يُعد مرفق الكهرباء فى مصر نموذجا حيا ومتكاملا لفهم الالتباس الذى يحيط بمفهوم «الدعم» فى الخطاب الاقتصادى. فبينما أعلنت حكومات متعاقبة، فى أكثر من مناسبة، أنها تمضى نحو تصفير دعم الكهرباء وربط الأسعار بالتكلفة الفعلية، عادت الحكومة اليوم لتعلن أن قيمة الدعم الموجَّه للكهرباء تقترب من 100 مليار جنيه، وذلك فى الوقت نفسه الذى شهدت فيه تعريفة الكهرباء زيادتين خلال بضعة أشهر فقط. هذه المفارقة تستحق التوقف عندها، لأنها تكشف أن كلمة «الدعم» كثيرا ما تُستخدم لوصف فجوة محاسبية، دون التمييز بين ما ينشأ منها عن اعتبارات اجتماعية مقصودة، وما ينتج عن قصور إدارى أو تشوهات هيكلية يمكن معالجتها.
* • •
فالفرق بين تكلفة إنتاج الكيلووات/ساعة وسعر بيعه للمستهلك لا يعنى تلقائيا أن الدولة تقدم دعما اجتماعيا. ذلك أن التكلفة نفسها ليست رقما ثابتا أو قدرا لا يُرد، بل هى حصيلة منظومة كاملة من القرارات الإدارية والتشغيلية والتمويلية. فإذا ارتفعت تكلفة الإنتاج بسبب سوء إدارة الأصول، أو ارتفاع الفاقد الفنى والتجارى، أو انتشار سرقات التيار، أو تراكم الديون، أو ضعف التحصيل، فإن هذه الزيادة تتحول تلقائيا إلى فجوة بين التكلفة وسعر البيع، ثم يُطلق عليها اسم «الدعم»، بينما هى فى حقيقتها تكلفة إخفاقات كان بالإمكان الحد منها، ناهيك عن تآكل القوة الشرائية للجنيه المصرى على أثر سياسات أخرى كان يمكن تجنبها على مستوى الاقتصاد الكلى.
لقد نجحت الدولة فى القضاء على أزمة انقطاع الكهرباء التى عانى منها المصريون قبل سنوات، كما استثمرت مليارات الجنيهات فى إنشاء محطات حديثة وشبكات جديدة. غير أن نجاح الاستثمار لا يغنى عن كفاءة التشغيل، ولا يعفى الإدارة من مسئولية تعظيم العائد على تلك الاستثمارات. فالمرفق العام لا يُقاس فقط بما أُنفق عليه، بل أيضا بما يحققه من كفاءة فى استخدام موارده، وقدرته على ضبط الفاقد، وتحسين التحصيل، وإدارة التزاماته المالية.
ومن أبرز مظاهر هذا الخلل تراكم المديونيات بين قطاع الكهرباء وقطاع البترول. فقد تجاوزت مستحقات وزارة البترول والثروة المعدنية لدى وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة 480 مليار جنيه بنهاية النصف الأول من عام 2026، مقارنة بنحو 390 مليار جنيه بنهاية عام 2025، أى بزيادة تقارب 90 مليار جنيه خلال ستة أشهر فقط. ولا يمكن تفسير هذا التراكم الضخم بارتفاع أسعار الوقود وحده، بل يعكس أيضا اختلالا مزمنا فى إدارة التدفقات النقدية، والتسويات المالية، وهيكل التسعير، وغياب التنافسية. ومن الصعب اعتبار هذه الفجوة كلها دعما بالمعنى الاقتصادي؛ إذ إن جانبا معتبرا منها يمثل تكلفة تراكمات مالية وإدارية كان من الممكن تجنبها أو الحد منها لو أُديرت المنظومة بكفاءة أعلى.
* • •
لا يقتصر الأمر على ذلك، بل يُضاف إليه سبب آخر لا يقل أهمية، يتمثل فى الإخفاق فى إعادة هيكلة مزيج الطاقة بما يقلل الاعتماد المفرط على الغاز الطبيعى والوقود الأحفورى مرتفع التكلفة وشحيح المعروض محليا.
فمصر تمتلك من موارد الطاقة الشمسية والرياح ما يؤهلها لتكون من أقل الدول تكلفة فى إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، ومع ذلك ظل الاعتماد على الوقود الأحفورى هو السمة الغالبة لمزيج الطاقة. والأسوأ أن بعض الممارسات التنظيمية أسهمت فى تنفير المستثمرين من مشروعات الطاقة المتجددة، من خلال المغالاة وعدم الشفافية فى تقدير تكاليف ورسوم ربط المشروعات بالشبكة الكهربائية، فضلا عن بطء الإجراءات وتعقيدها. وبدلا من أن تصبح الشبكة أداة لتشجيع دخول قدرات إنتاجية منخفضة التكلفة، تحولت فى بعض الحالات إلى عائق أمامها، بما أبقى تكلفة الإنتاج رهنا بتقلبات أسعار الوقود وتكاليف استيراده، ثم جرى تحميل المستهلك نتيجة ذلك فى صورة زيادات متكررة فى التعريفة.
ولا شك أن جزءا من ارتفاع تكلفة الكهرباء فى السنوات الأخيرة يرجع إلى ظروف موضوعية، فى مقدمتها تراجع إنتاج الغاز الطبيعى محليا، واضطرار الدولة إلى استيراد الغاز والمازوت بأسعار مرتفعة لتلبية الطلب المتزايد، فضلا عن التوترات الجيوسياسية التى رفعت تكلفة الإمدادات. غير أن الاعتراف بهذه العوامل لا ينبغى أن يتحول إلى ذريعة لإعفاء الإدارة من مسئوليتها عن معالجة أوجه القصور الداخلية، أو إلى مبرر دائم لتحميل المستهلك العبء كاملا، رغم الوعود المتكررة بعدم المساس بالأسعار!
فإذا كانت تكلفة الإنتاج ترتفع بسبب عوامل خارجية لا يمكن التحكم فيها، فإن الأولى أن يُبذل جهد موازٍ لخفض التكلفة من خلال معالجة ما يمكن التحكم فيه: تقليل الفاقد، وتشديد الرقابة على سرقات التيار، وتحسين إدارة الديون، وتسريع التحول إلى مصادر الطاقة الأرخص، وتطوير آليات التحصيل، ورفع كفاءة التشغيل والصيانة. أما الاكتفاء برفع الأسعار كلما اتسعت الفجوة، فهو علاج للعرَض لا للمرض.
والأزمة أن الكهرباء ليست سلعة كمالية يمكن للمواطن تخفيض استهلاكها بسهولة، بل هى مدخل إنتاج أساسى وخدمة لا غنى عنها لكل منزل ومصنع ومتجر ومستشفى ومدرسة. ولذلك فإن أى زيادة فى أسعار الكهرباء لا تقف عند فاتورة المستهلك، وإنما تنتقل سريعا إلى تكلفة الإنتاج والنقل والخدمات، لتنعكس فى النهاية على المستوى العام للأسعار، فتتغذى موجة تضخمية «لزجة» جديدة تلتهم ما تبقى من القوة الشرائية للأسر.
* • •
هنا تكمن الإشكالية الأكبر. فالأجور فى مصر لا ترتفع بالوتيرة نفسها التى يرتفع بها مستوى الأسعار، بل تأتى الزيادات - إن أتت - متأخرة وأقل من معدلات التضخم فى كل مرة. وبالتالى فإن الاعتماد المستمر على رفع أسعار الخدمات العامة لمعالجة الاختلالات المالية يعنى عمليا نقل عبء الإصلاح إلى المواطنين، رغم أن دخولهم تتآكل بالفعل بصورة منتظمة. وهذا رهان يصعب أن يحقق استدامة اقتصادية أو استقرارا اجتماعيا على المدى الطويل.
إن الإصلاح الحقيقى لا يبدأ من زيادة الأسعار، وإنما من إدارة التكلفة. ومن حق المجتمع أن يعرف كيف تتكون تكلفة إنتاج الكهرباء، وما نصيب الوقود منها، وما حجم الفاقد الفنى والتجارى، وما قيمة الديون المتبادلة، وما الذى يمكن توفيره إذا انخفضت السرقات وتحسنت كفاءة الشبكات، أو إذا زادت مساهمة الطاقة المتجددة فى مزيج الإنتاج. فالشفافية فى عرض هذه البيانات هى وحدها التى تسمح بحوار موضوعى حول عدالة الأسعار وحقيقة الدعم.
كما أن المطلوب هو الانتقال من منطق الإدارة بالأزمات إلى منطق الإدارة بالكفاءة. فكل جنيه يُوفَّر من خلال تحسين التشغيل أو خفض الفاقد أو تقليل تكلفة التمويل يعادل جنيها كان سيُحصَّل من المواطن فى صورة زيادة فى التعريفة. ولذلك فإن الإصلاح المؤسسى ليس بديلا عن الإصلاح المالى، بل هو شرطه الأساسى.
* • •
إن التجارب الدولية تثبت أن مرافق الكهرباء تستطيع تحسين أوضاعها المالية من خلال الشبكات الذكية، والعدادات الحديثة، وتحسين التحصيل، وإعادة هيكلة الديون، ورفع كفاءة الصيانة، وتوسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، قبل أن تلجأ إلى جيب المستهلك. أما إذا أصبح رفع الأسعار هو الأداة الأولى، وربما الوحيدة، لمعالجة كل اختلال، فإننا نكون قد اخترنا الطريق الأسهل، لا الطريق الأصح.
فى النهاية، لا ينبغى أن يُختزل مفهوم الدعم فى مجرد الفرق بين التكلفة وسعر البيع. فالسؤال الأهم هو: كيف تكوَّنت هذه التكلفة أصلا؟ فإذا كان جزء معتبر منها ناتجا عن فاقد يمكن تقليصه، أو ديون يمكن احتواؤها، أو استثمارات متجددة تأخر تنفيذها، أو ممارسات تنظيمية رفعت التكلفة دون مبرر، فإن وصف هذه الفجوة كلها بأنها «دعم» يصبح وصفا مضللا. الدعم الحقيقى هو ما تقرره الدولة عن قصد لحماية الفئات الأولى بالرعاية، أما تحميل المجتمع تكلفة أوجه القصور الإدارى ثم تسميتها دعما، فهو خلط بين السياسة الاجتماعية وسوء الإدارة.
إن استدامة المالية العامة هدف لا خلاف عليه، لكن الطريق إليها لا يكون بالضغط المستمر على دخول المواطنين التى يلتهمها التضخم بصورة منتظمة، بينما تعجز زيادات الأجور عن ملاحقة هذا التآكل. فالاستدامة الحقيقية تُبنى على الكفاءة والإنتاجية والحوكمة الرشيدة، لا على ترحيل تكلفة الاختلالات إلى المستهلك عاما بعد عام.
كاتب ومحلل اقتصادى