المخرج الفلسطيني حنا عطا الله لـ الشروق: أصبحنا نرى جمهورا يأتي بدافع الفضول والرغبة في التعرف إلى فلسطين من خلال أصوات وتجارب فلسطينية - بوابة الشروق
الجمعة 6 نوفمبر 2026 7:59 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد إقالة حسام حسن من القيادة الفنية للمنتخب الوطني؟

المخرج الفلسطيني حنا عطا الله لـ الشروق: أصبحنا نرى جمهورا يأتي بدافع الفضول والرغبة في التعرف إلى فلسطين من خلال أصوات وتجارب فلسطينية

الشيماء أحمد فاروق
نشر في: الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 6:55 م | آخر تحديث: الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 6:55 م

- المشروع بدأ بـ 171 عرضا في 41 دولة ووصل هذا العام إلى أكثر من 2000 عرض في 85 دولة


تستطيع السينما أن تعبر الحدود وتخترق الحواجز، وعبرها تُروى الحكايات، لذلك كانت السينما دائما واحدة من أهم أدوات مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، في الداخل والخارج، ومن خلال رؤى الصُناع بمختلف خلفياتهم تنتقل السرديات، متجاوزة قيود المُحتل، وبين شاشة السينما والجمهور تُبنى علاقة فريدة من التلقي.

هذه الشاشة الساحرة كانت الدافع وراء المخرج والمنتج الفلسطيني حنا عطا الله، عندما بدأت حكايته مع الفن السابع، بمشاهدة فيلم، ثم كبرت الحكاية وأصبحت مشروع كامل تحت عنوان "فيلم لاب" مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، وفيلم لاب تعد مؤسسة سينمائية مستقلة تهدف إلى دعم صناعة الأفلام الفلسطينية وتوفير بيئة حاضنة للمواهب، وأبرز برامجها الثقافية "أيام فلسطين السينمائية"، الذي يجوب العالم سعيا وراء إبراز الإنتاج السينمائي المحلي، وتعزيز حضوره على الساحة الدولية.

ويُقام البرنامج في نوفمبر الجاري بالتزامن مع ذكرى مرور 109 عاما على ذكرى وعد بلفور، وفي ضوء هذا أُجري حوار خاص مع حنا عطا الله، للتعرف أكثر على التطورات التي طرأت على البرنامج خلال هذا العام، وأهدافه ومشاريعه السينمائية للسينما الفلسطينية.

- في البداية، أود السؤال عن مهرجان أيام فلسطين السينمائية في 2026، ما التطورات التي طرأت على المهرجان هذا العام؟

التطور الأهم هذا العام لا يتعلق بعدد العروض وحده، بل بتغيّر دور المهرجان نفسه، وبالطريقة التي نفكر بها في وصول السينما الفلسطينية إلى جمهورها، عندما أسسنا أيام فلسطين السينمائية عام 2014، كان طموحنا أن نعيد السينما إلى الحياة الثقافية الفلسطينية، وأن نخلق مساحة يلتقي فيها الجمهور الفلسطيني مع سينماه ومع السينما العالمية. كنا نريد أن نبني جمهوراً، وأن نساهم في تطوير بيئة مهنية لصناعة الأفلام، وأن نعيد الاعتبار للسينما بوصفها جزءاً من الحياة العامة.

بعد عام 2023، وفي ظل الإبادة في غزة، وجدنا أنفسنا أمام سؤال أصعب: كيف تستمر السينما عندما تصبح إمكانية تنظيم مهرجان داخل فلسطين نفسها مهددة؟ وكيف تبقى حكاياتنا حاضرة بينما تتعرض حياة الناس وأماكنهم وذاكرتهم للتدمير؟

من هنا تطورت تجربة "أيام فلسطين السينمائية حول العالم" وما بدأ عام 2023 بـ171 عرضاً في 41 دولة، وصل هذا العام إلى 2,404 عرض في 85 دولة، وهذه ليست مجرد قفزة رقمية، بل تحول في مفهوم المهرجان نفسه، من حدث سينمائي يرتبط بمكان محدد إلى شبكة عالمية من دور السينما والمؤسسات الثقافية والجامعات والمبادرات المستقلة والمجتمعات المحلية

