الديمقراطيون فى مواجهة ترامب.. أغلبية الكونجرس وحدود تغيير السياسة الأمريكية - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
الجمعة 6 نوفمبر 2026 7:36 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إقالة حسام حسن من القيادة الفنية للمنتخب الوطني؟

الديمقراطيون فى مواجهة ترامب.. أغلبية الكونجرس وحدود تغيير السياسة الأمريكية

نشر فى : الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 6:25 م | آخر تحديث : الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 6:25 م

تكشف نتائج انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى عن تحول سياسى مهم فى موازين القوى داخل واشنطن، بعدما نجح الحزب الديمقراطى فى انتزاع الأغلبية فى مجلسى النواب والشيوخ من الحزب الجمهورى، فى هزيمة انتخابية تحمل دلالات تتجاوز مجرد تغيير السيطرة على المؤسستين التشريعيتين. فالنتائج تمثل، فى جوهرها، تعبيرا عن تراجع التأييد الشعبى للرئيس دونالد ترامب وسياساته، وعن رغبة قطاعات واسعة من الناخبين الأمريكيين فى وضع قيود مؤسسية على أجندته السياسية، خاصة فى ظل تصاعد الاستقطاب الداخلى وتفاقم الخلافات بشأن الاقتصاد والهجرة والحريات العامة وإدارة العلاقات الخارجية والحرب فى الشرق الأوسط. غير أن أهمية هذا التحول لا ينبغى أن تدفع إلى المبالغة فى تقدير قدرة الديمقراطيين على تغيير اتجاهات السياسة الأمريكية، إذ إن امتلاك الأغلبية البرلمانية لا يعنى امتلاك السلطة التنفيذية، ولا يتيح تجاوز الصلاحيات الدستورية الواسعة التى يتمتع بها الرئيس.


نجاح الديمقراطيين فى السيطرة على مجلسى الكونجرس ارتبط، فى المقام الأول، بتحول الانتخابات إلى استفتاء سياسى على أداء ترامب خلال النصف الأول من ولايته الرئاسية الثانية. فقد خاض قطاع مهم من الناخبين الانتخابات انطلاقا من رفضه استمرار السياسات التى تبنتها الإدارة الجمهورية، وليس بالضرورة تعبيرا عن تحول شامل فى اتجاهات الرأى العام لمصلحة الحزب الديمقراطى. وكان واضحا أن ارتفاع تكاليف المعيشة، والقلق بشأن التضخم والاقتصاد، والجدل حول سياسات الهجرة، والمخاوف المتعلقة باستقلال المؤسسات الدستورية وسيادة القانون، قد ساهمت جميعها فى توسيع قاعدة التصويت المعارض للرئيس. وإلى جانب ذلك، لعبت التداعيات السياسية والاقتصادية للحرب الأمريكية مع إيران دورا فى تعميق الاستياء من الإدارة، خصوصا مع اتساع التساؤلات بشأن أهداف الحرب وتكاليفها وانعكاساتها على المصالح الأمريكية.


ويعكس الفوز الديمقراطى أيضا نجاح الحزب فى استعادة القدرة على مخاطبة شرائح انتخابية ومناطق جغرافية لم تكن محسوبة تقليديا على قاعدته الانتخابية بالدرجة نفسها. فقد استطاع الديمقراطيون تحويل الاستياء من إدارة ترامب إلى أصوات انتخابية فى ولايات ومناطق ذات اتجاهات جمهورية راسخة، مستفيدين من حالة التعبئة السياسية التى صاحبت الانتخابات ومن المخاوف بشأن مستقبل المؤسسات الأمريكية. وهنا تكمن إحدى أهم دلالات النتيجة: لم يعد التصويت الديمقراطى محصورا فى التعبير عن الاعتراض على سياسات بعينها، بل أصبح أيضا وسيلة لاستعادة التوازن بين المؤسسات الدستورية ومنع تركز السلطة السياسية فى يد الرئيس وحزبه.


لكن السؤال الأهم يتعلق بكيفية توظيف الديمقراطيين للأغلبية الجديدة. ففى السياسة الداخلية، يمتلك الحزب أدوات مؤسسية وتشريعية واسعة تسمح له بإعاقة أجزاء أساسية من أجندة ترامب. فمجلس النواب يستطيع رفض مشروعات القوانين التى تتبناها الإدارة، وتعطيل التشريعات المتعلقة بالضرائب والإنفاق والهجرة، ومراجعة المخصصات المالية للبرامج الحكومية، وفتح تحقيقات برلمانية موسعة فى أداء المؤسسات التنفيذية. كما تستطيع اللجان المختصة استدعاء المسئولين، وطلب الوثائق والمراسلات، وفحص القرارات الإدارية والمالية التى اتخذتها الإدارة، بما يضع البيت الأبيض أمام رقابة سياسية وقانونية أكثر صرامة مما واجهه خلال العامين السابقين.


