متغيرات أربع ذات أبعاد استراتيجية مهمة جعلت من باكستان قوة شرق أوسطية. وتحولت باكستان من لاعب أساسى فى جنوب آسيا، حيث حكم ذلك الدور الصراع التاريخى والمستمر مع الهند إلى دور أساسى يتطور بشكل سريع فى منطقة غرب آسيا. وبالطبع يساعد ذلك فى تعزيز وزن باكستان فى صراعها وتنافسها التقليدى مع الهند. وفى هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن الهند التى تراجعت من «عقيدة» عدم الانحياز: العقيدة السياسية الدولية التى خف بريقها على الصعيد الدولى ولو بقيت قائمة رسميًا، كما عند بقية الأعضاء، ولو بدرجات مختلفة، وذلك بالطبع بسبب المتغيرات التى أحدثت تغييرات أساسية فى النظام الدولى القديم، ونحن على أعتاب تبلور نظام جديد. الهند تحولت نحو عقيدة «الانحياز المتعدد». الأمر الذى يعنى أن التحالف أو التفاهم مع دولة أو أخرى يقوم على طبيعة المسألة المطروحة. لكن ما حصل مع الهند هو انحيازها الكبير نحو علاقات تعاون شاملة وقوية مع إسرائيل على حساب علاقاتها التقليدية مع العالم العربى. يدل على ذلك تطور العلاقات الاستراتيجية العسكرية والسياسية والاقتصادية بين الطرفين. الأمر الذى ألقى بظلاله على دور الهند فى الشرق الأوسط وساهم بشكل أو بآخر فى إعطاء قوة دفع للدور الباكستانى فى المنطقة.
أولى هذه المتغيرات التى أشير إليها فى البداية تتعلق بإقامة اتفاقية الدفاع الاستراتيجى المشترك (١٧ سبتمبر ٢٠٢٥) مع السعودية. اتفاقية تشمل ما يعرف بخطة المشاركة النووية التى تقوم على تفعيل الردع النووى إذا ما اقتضت الحاجة فى دعم الشريك فى الاتفاقية. وجدير بالذكر أن هذه الاستراتيجية فى الدعم أو الردع النووى إذا ما اقتضى الأمر، قد نشأت فى إطار منظمة حلف شمال الأطلسى لدعم الدول الأعضاء التى لا تملك العنصر النووى. وتعكس هذه الاتفاقية العلاقات التاريخية التى تربط بين البلدين كما تعطيها بعدًا استراتيجيًا وشديد الأهمية من حيث طبيعة ومضمون هذا التحالف الجديد على الصعيدين الإقليمى والدولى.
ثانى هذه المتغيرات يتعلق بولادة إطار التعاون الرباعى الذى ضم كلًا من باكستان، السعودية، ومصر وتركيا نهاية شهر مارس الماضى وغداة الحرب التى أشرنا إليها وكردة فعل أساسية على هذه الحرب ومخاطرها على الأمن الإقليمى. إطار تعاونى وتشاورى وتنسيقى كان محفزه الأساسى الحرب التى انفجرت والتى قد تأخذ المنطقة نحو المجهول إذا لم يتم العمل على احتوائها ووقفها والعمل على بلورة حل سياسى لها.
ثالث هذه المتغيرات يتعلق بدور الوسيط الرئيسى والرسمى الذى بدأت باكستان منذ اليوم الأول على القيادة بين واشنطن وطهران دون أن ينفى ذلك وجود أدوار مساعدة عربية وغيرها لاحتواء الحرب ووقفها والذهاب نحو حل سياسى. ليس ذلك بالأمر السهل، كما تدل التطورات، لكنه ليس بالأمر المستحيل لا بل هو الطريق الواقعى والعملى الوحيد لوقف الحرب بتداعياتها الخطيرة على الإقليم رغم العوائق الكثيرة أمام ذلك.
رابع هذه المتغيرات «ولادة» اتفاقية مكة للدفاع المشترك فى مطلع شهر أغسطس، والتى تضم كلًا من السعودية وباكستان وتركيا وكما يحمل اسمها، فهى تتعلق فى تعزيز عوامل الردع والدفاع بين القوى الثلاث فيما يتعلق بالأمن الوطنى والأمن الاقليمى. تطورات استراتيجية أربعة لها انعكاساتها على الصعيدين الإقليمى والدولى فى شرق أوسط يعيش متغيرات كبيرة ومفتوحة على سيناريوهات عديدة فى مسار ولادة الإقليم الجديد الذى تسهم باكستان فى ولادته بشكل أساسى إلى جانب قوى أخرى بالطبع.
شرق أوسط لم تتضح بعد ملامحه وسمات القواعد الناظمة للعلاقات بين أعضائه، وموقع ودور القوى الإقليمية والخارجية الكبرى فى بلورته وفى مساره المستقبلى.
وزير خارجية لبنان الأسبق