ما يهمني في هذه التجربة هو أن العروض لم تعد مرتبطة فقط بالمؤسسات السينمائية الكبرى، بل أصبحت تنظم أيضاً بمبادرات من أفراد ومجموعات صغيرة في مدن وأماكن لم تكن السينما الفلسطينية تصل إليها سابقاً، وهذا العام قدمنا برنامجاً من 13 فيلماً، بينها أربعة أفلام وثائقية قصيرة من سلسلة "غزاويات”، يجمع البرنامج بين السينما المعاصرة والأرشيف السينمائي الفلسطيني، وتفتح حواراً بين أجيال مختلفة من صناع الأفلام

ما يعنيني في النهاية ليس عدد الشاشات فقط الأهم أن يلتقي الناس حول فيلم فلسطيني، وأن يخرجوا منه بأسئلة ونقاشات تستمر بعد انتهاء العرض. وصلنا إلى العالم، لكن علاقتنا بالجمهور في فلسطين تظل أساس ما نفعله.

- ما معايير برمجة الأفلام التي يتم اختيارها للمهرجان؟

بالنسبة لي، البرمجة السينمائية ليست مجرد اختيار مجموعة من الأفلام الجيدة ووضعها في جدول عروض، بل هي فعل ثقافي وفني، وطريقة لطرح الأسئلة وفتح مساحات للحوار مع الجمهور، وهناك بالطبع معايير فنية أساسية تتعلق باللغة السينمائية، وأصالة الرؤية، وقدرة الفيلم على تقديم تجربة إنسانية وفنية مختلفة. لك لا ننظر إلى الأفلام بمعزل عن السياق الذي نعرضها فيه، أو عن الجمهور الذي نخاطبه

وفي أيام فلسطين السينمائية حول العالم، تكتسب البرمجة أهمية ومسؤولية إضافيتين، لأننا لا نقدم أفلاماً فلسطينية فحسب، بل نسعى أيضاً إلى تقديم الرواية الفلسطينية للعالم، بكل ما تحمله من تاريخ وذاكرة وتنوع في التجارب الإنسانية والسياسية والاجتماعية. لذلك يهمنا أن تعكس اختياراتنا المراحل التاريخية المختلفة للقضية الفلسطينية، وأن تتيح للجمهور التعرف إلى التحولات التي مر بها المجتمع الفلسطيني، من النكبة واللجوء إلى الاحتلال والانتفاضات، وصولاً إلى واقعنا الراهن.

ومن المهم بالنسبة لنا أيضاً أن تكون البرمجة معبّرة عن الكل الفلسطيني، وأن تحضر فيها سينما غزة والضفة الغربية، والقدس، والداخل الفلسطيني، والشتات. فلكل من هذه الجغرافيات تجربتها وذاكرتها وأسئلتها الخاصة، لكنها جميعاً تشكل رواية فلسطينية متعددة الأصوات. وأعتقد أن هذا التنوع هو أحد أهم مصادر غنى السينما الفلسطينية، لأنه يتيح لنا رؤية فلسطين من زوايا مختلفة، بعيداً عن اختزالها في مكان واحد أو تجربة واحدة.

ولهذا نحرص على الجمع بين الأفلام الروائية والوثائقية والتجريبية والأرشيفية، وبين أعمال تنتمي إلى أجيال ومراحل سينمائية مختلفة. فالأفلام لا تقدم بالضرورة الرواية نفسها، بل تتحاور وتتقاطع، وتفتح أمام الجمهور مداخل متعددة لفهم فلسطين وتاريخها وحاضرها، والتعرف إلى تفاصيل الحياة الفلسطينية التي غالباً ما تغيب عن التغطيات الإعلامية.

وفي الوقت نفسه، لا نريد أن تتحول البرمجة إلى مجرد استعراض تاريخي أو سياسي للقضية الفلسطينية. فالسينما بالنسبة لنا ليست وسيلة للتوثيق أو نقل المعرفة فقط، بل مساحة للإبداع والخيال والتعبير الإنساني. لذلك تبقى القيمة الفنية للفيلم، وخصوصية لغته السينمائية، واستقلالية رؤية صانعه، عناصر أساسية في اختياراتنا.

