ماذا تقول القراءة الأولية لنتائج الانتخابات الإسرائيلية: أولًا، سقوط التحالفات التقليدية وتراجع قوة الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو لجملة من الأسباب منها الاستراتيجى فيما يتعلق بإدارة الحرب منذ اليوم الأول، ومنها السياسى فيما يتعلق بطبيعة اتخاذ القرارات فى كل مفترق من مسار الحرب المستمرة والمتصاعدة والمفتوحة. ثانى الملاحظات أن الأكثرية صارت أسيرة «لعبة الأقلية»، فى عملية تشكيل الحكومة الجديدة، إذا ما تم تشكيلها كما يرى كثيرون. معسكر نتنياهو خسر إحدى عشر مقعدا مقارنة مع انتخابات ٢٠٢٢، كان يملك ٦٤ مقعدًا وتراجع اليوم إلى ٥٣ مقعدًا (منها ٢٧ مقعدًا لحزب الليكود). حزب يشار بقيادة جادى أيزنكوت، المنافس الرئيسى لنتنياهو، حاز ٢١ مقعدًا فيما يبدو أن معسكر أيزنكوت فى طريقه لخسارة ٧ مقاعد من معسكره الذى نال ٤٨ مقعدًا مع خروج ليبرمان وجماعته من المعسكر المشار إليه. الأحزاب الحريدية التى كانت حليفة نتنياهو مقابل إعفاء منتسبيها من الخدمة العسكرية (والتى اتهم بسببها بازدواجية المعايير بشكل فاضح ولأسباب انتخابية بالنسبة للمواطنين اليهود فى إسرائيل والذى يعكس موقفًا عقائديًا أساسيًا وغير قابل للتفاوض عند الحريديم) تراجعت كتلتها من ١٨ إلى ١٣ نائبًا. وتبقى هذه الأحزاب بالتالى قادرة على توفير أكثرية لنتنياهو لتشكيل الحكومة الجديدة مع ازدياد الانتقادات من كل الكتل السياسية لسياسة نتنياهو القائمة على اعتبارات انتخابية وليس اعتبارات وطنية فى هذا الخصوص.
على صعيد آخر لا يمكن لأحزاب الحريديم التحالف مع أيزنكوت لأنه يصر على فرض الخدمة العسكرية على الجميع. وتبقى من أهم مفاجآت الانتخابات حصول الأحزاب العربية على ١٩ مقعدًا مقابل ١٠ مقاعد فى انتخابات ٢٠٢٢. بالطبع لا يمكن للأحزاب العربية التحالف انتخابيًا مع نتنياهو وهو ما يرفضه الأخير بشكل مبدئى، وقاطع أيضًا، كما أنه من الصعب جدًا حصول تحالف بين أيزنكوت والأحزاب العربية ولو يرى البعض أنه أمر لا يجوز استبعاده كليًا والإخراج الممكن يقوم على أن أيزنكوت لا يعارض حصول الفلسطينيين على نوع من الحكم الذاتى فى الحد الأدنى الممكن لهذا المفهوم والذى يصفه البعض بإعطائهم نوعًا من الصلاحيات البلدية تحت سيطرة إسرائيلية محكمة وكلية، لكن ذلك يبقى أمرًا شبه مستبعد، لأنه غير مقبول فلسطينيًا أيضًا فيما سياسة التهويد المتسارع فى الضفة الغربية عبر ازدياد الانتشار الاستيطانى «الاستراتيجى» الهادف إلى ممارسة كل أنواع الضغوط للتهجير التدريجى لأبناء الضفة الغربية، لا يدفع بهذا الاتجاه.
رغم ذلك يرى البعض أن الأحزاب العربية أو بعضها قد يلجأ إلى التصويت «العقابى» من خلال إعطاء صوتها، دون عقد أى اتفاق مع أيزنكوت، لحزبه بغية العمل على منع نتنياهو من العودة إلى السلطة. ويعتبر نتنياهو أن إحدى أوراقه الرئيسية فى الحصول على الأكثرية المطلوبة لتشكيل الحكومة تكمن فى استمرار حربه فى لبنان وفى الضفة الغربية وكذلك فى غزة، ولو بأشكال متعددة ودرجات مختلفة من العمل العسكرى والأمنى. استمرار الحروب وازدياد درجات التوتر يخدم استراتيجية عودة نتنياهو إلى السلطة.
سيناريوهات عديدة مطروحة أكثرها احتمالًا تشكيل نتنياهو للحكومة الجديدة على أساس تحالف يبقى هشًا، بسبب طبيعة العلاقات بين أطرافه ولا يستبعد إذا ما تم ذلك سقوطه لاحقًا مع ازدياد التحديات الخارجية والضغوطات الداخلية.
سيناريو آخر حصول أيزنكوت على أكثرية ضئيلة لتشكيل حكومة يبقى أيضًا وضعًا هشًا فى ظل طبيعة التحالفات التى صنعتها، واحتمال تفككها أمام المزيد من التحديات الداخلية والخارجية. سيناريو محتمل أيضًا، ولا يمكن استبعاده، قوامه الدخول فى طريق مسدود أمام تشكيل الحكومة الائتلافية أيًا كان طرفها الأساسى والذهاب نحو انتخابات من جديد قد تسمح نتائجها هذه المرة بتشكيل حكومة جديدة، كل هذه السيناريوهات تبقى ممكنة، ولو بدرجات مختلفة من التأثير من حيث نتائجها على إسرائيل وعلى إدارة السياسة الإسرائيلية فى الإقليم المشرقى وكذلك الشرق أوسطى.
وزير خارجية لبنان الأسبق