جواب - رباب نبهان - بوابة الشروق
الإثنين 2 نوفمبر 2026 6:33 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

جواب

نشر فى : الإثنين 2 نوفمبر 2026 - 5:40 م | آخر تحديث : الإثنين 2 نوفمبر 2026 - 5:40 م

كان من حسن حظّى أنّى وصلتُ مبكرًا فاخترتُ أفضل مقعد، وأقربه إلى قلبى الذى يعشق الأركان. فأنا أكره المنتصفات والصفوف الأمامية، إذ لا تدعنى أرى المشهد كاملًا؛ فمن جلس فى الوسط صار جزءًا من اللوحة، ومن جلس فى الركن رأى اللوحة بإطارها. وزاد المكانَ جمالًا فى عينى أنه يقع أسفل النافذة التى اختصّتنى وحدى بلمساتٍ من شمسٍ انكسرت أشعتها فوق يدى، فألهبت قلمى وألهمته.


• • •
وفتحتُ كرّاستى وهممتُ بأن أكتب ملاحظاتى، بكل همّةٍ واجتهادٍ لم أعهدهما فى نفسى فى كل فصولى الدراسية السابقة؛ فجميعها كانت إلزامية، وكنتُ أضع فيها القليل من التعب، ولا يرفّ لى جفنٌ أمامها. ولكنّ المرء يتبدّل حاله حين يعمل ما يحب، فرأيتُ نفسى ولأول مرة نابغةً تأكل الأوراق وتنقّب فى المعانى، وتنهل من العلم كما ينهل العطشان فى أول رشفة بعد صيام يومٍ فى أواخر حزيران.


• • •
وإذا بى أجد ما بين أوراقى ورقةً غريبةً عنى، مطويّةً مثل الخطابات قديمًا، لا ينقصها سوى طابع البريد. فلم أستدلّ على المرسل، ولكنه بكل تأكيد لم يخطئ عنوانى، فارتعش قلبى، ونظرتُ حولى علّى أجد من دسّها فى كرّاستى، ولكننى لم أستقبل سوى ابتسامة حانية من المعلم نفسه الذى كان يراقب عملنا بكل شغف، فآثرتُ السلامة وسحبتُ نظراتى عنه قبل أن تفضحنى عيونى وتذيع على الملأ أسرارى.


• • •
كنتُ أهوى متابعة خبراء الخطوط فى الأفلام، وهم يطابقون بين الأشكال المتناثرة حتى تنكشف لهم هويّة من خلّفها. ومنهم تعلّمتُ أن اليد تبوح بسرّ صاحبها، وعندى من آثاره ما يكفى لأهتدى إليه من لمسةٍ واحدة: ما صوّرتُه من لوحاته، وبعض الفروض التى كلّفنا بها. وكم أنا ممتنّة له لأنه اختار أن يدوّنها للدارسين بيده، وكان ذلك عليه هيّنًا، إذ لم نكن نزيد على أصابع الكفّين.


• • •
كم بلغتُ من الحماقة حتى صرتُ أنغمس فى البحث عنه أكثر من الغوص وراء الكلمات ومقاصدها! ربما لو أعدتُ قراءتها لبلغتُ مقصدى. فجلستُ أطيل إليها النظر، ولا يصل إلى ذهنى أى منها. شعرتُ كأنّ عقلى قد صار مغيَّبًا، وقلبى مشغولًا عنّى فى كشف صاحبها، فقرأتها كما قُرئ حجر رشيد قبل أن تُفكّ طلاسمه.


• • •
ووقعتُ على أول دليل: بقعةُ مدادٍ زرقاء فى ذيل الخطاب، لا تقع إلا من قلم حبرٍ عتيق، ولا يمكن أن يخلّفها قلم عادى. فكان أعذبَ دليلٍ وأقربَه، أحرزتُه وبين ضلوعى خبّأتُه. وما كدتُ أهنأ به حتى اضطررتُ إلى ترك مكانى، فامتثلتُ لطلب المعلم وانضممتُ إلى أقرانى فى مجموعة عمل منفصلة، وادّعيتُ الاندماج والشغف. كانت أصواتهم تصلنى من طبقةٍ واحدة متقاربة، فلم أدرك مما يقولون كلمة، ولم أرَ من وجوههم غير أطياف. وارتفعت من بينهم نبرةٌ رقيقة مختلفة، فعرفتُ أن امرأةً أخرى تشاركنى هذا الجمع.


• • •
كان يخطو بيننا، كلما دنا ظننتُه يمضى، حتى توقّفت خطاه عندى، فالتفتَ إلىَّ واقترب، وربّت على كتفى، واسترسل بكلمات إطراءٍ فى كدّى ونبوغى، وأنا أضع الكرّاسة على صدرى كمن يضع كفّه على فم طفلٍ جائع كاد يصرخ فيوقظ الحى كلّه. أرفع رأسى وأتظاهر بالفهم والإنصات، وأمدّ البصر إلى عينيه، أستجدى فيها الجواب.


• • •
تذكّرتُ قول شكسبير فى «هاملت» إن كثرة التفكير تجعلنا جبناء، وأزيد أنا من الشعر بيتًا وأقول إنها تسرقنا وتسرق أعمارنا، فكم من بابٍ قد أُغلق ونحن نقف على أعتابه مترددين فى أن ندفعه. ماذا لو ذهبتُ إليه وصارحته، وأفضيتُ إليه بما لم يقوَ هو على فعله؟ لا عبرة بمن صارح بالعشق أولًا، بل العبرة بمن ظفر به.


• • •
بدّلت الشمسُ والقمرُ أماكنهما، وبقيتُ أنا فى مكانى. جلستُ تحت ضوء القمر أحتمى به وأحمى خطابى وكرّاستى، حتى يعود هو من استراحته ويعود معه الدارسون الذين غادروا جميعًا. لم أتحرك؛ فلا رغبة لى فى ثرثراتٍ تجرفنى، كما أخشى أن ينكشف أمرى بينهم، فمكثتُ أرتّب نفسى وأرتّب كلماتى.


• • •
كثر الحديث وارتفعت الأصوات، ورأيتُ فى الزحام طريقًا يُفضى إليه، فاستجمعتُ شجاعتى ووقفتُ أمامه متبعثرة، فسألنى:
• هل تريدين شيئًا؟
• نعم... كان لدى سؤال.
• سوف أتلقّى كل الأسئلة فى نهاية اليوم.
ونظر إلى الجميع: «أرجو التزام الهدوء.. ترقّبوا نتيجة الامتحان وتوزيع الشهادات بعد قليل».
آهٍ منك! رجلٌ عصىٌّ البوح، كثيرُ الصمت، أخجلتَنى واحمرّ وجهى، ولكن لن يلاحظ أحدٌ؛ فبعد قليل سوف يزداد وجهى احمرارًا حين ينادى باسمى ويصفّق لى الجميع، فأنا أعلم أنّى أول الأسماء وأكثرهم تفوقًا.. وحين يسلّمنى الشهادة سوف يقبض على يدى، وتخبرنى حرارة يده بما بخل هو بقوله.


• • •
وبأول اسمٍ قد نطق... ما هذا العبث!
وبثانى اسمٍ نادى. «لم أعُد أنتظر».
وكنتُ أنا ثالثتهما فى آخر قائمة المكرَّمين.
وقف ثلاثتنا، رجلٌ وامرأتان، فى طابورٍ قصير أمام منضدةٍ تعلوها الشهادات التى كان ينقصها توقيعه، فلبث يوقّع على كل شهادة ويسلّمها إلى صاحبها فى ابتسامة وحنوّ. وجاء دورى، فلم أنظر إليه، وحبستُ الدمعة فى عينى. أخذ هو يوقّع الشهادة، ولكنّ قلمه خذله، فتقدّم أحدهم وهو ينظر إلىَّ نظرةً خاطفة، وأعطى المعلم قلمه، فوقّع شهادتى.
نظرتُ إليها، فرأيتُ توقيعًا بحبرٍ عتيقٍ لم يجفّ، ودمعةً سقطت فوقه، فصارت بقعةَ مدادٍ زرقاء.

رباب نبهان كاتبة وأديبة
التعليقات