ما نسعى إليه في النهاية هو تقديم صورة أكثر عمقاً وتنوعاً عن فلسطين والفلسطينيين، صورة لا تختزلنا في المعاناة وحدها، ولا تفصل هذه المعاناة عن حياتنا، بل تتيح للعالم أن يرى تعدد تجاربنا وحكاياتنا. وفي الوقت نفسه، نريد أن تُشاهد السينما الفلسطينية وتُقدّر بوصفها سينما، بما تحمله من إبداع وجماليات ورؤى فنية، وليس فقط بوصفها شهادة على قضية عادلة.

- إلى أي مدى يمكن اعتبار السينما شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية وحماية الذاكرة؟

ارتبطت السينما الفلسطينية منذ بداياتها بأسئلة الوجود والذاكرة والهوية، لكنني لا أحب اختزالها في تعريف واحد، حتى لو كان «المقاومة» نعم، السينما شكل من أشكال المقاومة الثقافية، خاصة في الحالة الفلسطينية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالسيطرة على الأرض، وإنما أيضاً بالصراع على التاريخ والصورة والرواية، وعلى حقنا في تعريف أنفسنا أمام العالم

لكن قوة السينما لا تكمن فقط في قدرتها على توثيق الانتهاكات أو كشف الظلم. قوتها الحقيقية تكمن أيضاً في قدرتها على استعادة الإنسان من خلف الأرقام والعناوين الإخبارية.

وعندما نشاهد فيلماً عن حياة عائلة فلسطينية، أو عن طفولة في غزة، أو عن ذاكرة مكان لم يعد موجوداً، فنحن لا نشاهد فقط شهادة على حدث سياسي، بل نتعرف إلى عالم كامل من العلاقات والأحلام والتفاصيل الإنسانية.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل العمل على الأرشيف السينمائي مهماً بالنسبة لنا في فيلم لاب، فالأرشيف لا يحمل فقط صوراً لما كان موجوداً، بل يتيح لنا أن نسأل كيف عاش الناس، وكيف رأوا أنفسهم، وكيف تغيرت الأماكن والحياة عبر الزمن.

في غزة اليوم، وبعد الدمار الهائل الذي أصاب الأحياء والبيوت والمؤسسات الثقافية، أصبحت الصور القديمة تحمل معنى إضافياً. قد تكون صورة عائلية أو لقطة من شارع أو مشهد من الحياة اليومية من آخر الشواهد البصرية على مكان تغير أو اختفى ومع ذلك، لا أريد للسينما الفلسطينية أن تصبح أسيرة مهمة إثبات وجودنا. من حقنا أن نصنع أفلاماً عن الحب والخيال والفكاهة والتناقضات الصغيرة؛ أن نظهر حياة كاملة لا صورة واحدة للضحية.

- بعد أكثر من عقد على تأسيس فيلم لاب، كيف تقيّم ما تحقق؟ وهل تغيرت بالفعل خريطة صناعة الأفلام المتعلقة بفلسطين؟

حين بدأنا فيلم لاب فلسطين عام 2014، لم تكن المواهب غائبة؛ فقد سبقتنا تجارب فلسطينية مهمة وصلت إلى العالم. ما كان ينقصنا هو بيئة تسمح للمواهب الجديدة بأن تتعلم وتعمل وتستمر داخل فلسطين، وكنا نفتقر إلى دور السينما، ومساحات التدريب والتطوير، وشبكات الإنتاج، والفرص المهنية المنتظمة. وكان على كل جيل جديد من صناع الأفلام أن يبدأ تقريباً من الصفر، وأن يبني علاقاته وخبراته بصورة فردية

وخلال السنوات الماضية عملنا على مستويات متعددة: تطوير المشاريع السينمائية، وتدريب صناع الأفلام، ودعم الإنتاجات الجديدة، والعمل مع الأطفال واليافعين، وبناء الجمهور، وفتح علاقات مع المؤسسات والمهرجانات والأسواق السينمائية الدولية

كما طورنا إمكانيات تقنية ومهنية، بما فيها مرافق لمرحلة ما بعد الإنتاج، ووسعنا عملنا في مجالات الأرشيف والتربية السينمائية، واليوم هناك جيل أوسع من صناع الأفلام الفلسطينيين، وتنوع أكبر في التجارب والأساليب السينمائية، وحضور دولي أكثر اتساعاً، وفرص جديدة للتعاون والإنتاج المشترك. لكن لا يمكننا القول إننا أصبحنا نمتلك صناعة سينمائية فلسطينية مكتملة

ما زلنا نواجه تحديات التمويل، وحرية الحركة، والوصول إلى المعدات والمواقع، وغياب السوق المحلية المستقرة، وصعوبة الاستمرار المهني لصناع الأفلام.

