هذه ليلتى.. - رباب نبهان - بوابة الشروق
الإثنين 21 سبتمبر 2026 7:24 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

هذه ليلتى..

نشر فى : الإثنين 21 سبتمبر 2026 - 6:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 21 سبتمبر 2026 - 6:15 م

وكلما كنتُ أنظر إليه فى تلك الليلة، كنتُ أستمد سعادتى من نور وجهه، وأشعر بقوة خفية تتسلل إلى جسدى، فأروح وأغدو، وأسمع غبطة من حولى وهنّ يتهامسن: إنها ترقص كالفراشة، وتتنقل بين الناس بخفة ورشاقة، وكأنها ابنة عشرين. ولِمَ لا تنطلق وتطوف، كما لو كانت تدور فى الفضاء؟ هو من منحها هذا العالم الرحب، وتلك الأرض الفسيحة، لأكثر مما تحلم به أى امرأة.


• • •
أضحك فى سرى، ضحكاتٍ لو أطلقتُ لها العنان، لاحتجبت خلفها أصوات العندليب، وترانيم الموجى وبليغ. ولا تضايقنى تلك النميمات النسائية، بل أشعر تجاههن بشىء من التعاطف. وحين أقف فى الناحية الأخرى، وأرى ما يرين، أكاد أغبط نفسى، وأحسدها على ما ملكت يداها.


• • •
وأنا أوصد الأبواب وأودّع آخر من انصرف، كدتُ أن أُردّ الباب على أطراف أصابعه، بعدما غلبنى النوم، وغلبنى أكثر منه الحنين إليه وإلى حديثنا حتى الصباح. ولدينا الليلة من الحواديت غنائم لن تطيق الانتظار حتى طلوع النهار.


• • •
وارتميتُ بجانبه، وتركتُ رأسى يستكين إلى ذراعيه، ولم أنفك عن الحديث والثرثرة. ولم تبدُ عليه أمارة امتعاض من صوتى، الذى كان يخبو وينطفئ، ثم يستعيد علوّه كلما استعدتُ حكايات الليلة، فيضحك، ويحاول جاهدًا ألا يغفو؛ حتى لا أشعر أنه قد ملّ حديثى.


• • •
كثيرًا ما خشيتُ أن أمتلك كل تلك القراريط من السعادة، وكأنما حِيزت لى الدنيا بأسرها، و لم يُخلق على الأرض سواى؛ فأخذتُ نصيبى ونصيب كل من كان فى جسده نبض، حتى طاولتُ نصيبَ نملةٍ صغيرة عادت إلى صغارها بعد مطاردات عنيفة من قدم إنسان، تحمل فى فمها قطعة سكر.


• • •
وحين رأيتُ النوم يداعبه أكثر منى، اقتربتُ منه أكثر، فتضوعت منه رائحة من المسك وخشب الصندل. أحسستُ بلهب دافئ يغمرنى، وبموجة من الرغبة تسرى فى جسدى، ولكننى…
مددتُ يدى وأخذتُ بكل هدوء نظارته التى نامت هى الأخرى فوق مقلتيه. وندمتُ أنى فعلت، حين رأيته يستيقظ وينظر إلى، وكدتُ أنصرف حتى لا أزيده تعبًا وأرهقه، لكنه تمسّك بيدى ونهض، وكأنه يستقبل نهارًا جديدًا، أو ربما طلع النهار من بين شفتيه حين ابتسم وسألنى:
هل تشعرين معى بالسعادة؟
أىُّ رجلٍ هذا، وممَّ خُلِق؟ أحيانًا أطيل النظر إليه، وأقول فى نفسى: إن كان هذا بشرًا، ويعيش ويحيا معى فى دنيا هى الدنيا، فما حال جنّتى؟


• • •
هل سأل أحدٌ يومًا مولودًا لم يعرف من الدنيا سوى أيامها الأولى، عن سر ابتسامته، أو عن ذلك السكون الذى يهبط عليه حين تضمه أضلعٌ لم يعرف بعد أنها أضلع أمه.. وهل يومًا أجاب؟
مساكين حقًّا من لم يذوقوا كل هذا الحب، أو ربما ظنوا أنهم عرفوه؛ ولا أحد يعرفه إلا من سكن إلى جوارك. مساكين من كُتبوا على الدنيا أحياء، وهم أجساد لم تختبر لوعة الاشتياق دون فراق.


• • •
لم يكن يسمح للنوم أن يغلبه قبل أن يتدفق آخر ما استقر فى حلقى، ثم ذهب هو فى ثبات عميق، وذهبتُ وراءه فى نوم يفوق التمر فى حلاوته.
ظننتُ أن من يقرع الباب طيف من طيوف المنام، فتجاهلتُه حتى سرق هنيئتى، وخشيتُ أن يفزع نوم حبيبى، فنهضتُ مسرعة وفتحتُ له، وفى نيتى أن أكيل له من الشتائم أقساها، فإذا بمعجمى خالٍ من الحروف إلا أحلاها.
شكرته على تأخره، وحتى على نسيانه أكياس البن التى طلبتُها منه بالأمس.ثم احتضنتُ البن الذى أجلبه له كما يعشقه، وذهبتُ لأصنع له قهوتنا الصباحية. هو يحرص على ان نحتسيها سويًّا، مع صوت أول نقرة من الوَرْقاء التى تنتظره خلف النوافذ، ولا ترحل قبل أن ينثر لها الطعام بيده.
ومن خلف النافذة حاولتُ أن أقنع الورقاء بالصمت أو بالرحيل إلى أن يأتيها، أنا وهى نعلم أننى أفتقر إلى الشجاعة لأن أمدّ يدى وأطعمها، وأخشى الاقتراب منها أو من أى من أبناء عشيرتها. وحتى لو فعلت، لتدلّلت علىَّ وأبت؛ فهى تغار هى الأخرى منى. وأراها وهى تراقبنا احتراقًا وغيظًا، وتبوء مساعيها بالفشل حين تُلصق أذنها بالزجاج الموصد، علّها تلتقط همساتنا، فلم يعد أحدٌ ممن حولنا يعرف أيُّنا تحدّث وأيُّنا أجاب.


• • •
وأنا أقف أمام رَكوة القهوة، أراقبها خشية أن تفقد وجهها، قاطعتنى رسائل كثيرة على هاتفى. أخذتُ أفتحها واحدةً تلو الأخرى وأبتسم؛ كلمات طيبة يشكروننى فيها على حسن الضيافة، وأخرى يفيضون فيها مدحًا لبيتنا، لحلاوته ودفء مجلسه، وصور كثيرة التقطوها فى ليلة الأمس، أخذت تتنقل بين الهواتف والصفحات.


• • •
وإذ بأحدهم، لا يعرفنى، يرسل لى معلّقًا:
من هذا الذى يشبهك إلى هذا الحد، وتتَماثل ضحكاتكما؟ أهو رجلك؟
كدتُ أن أُخبره، بكل فخر وتباهٍ:
نعم، هذا هو رجلى…
ولكن رجلى قاطع كل الرسائل حين ظهر اسمه، فغابت أسماء الآخرين، ولم أرَ سواه:
«صديقتى الغالية، لقد أبليتِ بلاءً حسنًا بالأمس، وأسعدتِ كل الضيوف، وأنا أولهم.
أشكركِ على حسن الضيافة ودفئها، وإن كان لى فنجان قهوة عندك لم أشربه... إلى أن نلتقى»
ما هذا الهراء .. هو يعلم انى لا احب المزاح صباحا.
تركتُ الهاتف، ودخلتُ غرفتى مسرعة.
كان الفراش مُسوّى، وكل شىء فى موضعه، حتى نظارته التى أتذكر جيدًا أنى وضعهتا على المنضدة المقابلة لم يكن لها أثر .
ولم أجد إلا النافذة، ومن خلفها الورقاء.
أطلت النظر اليها و فتحتُ النافذة، ونثرتُ لها الطعام.

رباب نبهان كاتبة وأديبة
التعليقات