هل سيطيح الذكاء الاصطناعى بالمبرمجين؟ - محمد زهران - بوابة الشروق
الجمعة 9 أكتوبر 2026 7:24 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

هل سيطيح الذكاء الاصطناعى بالمبرمجين؟

نشر فى : الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 6:20 م | آخر تحديث : الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 6:20 م

 

هل ما زالت كتابة البرمجيات مهنة البشر؟

ما دور البرمجة بالضبط؟

كيف نستعد؟

قد يظن الشخص العادى أن موضوع مقال اليوم بعيد عنه، فمهنة البرمجة لها من يحترفها، لكن فى الحقيقة البرمجة تؤثر على حياة الرجل العادى بأكثر مما يتصور، كل استخدام للتليفون المحمول هو استخدام لبرمجيات كتبها مبرمجون، استخدام منصات التواصل الاجتماعى أو منصات المسلسلات والأفلام هى كذلك برمجيات، استخدام خدمات الحكومة الإلكترونية مثل استخراج بعض المستندات أو تجديد اشتراك هى أيضا برمجيات، الشخص العادى يعيش فى خضم من البرمجيات تتحكم فى حياته سواء شعر بذلك أم لم يشعر، إذا فما سنقوله اليوم له تأثير على حياته.

مقالنا اليوم عن المستقبل القريب لمهنة البرمجة فى عصر الذكاء الاصطناعى، هل تلك المهنة مازالت مهمة البشر؟ أم على طلابنا دراسة شىء آخر؟ قبل أن نجيب عن ذلك نحتاج أن نعرِّف البرمجة.  

البرمجة أكثر تعقيدا من مجرد شخص يكتب أوامر لجهاز الكمبيوتر بإحدى لغات البرمجة، الموضوع يبدأ قبل ذلك. برنامج الكمبيوتر هدفه الأساسى حل مشكلة (حتى ألعاب الكمبيوتر تقع تحت هذا التعريف)، لذلك الخطوة الأولى هى التفكير بعمق فى تلك المشكلة وتحليلها، ثم اقتراح عدة حلول واختيار الحل الأنسب الذى يتحول فى النهاية إلى برنامج الكمبيوتر. إذا تحويل الحل إلى برنامج هى الخطوة النهائية.

هل سيحل الذكاء الاصطناعى محل البشر فى كل تلك الخطوات؟ هذا ما سنتحدث عنه فى مقالنا اليوم.

• • •

ماذا سيحدث فى عالم البرمجيات؟

كتابة برنامج كمبيوتر يحتاج دقة ومهارة، وهنا يتفوق الذكاء الاصطناعى على البشر، لاحظ أننا نتكلم عن كتابة البرنامج وليس عن تحليل المشكلة واختيار أفضل الحلول، هذا معناه أن برامج كمبيوتر كثيرة ستكتب فى المستقبل القريب، أكثر بكثير من الماضى، لكن هل هذا معناه أن المبرمجين البشر سيفقدون عملهم؟ ليس كلهم، فقط من سيصر على ما يفعله كمبرمج عادى. ماذا نقصد بذلك؟

حتى يقوم الذكاء الاصطناعى بمهمة البرمجة يحتاج شيئين:

• من يشرح له المطلوب بدقة

• من يراجع مخرجات الذكاء الاصطناعى حتى يتأكد أنها صحيحة وتؤدى المهمة المطلوبة

هاتان المهمتان هما من نحتاج فيهما إلى البشر وهما ما نحتاج فيهما إلى جيل جديد من دارسى الكمبيوتر بعمق، نحتاج من يستطيع تحليل المشكلة واختيار أفضل الحلول وشرحها للذكاء الاصطناعى بدقة، وبالتالى نحتاج من يمتلك ذكاء تحليليا وتفكيرا نقديا، ثم نحتاج من يستطيع فهم واختبار برمجيات معقدة كتبها الذكاء الاصطناعى وهذا ليس سهلا ويحتاج فهما عميقا للبرمجيات وللخوارزميات (أى طرق حل المشكلة) وأيضا لبرمجيات الذكاء الاصطناعى. 

البرمجة لن تنتهى لكن مهمة البشر ستتغير. 