بالنسبة لي، النجاح الحقيقي أن يتمكن صانع الفيلم الفلسطيني من تطوير مشروعه وإنتاجه وإنجازه وعرضه من دون أن يضطر كل مرة إلى بناء منظومة عمل من الصفر.

- ماذا تغير بعد 2023 فيما يتعلق بصناعة الأفلام الفلسطينية وإتاحة العروض حول العالم؟

كان عام 2023 فاصلاً، ليس في ظروف الإنتاج والعرض وحدها، بل في معنى مسؤوليتنا كمؤسسات سينمائية وثقافية، وجد صناع الأفلام الفلسطينيون أنفسهم أمام واقع شديد القسوة. في غزة، لم يكن الأمر يتعلق بتعطل مشاريع سينمائية فحسب بل بفقدان أرواح ومنازل وأماكن ومواد أرشيفية، وانهيار كثير من الشروط الأساسية التي تسمح للإنسان بالعمل والإبداع

وفي الوقت نفسه، حدث تحول آخر على المستوى الدولي، أصبح هناك اهتمام متزايد بالسينما الفلسطينية، وبدأت مؤسسات وجماعات وجماهير جديدة تبحث عن الأفلام الفلسطينية بوصفها مصدراً لفهم ما يحدث، بعيداً عن التغطيات الإعلامية التقليدية.

لكن هذا الاهتمام حمل تناقضاً واضحاً فمن جهة، توسعت فرص العرض، ومن جهة أخرى، واجه بعض صناع الأفلام والمؤسسات الثقافية تحديات مرتبطة بالرقابة والضغوط السياسية، وبكيفية تقديم الرواية الفلسطينية داخل المؤسسات الدولية

ما تغير أيضاً هو شكل المبادرة الثقافية، لم نعد نعتمد فقط على المهرجانات والمؤسسات السينمائية المعروفة، بل ظهرت شبكات تضامن ثقافي قادرة على تنظيم عروض ونقاشات بصورة مستقلة

ويبقى السؤال: هل يتحول هذا الاهتمام إلى دعم مستمر، أم يتراجع حين تتراجع فلسطين عن عناوين الأخبار؟

بالنسبة لي، التحدي الحقيقي هو تحويل التضامن إلى شراكات إنتاجية، وفرص تمويل وتوزيع، وبرامج تطوير، وعلاقات طويلة الأمد مع المؤسسات السينمائية.

- هل لاحظت تغيراً في استقبال الجمهور العالمي للأفلام الفلسطينية بعد الحرب على غزة؟ وهل زادت قاعات العرض؟

عندما بدأنا العروض عام 2023، لم نكن نتوقع أن تتطور إلى هذا الحجم، لكن ما حدث خلال السنوات التالية كشف عن رغبة حقيقية لدى قطاعات واسعة من الجمهور في مشاهدة الأفلام الفلسطينية، والتعرف إلى فلسطين من خلال أصوات وتجارب فلسطينية.

والأمر اللافت أن الاهتمام لم يعد مقتصراً على الجمهور الذي لديه معرفة مسبقة بالقضية الفلسطينية أو ارتباط سياسي بها. أصبحنا نرى جمهوراً يأتي إلى العروض بدافع الفضول والرغبة في المعرفة، أو لأنه يبحث عن روايات إنسانية لا يجدها في وسائل الإعلام.

وهناك أيضاً تحول في طبيعة النقاشات التي تلي العروض، فالأسئلة لا تتعلق دائماً بالأحداث السياسية المباشرة، بل تمتد إلى التاريخ والهوية والذاكرة والحياة اليومية، وإلى السينما نفسها ولغتها الفنية.

أما قاعات العرض، فقد اتسعت بالفعل شبكة الأماكن التي تستضيف الأفلام الفلسطينية، لكن ينبغي التمييز بين العروض التضامنية والمبادرات المستقلة، وبين التوزيع التجاري المنتظم؛ فما زال أمامنا عمل طويل في المجال الثاني.

ما أعتبره مهماً هو أن نحافظ على هذا الجمهور الجديد، وألا تنتهي علاقته بالسينما الفلسطينية بانتهاء عرض تضامني أو حدث سياسي.

- كيف تنظر إلى علاقة السينما الفلسطينية بالشتات؟

لا يمكن فهم السينما الفلسطينية من دون الشتات فهو ليس موضوعاً للأفلام فحسب، بل جزء من تاريخ هذه السينما وطريقة تشكيلها.

منذ النكبة، تشكلت التجربة الفلسطينية عبر جغرافيات متعددة، وأصبح الفلسطينيون يعيشون تجارب مختلفة من الانتماء والاقتلاع والذاكرة والعلاقة بالمكان وهذا انعكس بصورة مباشرة على السينما.

لدينا أفلام تُصنع داخل فلسطين، وأخرى يصنعها فلسطينيون في المخيمات أو في بلدان اللجوء والهجرة، وتجارب لأجيال ولدت بعيداً عن فلسطين لكنها ما زالت تحمل أسئلة الانتماء والهوية، وما يهمني أن هذه التجارب لا تنتج رواية واحدة متجانسة. هناك اختلافات في الذاكرة واللغة والخبرة الحياتية، وحتى في الطريقة التي يتخيل بها الفلسطينيون وطنهم.

فالسينما تتيح للفلسطيني في الشتات أن يعيد بناء علاقته بالمكان، حتى لو لم يتمكن من زيارته. وفي المقابل، تمنح الفلسطيني الذي يعيش داخل الوطن فرصة للتعرف إلى تجارب الفلسطينيين في أماكن أخرى

لكنني أعتقد أيضاً أن علاقتنا بالشتات يجب ألا تقتصر على موضوعات الأفلام فالشتات الفلسطيني يمتلك خبرات مهنية وشبكات وعلاقات ثقافية وإنتاجية مهمة، ويمكن أن يؤدي دوراً أساسياً في تطوير الصناعة السينمائية الفلسطينية، ومن خلال عملنا في فيلم لاب، نسعى إلى بناء جسور بين صناع الأفلام داخل فلسطين وخارجها، بحيث تصبح هذه العلاقة جزءاً من عملية الإنتاج والتطوير وتبادل المعرفة.

- هل هناك مشروع سينمائي تحلم بإنجازه منذ سنوات ولم تتح لك الظروف ذلك؟

هناك مشروع يرافقني منذ سنوات: أن أنتج أو أخرج فيلماً عن الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وعن الحياة التي عشناها في أواخر الثمانينيات. أشعر أن السينما لم تتوقف بما يكفي عند تلك المرحلة، على أهميتها السياسية والاجتماعية وما تركته في وعي جيل كامل.

وما يشدني إليها ليس الفعل النضالي وحده، بل أيضاً التضامن الاجتماعي والتنظيم الشعبي والتكافل اليومي كانت هناك قدرة لافتة على أن ينظم الناس حياتهم معاً، وأن يشعر كل فرد بأن له دوراً ومسؤولية تجاه الآخرين.

عشت تلك السنوات، وما زالت تفاصيل كثيرة منها قريبة مني: العلاقات بين الناس، وطريقة التعامل مع الخوف، ومعنى أن يصبح الشارع والبيت والمدرسة جزءاً من تجربة جماعية، ثمة حكايات إنسانية لم تُروَ، وصور لا تختصرها مشاهد المواجهة التي بقيت في الذاكرة العامة.

لا أتخيل الفيلم استعادةً بها حنين ولا سرداً للأحداث الكبرى أريده أن يدخل إلى حياة الناس، وأن يسأل كيف تكوّن وعيهم، وما الذي بقي من تلك التجربة فينا اليوم ربما لهذا السبب لم تغادرني الفكرة حتى الآن.

