الكينج فى طرابزون.. حين تتحوّل صفقة إلى رسالة - معتمر أمين - بوابة الشروق
الجمعة 7 أغسطس 2026 7:07 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

الكينج فى طرابزون.. حين تتحوّل صفقة إلى رسالة

نشر فى : الجمعة 7 أغسطس 2026 - 6:05 م | آخر تحديث : الجمعة 7 أغسطس 2026 - 6:05 م

لم يكن أحد يتخيّل أن يهبط الكينج المصرى فى مطار أتاتورك، لا فى هيثرو ولا فى الرياض ولا فى ميامى، بل فى مدينة صغيرة على ساحل البحر الأسود اسمها طرابزون. مشهد كان أقرب إلى الخيال قبل أسابيع قليلة، تحوّل فجأة إلى واقع يتصدّر نشرات الأخبار من القاهرة إلى إسطنبول. محمد صلاح، أسطورة الفريق الأحمر ونجم نجوم الكرة المصرية والعربية، اختار أن يكتب الفصل الجديد من مسيرته بعيدًا عن الأضواء المعتادة، فى نادٍ لم يكن يومًا على قائمة التوقعات.


* • •
القصة فى ظاهرها بسيطة: لاعب أنهى عقده مع ليفربول بعد 9 سنوات مجيدة، ترك خلالها بصمة يصعب محوها من ذاكرة الملعب الأحمر، ثم بحث عن وجهته التالية. كان بإمكانه، وبسهولة، أن يختار الدورى السعودى الذى لاحقه لسنوات، أو أن يجرّب حظه فى أمريكا، أو يبقى فى أوروبا مع نادٍ يضمن له المنافسة على الألقاب الكبرى. بدلًا من ذلك، ذهب إلى طرابزون سبور، النادى الذى يمثّل الاستثناء التاريخى فى الكرة التركية، بوصفه الفريق الوحيد من خارج إسطنبول الذى توّج بالدورى، لكنه ظل لسنوات فى موقع المتحدّى لا صاحب العرش. اختيار كهذا لا يمكن اختصاره فى العائد المالى - يُقال إنه يقترب من 17 مليون يورو سنويًا مع مكافآت ونسبة من عائدات القمصان - بل يعكس أيضًا رغبة واضحة فى أن يكون هو الوجه الذى يُبنى حوله مشروع كامل، لا مجرد اسم إضافى فى قائمة نجوم يتقاسمون الأضواء.


ثم يأتى مشهد الاستقبال. مئات المشجعين تدفقوا إلى متاجر النادى قبل أن تُحسم الصفقة رسميًا، وبعضهم تحدّث عن شراء اشتراك موسمى رغم الضائقة المالية. فى المطار، استُقبل بتكبيرات ودعوات، فى مشهد يعكس كيف يتقاطع الحماس الرياضى مع بُعد الهوية الأعمق. حتى جماهير الأندية المنافسة فى إسطنبول لم تُخفِ ابتهاجها، وهو أمر نادر الحدوث فى مشهد كروى معروف فى تركيا بحدّة التنافس بين العمالقة الأربعة.


* • •
هذا الحماس ليس وليد اللحظة. فصلاح، منذ سنواته الأولى فى ليفربول، مثّل حالة فريدة فى العلاقة بين الرياضة والهوية، حالة تجاوز فيها تأثيره حدود الملعب ليصل إلى ميدان لم يكن أحد يتوقع أن تمتد كرة القدم إليه، وهو قياس منسوب الكراهية فى مجتمع بأكمله. فقد قارنت دراسة أكاديمية أعدّها باحثون من جامعة ستانفورد معدلات جرائم الكراهية فى منطقة ميرسيسايد قبل وصول صلاح إلى ليفربول وبعده. وكانت النتيجة انخفاضًا بنسبة 19% فى هذه الجرائم تحديدًا، فى حين بقيت معدلات الجرائم الأخرى، التى لا علاقة لها بالتحيّز الدينى أو العرقى، على حالها دون تغيير يُذكر. هذا التباين هو ما استبعد فرضية أن يكون الانخفاض مجرد صدفة أو نتيجة تراجع عام فى الجريمة. وتكرر الأمر على مواقع التواصل الاجتماعى أيضًا؛ إذ تراجعت التغريدات المعادية للمسلمين بين جماهير ليفربول تحديدًا بنسبة 53%. وحين استطلع الباحثون آراء آلاف المشجعين، وجدوا أن مجرد تذكيرهم بهوية صلاح الواضحة كان كافيًا لدفعهم إلى مواقف أقل عدائية تجاه الإسلام. وفسّر الباحثون ذلك بما يُعرف فى علم النفس الاجتماعى بـ«فرضية التماس الموازى»، وهى أن التعرّض الإيجابى المتكرر لشخصية يُعجب بها الناس وتنتمى إلى جماعة يُنظر إليها بتحيّز مسبق، كفيل بتفكيك جزء من ذلك التحيّز تدريجيًا. وكان سجوده شكرًا بعد إحراز الهدف، أمام ملايين المشاهدين، الترجمة الأكثر وضوحًا لهذا الأثر: مشهد بسيط تكرر حتى صار جزءًا مألوفًا من الاحتفال فى الملعب الأحمر.


هذا كله كان، ولا يزال، محل نقاش واسع بين المحللين الرياضيين منذ لحظة الإعلان عن الصفقة. لكن يمكننا إضافة زاوية تتعلق بمفهوم “القوة الناعمة” أيضًا. فإذا كان حضور صلاح قد أسهم فى تحسين صورة المسلمين والعرب فى بريطانيا، فإن أثره فى تركيا قد يسهم فى تقريب المسافة بين المصريين والأتراك، فى وقت لا تزال فيه ذاكرة القطيعة الدبلوماسية حاضرة فى النفوس. ومن الإنصاف القول إن انتقالًا كرويًا، مهما بلغت شهرة بطله، لا يصنع سياسة خارجية ولا يبدّل موازين المصالح بين الدولتين؛ فالقرارات الكبرى تُصنع فى أروقة أخرى بمنطق مختلف تمامًا. لكن هذا لا يعنى التقليل من أثره الرمزى، الذى يحمل فى جذوره فكرة مصرية أصيلة. فمفهوم القوة الناعمة، وإن كان جوزيف ناى هو من صاغه وأدخله إلى أدبيات العلوم السياسية، لم يكن غريبًا عن الوعى العربى، إذ نقل محمد حسنين هيكل المعنى نفسه إلى الجمهور المصرى والعربى، مستشهدًا بأم كلثوم والسينما المصرية باعتبارهما من أدوات النفوذ المصرى التى تخاطب الوجدان العربى مباشرة. وأظن أن الجيل الحالى يرى فى محمد صلاح تجسيدًا معاصرًا للفكرة نفسها. وأنا لا أعرف ما الذى يدور فى ذهن صلاح من حسابات، لكن الثابت أن أفعاله تسير فى الاتجاه الذى يخدم القوة الناعمة المصرية، وكأنه يقف فى مقدمة من يعزز ما يستقيم مع المصلحة العامة، لا بوصفه سياسيًا بل بوصفه أيقونة.


* • •
ثمة نقطة أخرى أراها جوهرية فى فهم ظاهرة صلاح، وهى الأصالة. فعلى مدى سنوات نجوميته، وسط عالم كرة قدم يفرض على لاعبيه قالبًا بصريًا وسلوكيًا معينًا، لم ينجرف صلاح خلف الموجة. لم نره يلاحق الموضة التى تجعل من الوشم والتاتو وأنماط معينة من الإطلالات المستوردة من الثقافة الغربية جزءًا شبه إلزامى من صورة النجم العالمى. لم يحاول أن يصبح نسخة من غيره، بل احتفظ بملامحه وبساطته كما هى. وهذا، فى تقديرى، هو بالضبط ما يفسّر عمق تأثيره: أنه لم يختر أن “يبدو” كأى نجم عالمى آخر، بل اختار أن يروى قصة، قصته هو، بكل ما تحمله من هوية مصرية وعربية وإسلامية واضحة المعالم. الفارق هنا جوهري: النجومية القائمة على المظهر تتلاشى بتلاشى الاتجاه الذى صنعها، أما القائمة على قصة أصيلة فتبقى، لأنها لا تحتاج إلى تجديد نفسها كل موسم لتظل ذات معنى. وربما هذا بالتحديد ما يجعل جمهورًا محافظًا فى طرابزون يتماهى معه بهذه السرعة: هم لا يستقبلون نجمًا يشبههم فى المظهر فحسب، بل يستقبلون شخصًا اختار، وسط كل إغراءات العالمية، أن يبقى وفيًا لقصته.


الأرجح أن هذا الانتقال سيبقى فى الذاكرة كحدث رياضى وثقافى متشابك، أكثر منه محطة فى تاريخ العلاقات الثنائية. لكنه يذكّرنا بأن الرياضة نادرًا ما تكون مجرد لعبة. صلاح ينتقل الآن إلى ساحة جديدة، حيث سيكون اختباره الأول رياضيًا بامتياز: هل يقود طرابزون سبور إلى لقب غاب عنه منذ سنوات؟ أما الاختبار الثانى، الأكثر غموضًا، وربما الأكثر أهمية على المدى البعيد، فهو ما إذا كان بإمكان نجم واحد أن يظل، حتى فى خريف مسيرته، جسرًا إنسانيًا بين شعبين تجمعهما جغرافيا مشتركة وتاريخ طويل.

 

باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

 

معتمر أمين باحث في مجال السياسة والعلاقات الدولية
التعليقات