• • •
ولا تقل أهمية استعادة الديمقراطيين للأغلبية فى مجلس الشيوخ عن أهمية سيطرتهم على مجلس النواب. فالشيوخ يملك صلاحيات دستورية تتعلق بالموافقة على تعيينات الرئيس لكبار المسئولين فى الإدارة الفيدرالية والقضاة والسفراء، فضلا عن دوره فى التصديق على المعاهدات الدولية. ومن ثم، فإن انتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين يمنحهم قدرة فعلية على تعطيل أو إبطاء تعيين شخصيات يختارها ترامب، وفرض نقاشات ومراجعات أكثر تشددا بشأن مؤهلاتها وتوجهاتها السياسية. وبذلك لن تكون الإدارة قادرة على التعامل مع الكونجرس باعتباره مؤسسة تابعة للأغلبية الحزبية التى ينتمى إليها الرئيس، بل ستجد نفسها أمام مركز مستقل للقرار السياسى والرقابة الدستورية.


كذلك، يستطيع الديمقراطيون استخدام سلطة الموازنة والاعتمادات المالية باعتبارها واحدة من أهم أدوات التأثير فى عمل الإدارة. فالكونجرس هو الذى يقر الإنفاق الفيدرالى، ولا تستطيع السلطة التنفيذية إدارة برامجها وسياساتها بمعزل عن الموارد التى يخصصها المشرعون. ومن هنا يمكن للديمقراطيين وضع شروط على تمويل بعض البرامج، ورفض الاعتمادات المرتبطة بتوسيع سياسات الهجرة، أو تقليص الموارد المخصصة لإجراءات تنفيذية يرون أنها تتجاوز القانون أو تنتهك الحقوق والحريات. كما يمكنهم فرض رقابة أكثر صرامة على كيفية إنفاق الأموال العامة، وعلى مدى التزام الإدارة بالأغراض التى أقر الكونجرس التمويل من أجلها.


وتتجاوز هذه الأدوات مسألة تعطيل التشريعات إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية التى تعمل فيها الإدارة. فالتحقيقات البرلمانية، حتى عندما لا تنتهى إلى إجراءات قانونية مباشرة، تستطيع كشف تناقضات السياسات الحكومية، ورفع الكلفة السياسية للقرارات الرئاسية، وإجبار المسئولين على الدفاع عن خياراتهم أمام الرأى العام. ومن المرجح أن تصبح قضايا تضارب المصالح، واستقلال المؤسسات الرقابية، واستخدام السلطة التنفيذية، واحترام القيود القانونية، موضوعات مركزية فى العلاقة بين الكونجرس والبيت الأبيض خلال العامين المقبلين.


• • •
ومع ذلك، سيكون على الديمقراطيين تجنب تحويل الأغلبية الجديدة إلى مجرد أداة للانتقام الحزبى أو تعطيل كل ما يصدر عن الإدارة الجمهورية. فالناخبون الذين منحوا الحزب القدرة على مراقبة ترامب لا ينتظرون منه بالضرورة شل مؤسسات الحكم، بل يتوقعون أن يقدم بديلا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا قابلا للتنفيذ. وإذا اكتفى الديمقراطيون بالتحقيقات والمواجهات البرلمانية دون بلورة أولويات تشريعية واضحة، فقد يجدون أنفسهم أمام خطر فقدان الزخم الانتخابى الذى حققوه. والأهم أن عليهم المحافظة على وحدة كتلتهم البرلمانية، رغم التباينات الأيديولوجية والسياسية داخل الحزب بين التيارات الأكثر اعتدالا والتيارات التقدمية.


أما فى السياسة الخارجية، فتبدو حدود التأثير الديمقراطى أكثر وضوحا. فالرئيس الأمريكى، بحكم موقعه الدستورى، يمتلك صلاحيات واسعة فى إدارة العلاقات الخارجية، وتوجيه الدبلوماسية، والقيادة العليا للقوات المسلحة، واتخاذ قرارات تتعلق بالأمن القومى واستخدام القوة العسكرية. ومن ثمّ، فإن سيطرة الديمقراطيين على مجلسى الكونجرس لن تعنى تلقائيا قدرتهم على وقف توجهات ترامب الخارجية أو إعادة صياغة الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط وأوروبا والصين وروسيا.


• • •
وتبرز هنا مسألة الفيتو الرئاسى باعتبارها أحد أهم القيود الدستورية على قدرة الأغلبية الديمقراطية. فحتى إذا نجح الديمقراطيون فى تمرير تشريعات تتعارض مع توجهات ترامب فى السياسة الخارجية، يستطيع الرئيس استخدام حق النقض الرئاسى لمنع دخولها حيز التنفيذ. ولا يمكن للكونجرس تجاوز هذا الفيتو إلا بأغلبية الثلثين فى كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وهى أغلبية لا يمتلكها الديمقراطيون، ولا تبدو متاحة فى ظل استمرار الاستقطاب الحزبى الحاد. وبالتالى، فإن امتلاك الأغلبية العادية فى المجلسين لا يكفى لفرض تشريعات على الرئيس إذا قرر استخدام الفيتو، الأمر الذى يحد من فرص إحداث تحول تشريعى جذرى فى السياسة الخارجية الأمريكية.


ولا يعنى ذلك أن الكونجرس الديمقراطى سيكون بلا تأثير فى هذا المجال. فبإمكانه ممارسة الرقابة على القرارات العسكرية والدبلوماسية، واستجواب المسئولين بشأن أهداف العمليات العسكرية وتكاليفها، ومراجعة مبيعات الأسلحة والمساعدات الخارجية، واستخدام سلطاته المالية للضغط على الإدارة. كما يستطيع مجلس الشيوخ تعطيل تعيينات مهمة، وفرض نقاشات بشأن الاتفاقيات الدولية، وإبراز الاعتراضات على سياسات الإدارة فى الشرق الأوسط أو الحرب فى إيران أو التعامل مع الحلفاء الأوروبيين. غير أن هذه الأدوات ستظل فى معظم الحالات أدوات ضغط ومراقبة وإبطاء، وليست بالضرورة أدوات قادرة على فرض تغيير استراتيجى على البيت الأبيض.


• • •
وتتضح هذه المحدودية بصورة خاصة فى الشرق الأوسط. فمن غير المرجح أن تؤدى الأغلبية الديمقراطية وحدها إلى إنهاء الحرب الأمريكية مع إيران أو فرض مسار تفاوضى محدد على ترامب، كما لن تكون كافية لإعادة صياغة السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل أو دول الخليج. يستطيع الديمقراطيون رفع الكلفة السياسية لاستمرار الحرب، ومساءلة الإدارة بشأن شرعيتها وأهدافها وتداعياتها، وممارسة ضغوط بشأن المساعدات العسكرية والقرارات المتعلقة باستخدام القوة، لكن تحويل هذه المواقف إلى قيود تشريعية ملزمة سيظل مرتبطا بقدرتهم على بناء توافق يتجاوز حدود حزبهم، أو بالتوصل إلى تفاهمات مع الإدارة نفسها.


ومن المهم كذلك إدراك أن السياسة الخارجية الأمريكية لا تتحدد فقط من خلال التوازنات الحزبية داخل الكونجرس، بل تتأثر أيضا بالمصالح الاستراتيجية والمؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وبالالتزامات الأمريكية تجاه الحلفاء، وبحسابات المنافسة الدولية. ولذلك لا ينبغى للدول العربية أن تفترض أن انتصار الديمقراطيين سيؤدى تلقائيا إلى تغير جذرى فى الموقف الأمريكى من قضايا المنطقة، أو أن واشنطن ستتخلى عن سياساتها القائمة لمجرد تغير الأغلبية البرلمانية. والأكثر واقعية هو التعامل مع التحول باعتباره فرصة لتوسيع قنوات التواصل مع الكونجرس، وطرح المواقف العربية أمام مؤسساته ولجانه، والاستفادة من المساحات التى تتيحها التباينات السياسية الأمريكية دون بناء رهانات استراتيجية مبالغ فيها عليها.


فى التحليل الأخير، تمثل انتخابات التجديد النصفى انتكاسة سياسية مهمة لترامب، وتفتح أمام الديمقراطيين فرصة حقيقية لإعادة التوازن إلى النظام السياسى الأمريكى والحد من اندفاع السلطة التنفيذية فى المجال الداخلى. لكنها لا تمثل تفويضا ديمقراطيا مفتوحا لإعادة توجيه السياسة الخارجية الأمريكية. فبين أغلبية تستطيع تعطيل التشريعات والتحقيق فى أداء الإدارة، وأغلبية الثلثين اللازمة لتجاوز الفيتو الرئاسى، توجد مسافة دستورية وسياسية واسعة. ومن المرجح أن تكون السنوات المتبقية من ولاية ترامب الثانية ساحة لمواجهة مؤسسية أكثر حدة داخل واشنطن، دون أن يعنى ذلك بالضرورة انقلابا فى أولويات الولايات المتحدة الدولية. وهنا تكمن المفارقة الأساسية: لقد نجح الديمقراطيون فى استعادة الكونجرس، لكنهم لم يستعيدوا البيت الأبيض، ولا يمتلكون بعد الأدوات الدستورية التى تسمح لهم بفرض رؤيتهم الكاملة على الرئيس فى السياسة الخارجية.


أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى

 

عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي
التعليقات