الاقتراب من المقدسات - معتمر أمين - بوابة الشروق
الجمعة 18 سبتمبر 2026 7:20 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

الاقتراب من المقدسات

نشر فى : الجمعة 18 سبتمبر 2026 - 6:25 م | آخر تحديث : الجمعة 18 سبتمبر 2026 - 6:31 م

قُبيل السابعة من مساء الثلاثاء الماضى، أعلنت الدفاعات السعودية اعتراض مسيّرة جنوب مكة المكرمة قبل دخولها المجال الجوى المحظور، بعد تحذيرات جوية فى جدة والطائف ومكة للمرة الأولى منذ اندلاع هذه المواجهات بين الحوثيين والسعودية.

نفى الحوثيون أن يكونوا استهدفوا المقدسات، وقالت الرياض إنها المحاولة الثانية بعد صاروخ 2017. ومال الناس لتصديق الرواية السعودية لا سيما بعد الضربات المتكررة للحوثيين على خط البترول شرق-غرب. وأصبحت القصة: «مقذوف يقترب من مكة»، وعلى من يرسم مسارًا يمرّ من هناك تحمّلُ نتيجته الكاملة.


هذا، ومن يطلق المقذوفات باتجاه المقدسات لا يخسر فحسب، بل يمنح خصمه فى رمية واحدة ما لم يكن قادرًا على انتزاعه بالحرب؛ 57 دولة تدين الحدث فى يوم واحد، إضافة إلى منظمة التعاون الإسلامى والأزهر وعواصم كانت إلى أمس متحفّظة. بضربة واحدة انتقل الصراع من جغرافيا وموانئ ومضائق إلى حرمات ومشاعر، ومن سياسة إلى عقيدة. وهذا تحديدًا هو الشرط الذى تحتاجه كل حرب طويلة لتبدأ- أن تصير مقدّسة. فالحروب التى تُخاض على المصالح تنتهى بتسوية على المصالح؛ أما التى تُخاض على المقدّسات فلا تنتهى.


• • هنا تسمية ما نحن فيه: حرب سرمدية؛ لا لأنّ أحدًا يريدها كذلك، بل لأنّ لا أحدَ فيها يملك نصرًا. الحوثيون لن يحكموا الحرمين، والسعودية لن تسيطر على اليمن وترسم نظامه، وجميع الأطراف لا تملك إجابة بالسلاح عن سؤال بسيط: بأى نظام سيُحكم اليمن بعد النصر المفترض؟ ما يملكه الطرفان معًا هو القدرة على الإيلام لا على الحسم. وهذا هو التعريف التقنى للاستنزاف- صراع تكلفته على الجميع مرتفعة، وعائده على الجميع صفر، ومدّته مفتوحة. والتاريخ هنا يرسل لنا تحذيرًا.

فى 1962 ذهبت القوات المصرية إلى اليمن بتقدير أنّ المسألة أسابيع، فبقيت خمس سنوات. ووضع محمد حسنين هيكل تلك الحرب موضع الجرح الذى لم يُغلق: جيش مدرَّب على السهول يعمل فى جبال لا تصلح لها الخرائط، أمام خصم يضربك فى خطّ إمدادك ثم يذوب فى التضاريس، وحليف داخل اليمن عاجز عن الوقوف وحده.

ثم خرجنا من تلك الجبال منهَكين، لندفع الثمن فى سيناء بعد أشهر. والقبائل الزيدية التى قاتلتها مصر حينذاك هى الجذر الاجتماعى نفسه الذى خرجت منه الحركة الحوثية. إذن الجغرافيا لم تتغيّر ولا أسلوب القتال؛ ما تغيّر أنّ الأدوار أُعيد توزيعها.وهذا التوزيع مكتوب لا مستنتَج. فقد نشرت هيئة تحرير «وول ستريت جورنال» وصفة صريحة للقضاء على الحوثيين فى ثلاثة مسارات: أولها تعاون جوى سعودى إسرائيلى، بأن تحلّ مقاتلات إسرائيلية فى قواعد سعودية وتنسّق مع سلاح الجو السعودى فى حملة قصف استراتيجى موسّعة على صعدة وصنعاء والحديدة والمخا وتعز- على أن تكون هذه بداية الإعلان عن التطبيع وانضمام الرياض إلى الاتفاقيات الإبراهيمية.

