تدخل الأسواق العالمية الأشهر الأخيرة من عام 2026 أمام تحوّل قد يتجاوز أثره مجرد ارتفاع أسعار الفائدة فى الولايات المتحدة واليابان؛ فالمسألة تتعلق بإمكانية تغير قواعد اللعبة التى اعتادت عليها الأسواق طويلًا. ومع اتجاه الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى وبنك اليابان نحو موقف نقدى أكثر تشددًا، قد تتغير حسابات المستثمرين بشأن العائد والمخاطرة، بما يعيد رسم اتجاهات رءوس الأموال وأسعار الصرف وشهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة. وتزداد أهمية هذا التحول إذا جاء التشدد النقدى فى واشنطن وطوكيو متزامنًا، لأن الاقتصاد العالمى قد يواجه عندها ضغطًا مزدوجًا: ارتفاع جاذبية الأصول الأكثر أمانًا من جهة، وتراجع جاذبية استراتيجيات الاقتراض الرخيص والبحث عن العائد من جهة أخرى.
• • •
فى اجتماعه المنعقد فى 29 يوليو 2026 أبقى الاحتياطى الفيدرالى على سعر الفائدة داخل نطاق 3.50 – 3.75%، للمرة الخامسة على التوالى، لكن القرار لم يكن خاليًا من إشارات التشدد؛ إذ صوّت ثلاثة من أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، هم رؤساء بنوك كليفلاند ومينيابوليس ودالاس الإقليمية، لصالح رفع الفائدة ربع نقطة مئوية، فيما رجّحت الأسواق حينها احتمالًا يقارب ثلث الفرص لرفع الفائدة فى الاجتماع نفسه. ويعكس هذا الانقسام ضغطًا تضخميًا متجددًا مصدره الأساس ارتفاع أسعار الطاقة، إذ تجاوز مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصى الأساسى مستوى 3% مجددًا، فى وقت لا تزال فيه سوق العمل قريبة من التوظيف الكامل. وقد رجّحت توقعات الأسواق حينها احتمال رفعة أو رفعتين للفائدة قبل نهاية العام.
فى المقابل، رفع بنك اليابان الفائدة ربع نقطة فى يونيو 2026 لتصل إلى 1%، وهو أعلى مستوى منذ نحو ثلاثة عقود، ثم أبقى عليها دون تغيير فى اجتماع يوليو بأغلبية ثمانية أصوات مقابل صوت واحد، هو صوت العضو هاجيمى تاكاتا الذى اقترح رفعها إلى 1.25%. ويصف تاكاتا عام 2026 بأنه «نقطة تحول» ينبغى أن تستجيب فيها السياسة النقدية اليابانية لمعطيات التضخم والأجور بمرونة أكبر، عوضاً عن الالتزام بوتيرة رفع نصف سنوية ثابتة كما اعتادت الأسواق أن تتوقع. وتنبع أهمية هذا التحول من أن سنوات الفائدة اليابانية شبه الصفرية أرست أحد أهم مصادر التمويل الرخيص عالميًا، عبر ما يُعرف بـ«تجارة الفائدة بالين» (Yen Carry Trade) ما يعنى ببساطة: الاقتراض بالين منخفض التكلفة وتحويل الحصيلة إلى أصول أعلى عائدًا، من بينها سندات وأسهم الأسواق الناشئة.
• • •
تفسّر نظرية «تعادل أسعار الفائدة غير المغطى» حساسية ما يسمى بالأموال الساخنة لتغير فروق أسعار الفائدة وأسعار الصرف. فالمستثمر لا ينظر فقط إلى العائد الذى يحصل عليه، وإنما إلى ما سيحدث للعملة التى استثمر بها. فإذا اقترض مستثمر، مثلًا، بالين اليابانى بفائدة منخفضة ثم حوّل الأموال إلى الدولار أو إلى الجنيه المصرى للاستثمار فى أصول ذات عائد أعلى، فإن العملية تظل جذابة ما دام فارق العائد كبيرًا وسعر الين مستقرًا. لكن إذا بدأ بنك اليابان فى رفع الفائدة، أو توقع المستثمر ارتفاع قيمة الين، فإن تكلفة الاقتراض بالين ترتفع، كما أن إعادة الأموال إلى اليابان تصبح أكثر تكلفة. عندها قد يقرر المستثمر إغلاق مركزه وبيع الأصول التى اشتراها فى الأسواق الناشئة، حتى لو كانت تحقق عائدًا مرتفعًا.
وتوضح نظرية «المثلث المستحيل» التى ارتبطت باقتصاديين مثل روبرت مندل وماركوس فليمنغ لماذا تواجه الدول صعوبة فى الجمع بين ثلاثة أهداف فى الوقت نفسه: استقلال السياسة النقدية، وثبات سعر الصرف، وحرية حركة رءوس الأموال. ولتبسيط الفكرة، إذا أرادت مصر مثلًا أن تحافظ على سعر صرف مستقر، وفى الوقت نفسه تسمح بحرية كاملة لدخول وخروج الأموال، فلن يكون بوسع البنك المركزى أن يتجاهل بالكامل ما تفعله البنوك المركزية الكبرى. فإذا ارتفعت الفائدة فى الولايات المتحدة أو اليابان وأصبح الاستثمار هناك أكثر جاذبية، قد تتعرض الأصول المصرية لضغوط خروج رءوس الأموال؛ وعندها تجد السياسة النقدية نفسها أمام مفاضلة صعبة: هل ترفع الفائدة محليًا للحفاظ على جاذبية الأصول ودعم العملة، أم تسمح بسعر صرف أكثر مرونة، أم تفرض قيودًا على حركة رأس المال؟
وتذهب هيلين رى إلى أن الأمر أصبح أكثر تعقيدًا مع ما تسميه «الدورة المالية العالمية». فحتى عندما تتبنى الدولة سعر صرف مرنًا، لا تصبح سياستها النقدية مستقلة تمامًا؛ لأن ارتفاع أو انخفاض السيولة العالمية، وخاصة السيولة الدولارية، يؤثر بقوة فى حركة رءوس الأموال وشهية المستثمرين للمخاطرة. فعندما تكون السيولة العالمية وفيرة، قد تتدفق الأموال إلى الأسواق الناشئة بحثًا عن عائد أعلى، وعندما يبدأ الفيدرالى فى التشدد وتنكمش السيولة، قد يحدث العكس بسرعة. وهنا تصبح مرونة سعر الصرف وسيلة لامتصاص الصدمة، لكنها لا تلغى تأثيرها. وبعبارة أبسط: رفع الفائدة فى طوكيو أو واشنطن قد لا يفرض على مصر رفع الفائدة تلقائيًا، لكنه قد يضيّق مساحة الخيارات المتاحة أمام السياسة النقدية المصرية.
• • •
قد تكرر هذا فى التاريخ الاقتصادى الحديث مرارًا، ففى عام 1994 أدى تشديد الفيدرالى المفاجئ إلى إشعال أزمة البيزو المكسيكى المعروفة بـ«أزمة التيكيلا»، حين انكشف اعتماد المكسيك المفرط على تدفقات المحافظ قصيرة الأجل. وفى 1997-1998 عصفت الأزمة المالية الآسيوية باقتصادات كانت تبدو صلبة، بعدما تزامن تشدد نقدى عالمى مع اختلالات فى الحسابات الخارجية وأنظمة صرف شبه ثابتة. وفى 2013، كشفت نوبة ما عُرف بـ«تايبر تانترم»، إثر مجرد تلميح الفيدرالى إلى تقليص برنامج التيسير الكمى، هشاشة اقتصادات كانت تعتمد بشدة على الأموال الساخنة، فشهدت الهند وإندونيسيا وتركيا والبرازيل وجنوب إفريقيا، وهى الدول التى عُرفت وقتها بـ«الخمسة الهشة»، موجات خروج حادة لرءوس الأموال. أما فى أغسطس 2024، فقد قدّم فك ارتباط تجارة الفائدة بالين، إثر رفع مفاجئ لفائدة بنك اليابان، نموذجًا حديثًا لسرعة انعكاس هذه التدفقات، حين تراجعت مؤشرات الأسهم العالمية خلال أيام معدودة نتيجة تصفية مراكز ممولة بالين. وتشترك هذه التجارب جميعًا فى درس واحد: أن الأموال الساخنة لا تتحرك استجابة للعائد الاسمى وحده، بل للعائد المعدَّل بالمخاطر، وأن الصدمة الأعنف غالبًا ما تصيب الاقتصادات ذات آجال الدين القصيرة والاحتياطيات المحدودة، وهو ما وصفه الاقتصاديان بارى آيكنجرين وريكاردو هاوسمان بـ«الخطيئة الأصلية» ومدارها: عجز اقتصادات كثيرة عن الاقتراض بعملتها المحلية فى الأسواق الدولية، ما يضاعف أثر تقلبات سعر الصرف على أعباء الدين.
ولا يعنى ارتفاع الفائدة العالمية تلقائيًا خروج الأموال من أدوات الدين المصرية، لأن القرار الاستثمارى يظل مرتبطًا بالفارق بين العائد المحلى والمخاطر المتوقعة وسعر الصرف. لكن الاعتماد الكبير على تدفقات المحافظ الأجنبية يستوجب التعامل مع الأموال الساخنة بوصفها مصدر تمويل يجب إدارته، لا بديلًا دائمًا عن الاستثمار الأجنبى المباشر. ولا ينبغى أن يبدأ الاستعداد المصرى برفع الفائدة لمجاراة كل تحرك خارجى، بل ببناء هامش أمان أكبر فى سوق النقد الأجنبى، وتعميق سوق الدين المحلى، وإطالة آجال التمويل، وتمكين سعر الصرف من امتصاص جزء من الصدمة بدلًا من استنزاف الاحتياطيات دفاعًا عن مستوى سعرى بعينه. والأهم من ذلك تغيير تركيبة التدفقات ذاتها؛ إذ يظل كل دولار يدخل فى استثمار إنتاجى يولّد صادرات أو يحل محل واردات أكثر قيمة واستدامة من دولار يدخل فى أذون خزانة بحثًا عن فارق عائد قابل للتبدد خلال أسابيع.
يكمن الخطر الحقيقى إذن فى تغير سلوك المستثمر العالمى من البحث عن أعلى عائد إلى البحث عن أعلى عائد آمن؛ فمع ارتفاع الفائدة فى الاقتصادات الكبرى وتراجع شهية المخاطرة، قد يصبح المستثمر أكثر استعدادًا للتخلى عن جزء من العائد مقابل قدر أكبر من الأمان والاستقرار. وعندها قد تفقد الأسواق الناشئة بعض جاذبيتها حتى مع احتفاظها بفروق عائد مرتفعة. ومن ثم، فإن الاستعداد لهذه المرحلة يجب أن يبدأ من القاهرة قبل أن تبدأ آثارها فى الظهور، عبر تقليل الاعتماد على الأموال الساخنة، وتعزيز موارد النقد الأجنبى المستدامة، وجذب الاستثمار الإنتاجى، وبناء قدرة أكبر على امتصاص تقلبات الأسواق العالمية.