- هل ترى أن المأساة الفلسطينية أصبحت شرطاً ضمنياً لقبول الفيلم الفلسطيني في المهرجانات الدولية؟

لا يمكن التعميم؛ لكل مهرجان توجهاته الفنية وسياسته وبرمجته، وقد تؤثر أجندته الثقافية أو السياسية في ما يختاره لكنني أرى أحياناً توقعاً مسبقاً بأن يقدم الفيلم الفلسطيني صورة بعينها عن المعاناة.

لكن هناك بالتأكيد توقعات مسبقة تحيط بالسينما الفلسطينية في بعض السياقات الدولية، وتتعلق بنوعية الحكايات التي يُنتظر منا تقديمها، ففي كثير من الأحيان، يُنظر إلى الفيلم الفلسطيني من خلال موضوعه السياسي قبل النظر إلى لغته السينمائية، وكأن الفيلم مطالب دائماً بأن يشرح القضية الفلسطينية أو يقدم شهادة على المعاناة.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل المعاناة عن حياتنا شبه العادية السياسة ليست حدثاً خارجياً يمر بنا ثم ينتهي؛ إنها تتدخل في علاقاتنا وأحلامنا وحركتنا وفي أبسط تفاصيل يومنا. لذلك قد يكون فيلم عن الحياة اليومية سياسياً بعمق، حتى من دون خطاب مباشر.

المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الحقيقة إلى قالب جاهز، أو عندما يصبح الألم معياراً غير معلن للاهتمام بالفيلم عندها تضيق مساحة الخيال والاختلاف.

من حق المخرج الفلسطيني أن يصنع فيلماً عن الحب أو العلاقات العائلية أو التناقضات الاجتماعية أو حتى الكوميديا والخيال كما من حقه أن يتناول الاحتلال والاقتلاع والعنف السياسي. المهم أن تنبع الحكاية من رؤيته وتجربته، وليس من توقعات المؤسسات والمهرجانات الدولية.

أتمنى أن تنظر المهرجانات إلى السينما الفلسطينية بكل تنوعها، وأن تحاكم الفيلم فنياً وإنسانياً، لا فقط بحسب ما يؤكده من صورة مسبقة عن فلسطين نحن لا نريد فصل السينما عن واقعها، لكننا لا نريدها أسيرة وجه واحد من هذا الواقع.

- وُلدت في القدس، وهي مدينة محمّلة بالتاريخ والذاكرة والصراع، كيف انعكست هذه المدينة على تكوينك الإنساني والفني؟

القدس بالنسبة لي ليست حجارة ومعالم تاريخية فقط، إنها رائحة وإحساس وأصوات ووجوه؛ مدينة عشتها بحواسي قبل أن أقرأ تاريخها.

ما زلت أتذكر المشي في أزقة البلدة القديمة صباحاً: المحال وهي تفتح أبوابها، حركة الناس، الأصوات والروائح في الأسواق ثم المناسبات الاجتماعية والدينية التي تمنح المدينة إيقاعاً مختلفاً، ذلك التنوع جعلني أكتشف عوالم كثيرة داخل مساحة واحدة.

هذه التفاصيل غذّت خيالي وفضولي تجاه الناس، وعلّمتني أن الحكاية قد تبدأ من مشهد عابر أو صوت مألوف أو لقاء في الشارع. وأن المدينة ليست فقط ما نراه في الصور، بل ما نشعر به ونعيشه كل يوم.

ثم جاءت الانتفاضة الأولى لتشكّل جانباً أساسياً من وعي جيلي، لم يكن الأمر وعياً سياسياً فقط، بل تجربة في الانتماء والتضامن، وفي فهم العلاقة بين الفرد والمجتمع.

وحين شاهدت «عرس الجليل» للمخرج ميشيل خليفي، كانت تلك لحظة مهمة في علاقتي بالسينما: رأيت عالماً أعرفه يتحول إلى صورة وحكاية، واكتشفت أن حياتنا وتفاصيلنا تستحق الشاشة، وأن بإمكاننا روايتها من داخل تجربتنا نحن ربما لهذا بقي المكان والناس والذاكرة في قلب علاقتي بالسينما.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك