ليست كل الندوات الأدبية تشبه بعضها البعض، فهناك ندوات مسكونة بالهجر والسكون، وأخرى زاخرة بالحضور اللافت لجمهور متفاعل يضيق به المكان وإن اتسع. وفى النوع الأخير لا بد وأن تفتش عن السبب، هل هو قيمة العمل الأدبى محل النقاش؟ أم فى اسم الكاتب وحضوره فى المشهد الثقافى؟ ماذا عن المحاور ووزنه فى ميدان النقد الأدبى؟، جنبًا إلى جنب مع دار النشر، وهل تتمتع بثقة جمهور يتتبع ما تطرحه من أعمال منتقاة بعينى خبير؟
ربما الأسباب السابقة مجتمعة كانت وراء الحشد غير المسبوق الذى حظيت به ندوة مناقشة رواية الأديب الليبى هشام مطر: «أصدقائى» الصادرة عن دار الشروق، وجرت وقائعها فى مكتبة القاهرة الكبرى، قبل أيام، فى قاعة ضمت كوكبة من المفكرين والأدباء والشخصيات العامة بينهم المهندس إبراهيم المعلم رئيس مجلس إدارة مؤسسة الشروق، وجمهور من مختلف الفئات العمرية، وإن غلب الشباب على وجوه الحاضرين.
هى ليلة استثنائية حقيقة لا مجازًا، فأنت أمام أديب عالمى حصلت أعماله على جوائز عدة، بينها بوليتزر، ومحاورة روائية وأستاذة جامعية، ومترجمة بحجم الدكتورة مى التلمسانى، ومنصة يجلس عليها قامة مصرية كبيرة هو الدكتور محمد أبو الغار، الطبيب والمفكر والكاتب، بما يملكه من شحنة تحفيزية وطاقة إيجابية تشع على المكان الذى يتواجد فيه.
لم يكن نقاشًا تقليديًا، بين الأديب والمحاورة، بل أنغام سيمفونية تتدفق وتنتقل بسلاسة من حركة إلى أخرى ومن جملة لحنية هادئة مثيرة للتأمل، إلى بعض الصخب الفكرى الذى يعيد للنقاش جانبًا من حيويته عبر محاورة مشاغبة تحاول استفزاز مطر الهادئ بطبعه، للوقوف على ما وراء رواية «أصدقائى» التى حظيت بتقدير أدبى دولى، وفازت بجائزة أورويل للأدب السياسى عام 2024.
تروى «أصدقائى» قصة ثلاثة أصدقاء ليبيين يعيشون تجربة المنفى فى الخارج، لكنها ليست مجرد حكاية، بل محاولة لاستكشاف معنى الصداقة والهوية والانتماء والذاكرة، وكيف تتغير حياة الإنسان تحت ضغط السياسة والاغتراب والاختيارات الشخصية.
تبدأ الرواية بمشهد خالد وهو يودع صديقه حسام فى محطة قطارات سانت بانكراس بلندن فى طريقه إلى باريس، ومن هذا المشهد ينفتح السرد على استعادة الماضى، وعلاقة الأصدقاء، وتجربة المنفى وتداعياتها على حياتهم.
وحسب التلمسانى «الصداقة تمثل الموضوع الرئيسى للرواية ومفتتحها ونهايتها، والعلاقة بين شخصياتها الثلاث، خالد ومصطفى وحسام، تحمل توترات ثرية بين الواقع والخيال، ولا تقدم الصداقة بوصفها علاقة مثالية أو احتفالًا بالصديق، وإنما تكشف عيوبه ومشكلاته، وما تنطوى عليه العلاقة به من محبة واختلاف وصراع».. إذن علينا أن نتقبل أصدقاءنا على ما هم عليه، لا على ما نريد لهم أن يكونوا.
لكن ما الغربة وما مدى تأثيرها فى هوية الإنسان عند مطر؟ يجيب الروائى الذى عاش جزءًا من حياته فى القاهرة، بأن مفهوم الغربة يختلف من شخص إلى آخر، فقد تكون حالة نفسية أو وجودية، وقد يشعر الإنسان بالاغتراب دون أن يغادر مكانه، ويعتبر أن الغربة المرتبطة بالانتقال من بلد إلى آخر تؤثر فى الهوية، لكنه يتحفظ على تعميم تجربة واحدة على الجميع.
تمس رواية «أصدقائى» بكل أحداثها وشخوصها، جانبًا من تجارب من خبروا الغربة، وعاشوها، وإن اختلفت الأسباب، وقد لمست ذلك بحكم اختلاطى فى مرحلتى التعليم الإعدادية والثانوية فى العامرية غرب الإسكندرية، بأصدقاء ليبيين كنا نتشارك «التختة» ذاتها، وبقيت صداقتنا لسنوات بعد ذلك قبل أن تتوه فى حارات وأزقة الحياة.. إنها الروح ذاتها الباحثة عن طريق يرسخ معنى الهوية والانتماء.
وفى مطلع التسعينيات من القرن العشرين، كانت زيارتى الوحيدة إلى طرابلس لتغطية أحد المؤتمرات الذى عقد قبل فرض الحظر الجوى على نظام القذافي. يومها، تجولت فى العاصمة الليبية بمفردى لساعات، بعيدًا عن الزملاء الصحفيين المشاركين فى المؤتمر، القادمين من بلدان البحر المتوسط، شماله وجنوبه، وهى الزيارة التى أدركت معها أسباب فرار الشباب الليبى إلى المنافى، وهى التجربة التى عبر عنها مطر فى «أصدقائى».
رواية «أصدقائى» تستحق قراءة متأنية، ليس فقط بسبب موضوعها السياسى والتاريخى، وإنما لأنها تتناول سؤالًا إنسانيًا أعمق: ماذا يحدث للإنسان عندما يضطر إلى مغادرة وطنه، ثم يكتشف أن المنفى لا ينهى علاقته به، بل يجعلها أشد تعقيدًا؟
فى نهاية المطاف، لا يكتب هشام مطر عن ثلاثة أصدقاء فرقتهم دروب الحياة بقدر ما يكتب عن جيل كامل حمل وطنه معه فى حقائب السفر، وظل مشدودًا إليه مهما ابتعدت المسافات.. لكن السؤال الذى يبقى معلقًا: هل تغير الوطن كثيرًا يا «أصدقائى» رغم تبدل السنوات؟!