وثانيها أنّ الجو وحده لا يكفى، فتُطلب قوات برّية مصرية لمجابهة ما تتحدّث عنه التقارير من حشد حوثى يقارب مائة ألف مقاتل. وثالثها ضوء أخضر أمريكى سياسى يقترن بالاستطلاع والإسناد والغطاء الدولى، بدون تدخّل مباشر. وتختم الافتتاحية بحجّتها المركزية: أنّ كلفة سيادة الحوثيين على باب المندب وإيران على هرمز أكبر من أى خسائر يرتّبها التدخّل العسكرى. ولكن إذا كانت الكلفة بهذا الوضوح والمصلحة بهذا الحجم، فلماذا لا تتدخل أمريكا بنفسها؟


هنا يتضح أن الطرف الوحيد بلا خسائر فى هذا الحساب هو إسرائيل. فكلّ جبهة جديدة صفحة تُطوى فوق غزة. لكن المكسب الأكبر ليس فى التغطية بل فى تغيير شروط اللعبة: التطبيع الذى عُرض قبل ثلاثة أعوام بوصفه صفقة اختيارية مقابل مسار سلام فلسطينى، يُعاد تقديمه اليوم بوصفه ضرورة أمنية لا خيار فيها. هذا جوهر «منظومة الدفاع الإقليمية»- شريك يحاول تصوير نفسه على أنه قادر على إعادة الاستقرار، فيتحوّل من محتلٍّ للضفة ومبيد لغزة إلى ضامن للأمن. والمفارقة أنّ إسرائيل تربح هذه الجولة سواء وُقّع التطبيع أو لم يُوقَّع؛ فكل يوم حرب إضافى يجعل التطبيع الأمنى مسألة وقت لا مسألة تفاوض. أما الغنيمة الكبرى فهى السردية التى تتمناها إسرائيل، إذ تنقل محور الصراع من احتلال ومقاومة إلى سنّة وشيعة، فتغدو إسرائيل طرفًا فى معادلة لا خصمًا لها. إسرائيل لا تحتاج أن تشعل الحريق؛ يكفيها ألّا يطفئه أحد.


وقد يقال: لكن الانتخابات الشهر المقبل قد تغيّر إسرائيل من الداخل. وهذا وهم. فليست المشكلة فى وجود حكومة بديلة بقيادة إيزنكوت أو سواه؛ وإنما المشكلة فيما يريده الناخب. راجع الأرقام لا الأسماء: 82% يؤيدون ترحيل الفلسطينيين من غزة، و56% ترحيلهم من أراضى 1948، وقفز تأييد ضمّ الضفة وتعميق السيطرة من 38% إلى 48% بين 2024 و2026، بينما هبط تأييد التسوية والدولة الفلسطينية إلى 14%. الوجوه تتبدّل، والسياسة لا تتبدّل. ومن يعلّق خفض التصعيد على انتظار ناخبٍ بهذه الأرقام، فقد أحال الحلّ إلى أجل غير مسمّى.


• • • فمن يطفئ النار؟ هنا بالضبط تنفع سردية السلام لكن بصورة مغايرة! لقد وجدنا طريقًا للتفاوض على التطبيع مع دولة تحتلّ وتقتل وتهجّر، وبُنيت لذلك قنوات اتصال وضمانات ووسطاء ومؤتمرات.

فمن وجد طريقًا إلى إسرائيل قادرٌ بالتأكيد على أن يجد طريقًا إلى طهران وصنعاء لوقف التصعيد. المسألة ليست استحالة تقنية بل ترتيب أولويات؛ والاستحالة السياسية صناعية لا طبيعية. والقنوات قائمة أصلًا- سلطنة عمان تستضيف قيادات حوثية بوصفها وسيطًا، والحوثيون تواصلوا مع الأمريكيين هناك ليؤكّدوا التزامه بتفاهم 2025، ومجلس الأمن دعا إلى خفض التصعيد واستئناف الحوار. إذن الطاولة موجودة ولكن الكراسى فارغة.وحجّة الواقع أقوى من الممانعة السياسية فى هذا الملف. فالحوثيون باقون، وإيران باقية.

لن يرحل أحد بقصف، ولم يفعل ذلك القصف فى عشر سنوات مضت، وحتى الحملة الأمريكية على اليمن انتهت بتفاهم لا بنصر. أما المسئولية فتقع على الأطراف كلها، وأوّلهم الحوثيون الذين يطلقون النار الآن ويضعون مسارات للمقذوفات، حيث لا يجوز أن تمرّ أبدًا.

ومن لا يقدر على السلام الدائم يقدر على هدنة، ومن لا يقدر على هدنة يقدر على وقف نار. وقد يكون الحل الآن فى تجميد الصراع، وذلك أفضل بكثير من انفجاره.

وحين ينقشع كل ذلك، ستبقى الأسئلة الأصعب: من سيملك باب المندب بعد عامين؟ وبأى ثمن سيُشترى الأمن حين يصبح بائعه هو مصدر الخطر؟ وكم من الوقت سنحتاج لنكتشف أن أحدًا آخر كان يرسم الخريطة، بينما نحن غارقون فى حروب بينية لا طائل منها؟

باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

 

معتمر أمين باحث في مجال السياسة والعلاقات الدولية
التعليقات