كيف نستعد إذا؟

• • •

عندنا فى مصر

قطاع تكنولوجيا المعلومات عندنا قام بمجهودات ضخمة وطيبة فى المجالات الآتية، حسبما يتابع كاتب هذه السطور وأعتذر إن فاتنى شىء:

• الخدمات الرقمية، وأعتقد أن الجميع يلمسون هذا التقدم

• خدمات التعهيد (outsourcing) حيث يقوم أشخاص عندنا بمهمات للشركات الدولية الكبرى، والميزة التنافسية هى فى الأسعار والمهارة، ونرى ذلك فى وظائف مثل (call centers)، والبرمجة وخدمات الصيانة إلخ. 

• تصدير المواهب للعمل فى الشركات الدولية لتوفير العملة الصعبة.

• تدريب الكثير من الشباب لدخول سوق العمل الرقمية.

هذا جميل وناجح حتى الآن، لكن الذكاء الاصطناعى يدخل بخطى ثابتة إلى أغلب تلك المجالات وحان الوقت لتدريب الجيل الجديد ليس على منافسة الذكاء الاصطناعى لكن على التعاون مع الذكاء الاصطناعى، وهذه نقطة مهمة لأن التعاون غير الاستخدام، الكثيرون يمكنهم استخدام برمجيات الذكاء الاصطناعى لكن الاستخدام العادى هو مجرد «استهلاك» لتكنولوجيا أنتجها آخرون. 

التعاون مع الذكاء الاصطناعى معناه وضعه فى المكان الطبيعى فى المعادلة كما قلنا أعلاه، البشر يحتاج أن يفكر، ثم يخطط ثم يختار أفضل الحلول، ثم يشرح الحل بدقة للذكاء الاصطناعى، وأخيرا يتأكد ويختبر مخرجات الذكاء الاصطناعى، لكن أن تأتى ببرنامج للذكاء الاصطناعى وتقول له «هذه هى المشكلة من فضلك قم بحلها» فأنت لم تصل حتى لمرتبة المستهلك الماهر أو كما يسمونه (power user). هذا معناه أننا يجب أن ندرب الجيل الجديد بشكل مختلف ليستخدم الذكاء الاصطناعى كعامل مساعد قوى وليس كمنافس يجب الانتصار عليه. 

يجب أن ننتقل من «نحن نصدّر عمال مهرة بسعر رخيص» إلى «نحن ننتج تكنولوجيا متقدمة»، وأحب أن أنتقل من هذه النقطة إلى اقتراحات لمجالات يجب أن نقتحمها ونتوغل فيها:

• تصميم رقائق الكمبيوتر: وأقول «تصميما» وليس «تصنيعا»، التصنيع يمكن أن يتم فى شركة مثل (TSMC)، لكن التصميم يحتاج للعقول المبتكرة ونحن نمتلك الكثير منها.

• تصميم الحاسبات فائق السرعة: وهى وضع الرقائق مع بعضها لعمل جهاز كمبيوتر قوى، ولا أقصد أجهزة مثل اللابتوب لكن أجهزة مثل السوبر كمبيوتر ومراكز البيانات.

• الأمن السيبرانى: وجود الذكاء الاصطناعى والحاسبات فائقة السرعة يغيران من معادلة الأمن السيبرانى، فهل نحن مستعدون؟

• تصميم واستخدام نظم المحاكاة (simulation) فى مختلف مناحى الحياة مثل تصميم الأدوية والأمصال، وتحديد الاتجاهات المرورية، إلخ وحتى التخطيط الاستراتيجى للمستقبل والاستعداد للأزمات قبل أن تحدث. 

• تصميم واستخدام الروبوت فى المصانع والشركات.

• وأخيرا وليس آخرا استخدام الذكاء الاصطناعى لحل المشكلات فى منطقتنا وليس فقط من أجل نشر الأبحاث العلمية.

تشجيع كل تلك المجالات يكون عن طريق التشجيع من الدولة وإزالة العقبات البيروقراطية وأيضا تشجيع ريادة الأعمال فى تلك المجالات المستقبلية. 

•••

إذا كنا سنعتمد على تخريج عدد كبير من المبرمجين العاديين معتمدين على أن ذلك سيزيد من خدمات التعهيد (outsourcing) ومن العاملين فى الشركات الأجنبية، فهذا سينجح على المدى القصير، وهذا جيد، لكن على المدى المتوسط فهناك تهديد وجودى لتلك المهمات، يجب إعداد أجيال يمكنها «التعاون» مع برمجيات الذكاء الاصطناعى وليس منافستها.  

 

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات