ل ما زال الأستاذ الجامعى يهتم بالتدريس؟
هل نقيّم تدريس الأستاذ الجامعى بطريقة صحيحة؟
ما تداعيات إهمال التقييم الحقيقى؟
هناك أمر قد ينكره الكثيرون من باب الحرج لكنه حقيقى للأسف، نحن نقدِر البحث العلمى أكثر من التدريس، أنا أتحدث عن التعليم الجامعى وليس المدرسى، خاصة مرحلة البكالوريوس، لأن الدراسات العليا من ماجستير ودكتوراه تعتمد فى أغلبها على البحث العلمى. نرى دائما فى البرامج التليفزيونية والصحف والمجلات الاحتفاء بالعلماء الأجلاء، وهم طبعا يستحقون ذلك، لكن لا نرى نفس الاحتفاء بأستاذ جامعى مشهور ببراعته فى التدريس أو اهتمامه بإدخال أحدث المناهج فى مواده الدراسية. قد نرى من يحتفى بمدرسه فى المرحلة المدرسية من باب العرفان بالجميل ليس إلا.
أنا أتكلم عن نظرة الانبهار والاحترام التى ننظر بها للباحث فى مقابل المدرس، بل إن ترقية الأساتذة تعتمد فى أغلبها على البحث العلمى وليس التدريس إلا بدرجة أقل كثيرا، أعتقد أن السبب هو أن البحث العلمى بالنسبة للشخص العادى هو شىء صعب أقرب للسحر، وما لا نفهمه نخاف منه أو نبجله، أما التدريس فهو «مجرد واحد قرا كلمتين وراح يقولهم للطلبة»، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة ويستلزم منا عدة مقالات وليس مقالا واحدا، لكننا اليوم سنركز على نقطة واحدة متعلقة بالتدريس الجامعى: كيف نقيّم تدريس الأستاذ الجامعى، لأن هذا أيضا لا يأخذ حقه مثل تقييم الإنتاج العلمى للأستاذ (والذى يحتاج مقالات منفردة أيضا).

•••
هل ما زال التدريس مهما؟
الأستاذ الجامعى لم يعد مصدرا للمعلومة لأن الطلبة تتجه لبرمجيات الذكاء الاصطناعى، هذا أضعف هيبة الأستاذ، لكن ما أضعف الهيبة أكثر هو أن الطلبة أصبحت ترى أساتذتها على مواقع التواصل الاجتماعى تضع «كلاما فارغا» خاصة لو تكلموا خارج تخصصهم الدقيق أو أدلوا بدلوهم فى أمر من أمور الشأن العام، طبعا لا نستطيع ولا نجرؤ على التعميم لكننا نرصد شيئا أصبح ظاهرا للعيان.
لكن مع كل ذلك ما زال للأستاذ دور، هو الذى يضع طريقا للطالب يسير عليه من أجل تحصيله العلمى بدلا من أن يتحرك بعشوائية مع برمجيات الذكاء الاصطناعى. الأستاذ أيضا سيدرب الطالب على التفكير النقدى وكيف يدقق فى مخرجات تلك البرمجيات، والأهم هو أن الأستاذ سيشرح للطالب فلسفة كل مادة علمية وعلاقتها ببعضها، كل هذا سيعيد للأستاذ هيبته.
إذا التدريس ما زال مهما.
أحب أن أدعو القارئ الكريم لمراجعة المقالات التالية لكاتب هذه السطور:
• «الأستاذ أم الذكاء الاصطناعى.. من يحصل على ثقة الطالب؟» بتاريخ 3 أكتوبر 2025.
• «مشكلة محيرة ... الأستاذ الجامعى فى عصرنا الحالى» بتاريخ 5 ديسمبر 2025.
• «هل ما زلنا نحتاج إلى الجامعات؟» بتاريخ 10 أبريل 2026.
بعد أن اتفقنا أن التدريس ما زال مهما وله دوره يأتى السؤال: كيف نقيم كفاءة الأستاذ فى التدريس حتى يمكن تدارك أية مشكلات وبالتالى نحسن العملية التعليمية؟

•••
مشكلة التقييم الحالى
التقييم الحالى للأساتذة فى أغلب الجامعات يواجه مشكلتين: إحداهما نفسية والأخرى تطبيقية، فأما النفسية فإن أغلب الإدارات الجامعية تهتم أكثر بالتفوق فى البحث العلمى كما أسلفنا فى هذا المقال، وبالتالى إذا كان تقييم التدريس يتطلب مجهودا أكثر فإن ذلك يجد مقاومة من الإدارة ما لم تشرح لها كيف يمكن أن يؤثر ذلك إيجابا على البحث العلمى وموارد الجامعة.
المشكلة التطبيقية هى ما سنركز عليه، الأغلب الأعم من الجامعات تعتمد فى تقييم التدريس على تقييمات الطلبة فى آخر الفصل الدراسى، وهذا به عدة مشكلات:
• عدد الطلبة الذى يملأ هذا الاستبيان قليل، يمكنك دفعهم لذلك بطرق مختلفة لكن سينتهى الأمر بطلبة تملأه بأى شىء من باب استيفاء الأوراق.
• الطلبة خاصة فى مرحلة البكالوريوس غير موضوعيين بالمرة، أى يتكلمون بالعاطفة، إذا أعطيت الطالب «امتيازا» ففى الغالب سيقيمك تقييما إيجابيا، والعكس صحيح طبعا، وحتى لو تم عمل التقييم قبل الامتحانات النهائية للفصل الدراسى فإن كل طالب قد حصل بالفعل على درجات عديدة أثناء الفصل الدراسى وبالتالى كون رأيا عن الأستاذ.
• هناك عدة دراسات اضطلعت على بعضها مؤخرا وجدت أنه لا علاقة بين التقييم الممتاز لأستاذ من الطلبة وجودة التعليم الذى حصلوا عليه، الأستاذ قد يكون فقط «راجل طيب» يعطى درجات مرتفعة للكل ويتساهل مع مواعيد تسليم الأبحاث إلخ.
إذا فالاعتماد الكلى على تقييم الطلبة لا يكفى وحده، لا يمكن طبعا أن نتجاهله كلية فقد تكشف تلك التقييمات عن عيب معين فى طريقة تدريس الأستاذ أو تعامله مع الطلبة ونجد ذلك مثلا عندما تتكرر الشكوى من طلاب عديدين فى الاستبيان، لكن يجب أن نستخدم طرقا أخرى للتقييم، بالإضافة إلى تقييم الطلاب.
هناك تجارب من بعض الجامعات تعتمد بالإضافة إلى تقييم الطلاب على الآتى:
• حضور بعض الأساتذة محاضرات الأستاذ وكتابة تقرير، وأنا أعتقد حتى نتجنب المجاملات أن كل أستاذ يجب أن يحضر له أستاذ مختلف فى أيام مختلفة، مثلا ثلاثة أساتذة يحضرون على ثلاثة أيام مختلفة (كل يوم أستاذ) لأستاذ معين، وكل منهم يكتب تقريره دون الاطلاع على تقرير الآخر. أعتقد أنه فى المستقبل القريب يمكن تسجيل كل المحاضرات وإعطاؤها لبرمجيات الذكاء الاصطناعى لتحليلها سواء المادة العلمية أو التعامل مع الطلاب إلخ.
• على الأستاذ أن يعد تقريرا فى نهاية كل فصل دراسى عن كل مادة يشرح فيه ما طوره فى تلك المادة عن آخر مرة قام بتدريسها، التطوير قد يكون فى المادة العلمية أو طرق التقييم أو نوعية الأبحاث المطلوبة من الطلبة إلخ.
•••
يجب أن نعترف أننا نهتم بالبحث العلمى أكثر من التفوق فى التدريس، لكن يجب أن ندرك أنه بدون تعليم جيد فلا بحث علمى ولا عمالة مدربة ولا مستقبل. العائد من التعليم قد لا يأتى سريعا لكنه حتما سيأتى.