هل الذكاء الاصطناعى هو الحل السحرى لكل الأزمات؟
ما دور الذكاء الاصطناعى عند وجود أزمة؟
هل يجب أن ننتظر ظهور أزمة حتى نتحرك؟
منذ عدة أيام كان لى شرف تلبية دعوة للاشتراك فى حلقة نقاشية على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 81 فى مدينة نيويورك، هذه الحلقة النقاشية كانت عن الأزمات وكيفية التعامل معها، خاصة ونحن فى عالم يموج بالأزمات المتتالية والمتزامنة منذ عدة سنوات. النقطة الأساسية فى الحلقة النقاشية والتى ضمت مدراء تنفيذيين فى الصناعة وشخصا أكاديميا واحدا هو كاتب هذه السطور هى أن التعامل مع الأزمة يبدأ من قبل ظهور الأزمة، أى قبل أن تقع الأزمة بوقت كاف والاستعداد لها، ثم التعامل معها بكفاءة، ثم استخراج الدروس المستفادة من ذلك ليتم استخدامها فى المستقبل.
التكنولوجيا وفى القلب منها الذكاء الاصطناعى يمكنها المساعدة فى كل تلك الخطوات، فى مقالنا اليوم سأتحدث عن النقاط التى طرحتها أثناء الحلقة النقاشية.
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تلقى بظلالها على الأمم المتحدة
• • •
التنبؤ بالأزمات
بغض النظر عن كل ما يقال عن الذكاء الاصطناعى الحقيقى منه والخرافى فإن هذه التكنولوجيا تفوق البشر فى مهارة مهمة جدا فى عصرنا عصر البيانات الغفيرة، الذكاء الاصطناعى يمكنه تحليل كم مهول من البيانات وإيجاد أنماط معينة (أى شىء يتكرر) فى هذه البيانات، هذه الأنماط تساعدنا على توقع ما يمكن أن يحدث، كلما زادت كمية البيانات وتنوعها وقدرة برمجيات الذكاء الاصطناعى كلما أمكنها إيجاد أنماط أكثر تعقيدا، أى يمكنها التوقع بوجود مشكلة أو أزمة قبل حدوثها بمدة أطول، وتنوع البيانات هنا أقصد به بيانات من قطاعات متباينة مثل الصحة والمناخ والتعليم والموقف السياسى والتقدم التكنولوجى إلخ. مشكلة فى المناخ قد تؤثر على الصحة وبالتالى كفاءة العمال وتهدد الاقتصاد إلخ. نحن فى عالم معقد تتداخل فيه القطاعات المختلفة بطريقة قد لا نراها نحن بقدرتنا المحدودة على قراءة البيانات، لكن برمجيات الذكاء الاصطناعى تستطيع ذلك.
أيضا تلك البرمجيات تساعد فى اتخاذ القرار عن طريق نظم المحاكاة المختلفة، أى تستطيع الإجابة عن أسئلة «ماذا لو»، وبذلك نستطيع الاستعداد للأزمات قبل حدوثها، توقع الأزمة قبلها بوقت كاف ثم بحث الحلول المختلفة عن طريق «ماذا لو»، كل هذا جميل لكن يجب أن نأخذ فى اعتبارنا عدة أشياء غاية فى الأهمية:
• الذكاء الاصطناعى يتعرف على الأنماط عن طريق البيانات الكثيرة التى نعطيها له، هذه البيانات هى عن الماضى، وقد تكون متحيزة أو ناقصة، وبالتالى نحصل على نتائج خاطئة، فيجب أن نحرص على الحصول على بيانات دقيقة وكاملة كما أشرنا فى مقالات عديدة سابقة، لذلك أصبحت هناك أقسام لعلوم البيانات فى الجامعات الكبرى مستقلة عن أقسام علوم وهندسة الكمبيوتر.
• الذكاء الاصطناعى لا يعطى يقينا، بل مجرد توقع، لذلك الخبرة الإنسانية مهمة للتعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعى، فهو فى النهاية مجرد أداة فى يد البشر.
• الذكاء الاصطناعى وحده لا يكفى لجعل المؤسسات أو الدول مستعدة للتعامل مع الأزمات، هو مجرد لبنة فى بناء كبير، هذا البناء هو المؤسسات نفسها وقدرتها على الاستخدام الأمثل لتلك التكنولوجيا والإبداع فيها والتعلم منها وليس فقط الاستهلاك.
هذا عن الاستعداد للأزمات، وقد يساعد فى تفادى بعض تلك الأزمات، لكن فى النهاية هناك عوامل خارجية لا نستطيع التحكم فيها وقد نجد أنفسنا وجها لوجه مع الأزمة أو الأزمات، فماذا نفعل؟
هل الذكاء الاصطناعي أداة تحتاج من يحسن استخدامها
• • •
التعامل والتعلم
من الأسئلة التى وجهتها إلى مديرة الجلسة السؤال الآتى: «إذا أردت أن تعطى نصيحة واحدة للحكومات والمؤسسات حتى تتعامل بكفاءة مع الأزمات فما هذه النصيحة؟» (عدلت بعض الكلمات للإيضاح). كانت الإجابة «بناء مؤسسات تتعلم باستمرار»، وهذه الجملة ليست «كليشيه» أو مجرد جملة عامة، التكنولوجيا تتغير بسرعة كبيرة، والموقف السياسى والاقتصادى العالمى يتبدل أيضا بسرعة، وأخلاقيات الناس ومهاراتها أيضا تتبدل، إذا العالم الذى نعرفه الآن ليس هو العالم بعد عدة أشهر، وكل الدروس المستفادة من الماضى والنظريات التى بنيت عليها سياسات وخطط تحتاج إلى إعادة نظر بين الحين والآخر بنظرة جديدة، وهذا يحتاج لتعليم مستمر.
طبعا هذا ليس سهلا لأن المؤسسات تحتاج أن تعمل وتؤدى مهامها وليس فقط تتعلم طوال الوقت، يجب وضع عدة أشياء فى الاعتبار:
• المرور من أزمة بدون خسائر أو بخسائر قليلة لا يعنى بالضرورة أننا تعلمنا منها.
• التعليم يجب أن يكون أسرع من التغير العالمى، حتى تكون المؤسسات مستعدة، وهذه أهمية «ماذا لو» التى ذكرناها أعلاه.
• لا يمكن بناء القدرات المؤسسية أثناء الأزمة، وهنا تأتى أهمية الاستعداد من قبلها.
كيف تتعلم المؤسسات؟ طبعا كل مؤسسة ولها خصوصيتها وطريقة عملها لكننا سنحاول وضع خطوط عامة:
• التعلم واستلهام الدروس المستفادة من الغير وليس فقط من التجارب الذاتية، هذا ليس سهلا، لذلك سترى كتبا عديدة تطلب منا أن نتعلم من التاريخ، لكن لن تجد كتابا يشرح بدقة كيف نتعلم من التاريخ، التاريخ به تجاربنا وتجارب الغير، لذلك هو مصدر قوى للحصول على المعرفة.
• استخدام التكنولوجيا لمعرفة إشارات قد تشير لأزمة فى المستقبل البعيد.
• استخدام «ماذا» لو مع الذكاء الاصطناعى، وأيضا تجارب صغيرة مع عدد قليل من الناس.
• تحليل النتائج مع استخدام الخبرة البشرية وليس الثقة العمياء فى مخرجات الذكاء الاصطناعى.
• من هذه النتائج تستعد المؤسسات للأزمات المحتملة.
• إضافة هذه المعرفة لبنك المعلومات التابع لتلك المؤسسة لتستخدمه مع برمجيات الذكاء الاصطناعى وأيضا لتمريرها للجيل القادم.
هذه المؤسسات هى العمود الفقرى لمواجهة الأزمات وليس فقط شراء التكنولوجيا.
• • •
عندما نمر من أزمة دون خسائر كبيرة فهذا لا يعنى أننا تعلمنا شيئا، قد نكون محظوظين ليس إلا، كيفية التعلم من الأزمات، ثم استخدام هذا العلم فى زيادة كفاءة التعامل مع الأزمات التالية أو منعها من الحدوث هو ما نريد، الذكاء الاصطناعى جزء من هذه المنظومة لكنه ليس الجزء الوحيد، بل وليس أهم جزء.