البشر والتكنولوجيا.. من يتحكم فى من؟ - محمد زهران - بوابة الشروق
الجمعة 6 نوفمبر 2026 7:36 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إقالة حسام حسن من القيادة الفنية للمنتخب الوطني؟

البشر والتكنولوجيا.. من يتحكم فى من؟

نشر فى : الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 6:35 م

هل نتحكم نحن فى التكنولوجيا أم العكس؟
من بالضبط يتحكم فى التكنولوجيا؟
كيف تكون التكنولوجيا مرآة لشخصياتنا؟


عندما نذكر العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا فإن ما يتبادر إلى الذهن هو الرؤية التقليدية بأن الإنسان يصنع التكنولوجيا، وبعض هذه التكنولوجيا تحقق له الرفاهية، ثم يسىء استخدامها وتأتى الحروب والأزمات الصحية والاقتصادية إلخ. هذه الرؤية وإن كانت صحيحة إلا أنها تغفل الكثير من العلاقات المتشابكة بين الإنسان والتكنولوجيا، وهذا ما سنناقشه فى مقال اليوم.


الانسان يطور التكنولوجيا، ثم يستخدمها، ثم يطورها وهكذا، فى الطريق تسقط تكنولوجيات وتولد تكنولوجيا ونعرف أنفسنا، وعندما أقول نعرف أنفسنا فأنا أقصد المستويين: المجتمعى والشخصى.


قد يبدو هذا المقال مجرد نقاط منفصلة، أو لنستعير تعبير المفكر الموسوعى العظيم عباس العقاد «أشتاتا مجتمعة»، لكن يجمعهم موضوع واحد: نحن والتكنولوجيا.


• • •
البشر والتكنولوجيا


المستوى المجتمعى يتمثل فى ثلاث مجموعات: الشركات التكنولوجية الكبرى عابرة القارات والحكومات والشعوب.


• الشركات والحكومات تحدد الأولويات التكنولوجية، لا يمكن السير فى تطوير جميع أنواع التكنولوجيات مرة واحدة لأسباب اقتصادية ولوجستية، لذلك الاختيار يقع على عاتق الحكومات والشركات (والعلاقة بينهما تعتمد على سياسات كل دولة)، هذه الاختيارات توضح أولويات الدول، وبالتالى هى مرآة لسياساتها لأنها تظهر أولويات الشركات والحكومات، وتظهر أولويات الحكومات أكثر من الشركات، لأن الشركات فى الغالب ترغب فى زيادة الأرباح كهدف أساسى، أما الحكومات فلها حسابات أخرى.


• إذا ابتعدنا عن الأهداف السياسية والاقتصادية فالإنسان يقع تحت شهوة السيطرة على الطبيعة وشهوة المعرفة، وهذا يدفعه لتفضيل تطوير تكنولوجيا على أخرى.


• قبل أن نتكلم عن المستوى الشخصى للتكنولوجيا فهناك قوة «التسويق»، أى تسويق التكنولوجيا للمجتمعات حتى تستخدمها، هل كنا نعرف أجهزة التابلت قبل أن تظهر؟ بالطبع لا، إذا فهى ليست تكنولوجيا تحل مشكلة على الأرض. إذا هناك اقتصاديات السوق، وهذا يقودنا مرة أخرى للشركات الكبرى. التسويق يؤدى إلى زيادة أرباح الشركات، فتقوم بتطوير التكنولوجيا وتسوقها لنا لنستخدمها وهكذا تكتمل الدائرة: تطوير- تسويق - استخدام.
عندما تصل التكنولوجيا ليد الأفراد نأتى إلى البعد الشخصى فى العلاقة بين البشر والتكنولوجيا.


• كيف يستخدم كل شخص التكنولوجيا التى فى يده؟ إجابة هذا السؤال يكشف عن القيم والرغبات والحوافز لكل شخص. الشركات صانعة التكنولوجيا تحدد الاستخدام الأساسى للتكنولوجيا، لكن كل فرد يطوع ذلك لما يريد، بل قد يجد البعض استخدامات لم تكن فى مخيلة صانعى تلك التكنولوجيا.


• التسويق يؤدى إلى توصيل التكنولوجيا للناس، لكن استخدام الناس المبتكر للتكنولوجيا يؤدى إلى دفع الشركات إلى تطوير التكنولوجيا فى اتجاه معين، وهو الاتجاه الذى يقود إلى مزيد من الأرباح للشركات، مثلا: لماذا ظهرت منصات التواصل الاجتماعى؟ لماذا ظهرت الهواتف الذكية؟ لماذا أصبحت الكاميرات فى تلك الهواتف أقوى؟ إلخ، ستجد السبب هو الجماهير.


كل ما سبق هو كيفية تأثير البشر على التطور التكنولوجى، ماذا عن تأثير التكنولوجيا على البشر؟


• • •


التكنولوجيا والبشر


يجب أن تعترف أنه عكس ما يعتقده البعض فإن التكنولوجيا ليست محايدة، بل تعتمد على طريق استخدامنا لها وتطويرنا لها. لكن استخدامنا يؤثر علينا أيضا.


• كيف يغير الاستخدام المستمر للتكنولوجيا سلوكنا وقيمنا؟ نرى الآن الأجيال الجديدة تحب أن تكون من «المؤثرين» الذين يجمعون عددا كبيرا من المشاهدات، وبالتالى يحققون مكاسب اقتصادية، هذا يدفع الناس لعمل أى شىء من أجل شهوة الشهرة وشهوة المال.


• التكنولوجيا جعلتنا غير قادرين على الصبر، أصبح التأخير البسيط فى استجابة تطبيق أو وصول رسالة مصدرا للقلق. السرعة فى مقابل الكفاءة والجودة أصبحت سمة العصر.


• الكثير من الناس أصبحت تثق ثقة عمياء فى التكنولوجيا، كم منا يراجع المعلومات التى يحصل عليها من (ChatGPT) مثلا؟


• لماذا نقول إن الخصوصية مهمة، ثم نشارك بيانات شخصية كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعى وتطبيقات التليفون المحمول، كيف نفسر هذا التضارب؟ هذا سؤال يجب أن يجيب عليه علماء النفس والاجتماع، لكنى أعتقد أن السبب هو شهوة الحصول على الخدمات بسرعة وشهوة التسلية وشهوة الظهور أمام الآخرين بالمظهر الذى نختاره.


وهذا يقودنا إلى سؤال مهم يحتاج منا الكثير من التفكير: هل التكنولوجيا تحررنا من القيود أم تستبدل قيودا قديمة بقيود جديدة؟


أعتقد أننا نستبدل قيودا قديمة بجديدة بكامل إرادتنا، لأن التكنولوجيا تعطينا نوعا من الرفاهية التى نقنع بدفع ثمنها عن طريق تلك القيود، المشكلة أننا نستخدم تكنولوجيا طورتها دول أخرى تبعا لإرادتها هى، وبالتالى هى تحدد القيود، فلكى نتحرر يجب أن نتفهم جيدا العلاقة بين التكنولوجيا والبشر.


• • •
التكنولوجيا هى اختراع بشرى فى الأساس، لكن التكنولوجيا تؤثر فينا وأيضا تقوم بدورها كمرآة لشخصياتنا، إذا العلاقة بيننا وبين التكنولوجيا علاقة دائرية، فهل هذا شىء صحى؟ أم يجب أن نبذل مجهودا لنجعله صحيا؟ ولنجعل هذه العلاقة صحية يجب أن نضع نصب أعيننا أن فى هذا العصر الذى نعيش فيه التقدم التكنولوجى ليس تقدما إنسانيا، بل نرى العكس الآن، كلما تقدمت التكنولوجيا قلت الإنسانية بين البشر، فماذا نحن فاعلون؟

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات