عن التعصب الدينى والتطرف الفكرى والتصرفات أحادية الجانب، ولقد رحبت الدول العربية بهذا التطور الذى يمكن أن يكون بمثابة بداية عصر جديد للمنطقة ودولها ويساهم إيجابيًا فى تسوية المشكلات العالقة بدءًا من مشكلة الشرق الأوسط مرورًا بقضية كشمير وصولًا إلى إحداث حالة مختلفة ويكفى أن نتذكر أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد رحبت هى الأخرى بهذا التجمع الثلاثى الجديد.
نقلا عن إندبندنت عربية