لا يتعلق الخلاف المصرى الإثيوبى بشأن سد النهضة بمجرد النزاع على مشروع لتوليد الكهرباء أو الخلاف حول إدارة منشأة مائية أقامتها دولة من دول حوض النيل. نحن أمام قضية تتصل مباشرة بالأمن القومى المصرى، وبحقوق شعب يعتمد بصورة أساسية على مياه النهر فى الشرب والزراعة والحياة الاقتصادية والاجتماعية، وبمدى قدرة النظام الإقليمى والدولى على إرساء قواعد عادلة تحكم الانتفاع المشترك بالموارد العابرة للحدود. ولذلك فإن استمرار تعثر المفاوضات، وغياب اتفاق ملزم ينظم تشغيل السد فى الظروف المائية المختلفة، لا يمثلان مشكلة ثنائية فحسب، بل يهددان بتحويل مياه النيل إلى مصدر مستدام للتوتر وعدم الاستقرار فى منطقة القرن الإفريقى وشرق إفريقيا.
• • •
من هذا المنطلق، أعتقد أن الوقت قد حان لكى تنتقل مصر إلى مبادرة دبلوماسية أكثر اتساعًا ووضوحًا، تقوم على تشجيع مجموعة من القوى الأوروبية والآسيوية الرئيسية على تشكيل كونسرتيوم للوساطة، يضم ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، إلى جانب اليابان وكوريا الجنوبية. وتتمثل مهمة هذه المجموعة فى إعادة إثيوبيا إلى مائدة المفاوضات، ووضع حد لحالة الجمود، والعمل على التوصل إلى اتفاق يضمن الحقوق والمصالح المصرية، ويحفظ فى الوقت نفسه الحقوق المشروعة لجميع دول حوض النيل، ويمنع تحول موقع أى دولة الجغرافى إلى أداة للهيمنة على مورد مائى مشترك.
إن نقطة الانطلاق المصرية يجب أن تكون واضحة: لا تعترض مصر على حق إثيوبيا فى التنمية، ولا على استخدام مواردها الطبيعية لتوليد الكهرباء وتحسين أحوال مواطنيها. لكن الحق فى التنمية لا يمنح دولة المنبع حقًا مطلقًا فى تقرير كيفية التصرف فى مياه نهر دولى، من دون اتفاق مع الدول التى تعتمد عليها، ومن دون مراعاة الآثار المترتبة على قراراتها فى حياة شعوب أخرى. فالفرق كبير بين الاعتراف بحق إثيوبيا فى الاستفادة من مياه النيل وبين التسليم بحقها فى الانفراد بتحديد قواعد تشغيل سد النهضة، بما فى ذلك فى فترات الجفاف وانخفاض الإيراد المائى.
وتستند المطالب المصرية إلى اعتبارات جغرافية وإنسانية وقانونية لا يجوز تجاهلها. فالمياه بالنسبة إلى مصر ليست موردًا إضافيًا يمكن الاستغناء عنه أو تعويض نقصه بسهولة، وإنما ركيزة للحياة والاستقرار والتنمية. وتقتضى هذه الحقيقة أن يؤخذ الاعتماد المصرى على النيل، واحتياجات السكان، والاستخدامات القائمة، ومخاطر النقص المائى، فى الاعتبار عند صياغة أى تسوية. ولا يعنى ذلك حرمان إثيوبيا أو دول المنبع الأخرى من حقوقها، بل يعنى أن العدالة فى اقتسام منافع النهر لا يمكن أن تتحقق إذا جرى تجاهل الظروف الخاصة بدول المصب أو التعامل معها باعتبارها شأنًا داخليًا لا يخص سوى القاهرة.
• • •
وتوفر قواعد القانون الدولى للمجارى المائية المشتركة أساسًا مهمًا لهذا الموقف، من خلال مبادئ الانتفاع المنصف والمعقول، والتعاون بين دول النهر، واتخاذ التدابير المناسبة لمنع الضرر ذى الشأن. وهذه المبادئ مترابطة، ولا يمكن تطبيقها على نحو سليم من خلال الاستناد إلى حق دولة واحدة فى التنمية مع إغفال مصالح بقية الدول. كما أن تحويل هذه المبادئ إلى ضمانات فعلية يستدعى التفاوض على قواعد تشغيل واضحة، وتبادل منتظم للبيانات، وإجراءات للتعامل مع الجفاف الممتد، وآليات لتسوية الخلافات.
لكن المشكلة المصرية لا تكمن فى غياب الأسس القانونية وحدها، وإنما أيضًا فى عدم نجاح الدبلوماسية حتى الآن فى تحويل المبادئ العامة إلى اتفاق تشغيلى ملزم وقابل للتحقق. ومن هنا تأتى أهمية توسيع دائرة الوساطة، بدلا من الاستمرار فى مسار بات عرضة للتعثر المتكرر. فالمفاوضات التى لا تفضى إلى قواعد محددة، ولا تضمن احترام الالتزامات المتبادلة، تتحول بمرور الوقت إلى غطاء لاستمرار الخلاف بدلًا من أن تكون طريقًا إلى حله.
• • •
ولدى ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، إلى جانب اليابان وكوريا الجنوبية، مجموعة من الأدوات التى يمكن توظيفها فى هذا الاتجاه. فهذه الدول تمتلك وزنًا دبلوماسيًا واقتصاديًا، وتربطها بإثيوبيا علاقات تعاون تنموى واستثمارى وتمويلى وتكنولوجى. ومن الأمثلة الدالة على ذلك إعلان الاتحاد الأوروبى، فى أبريل 2026، استئناف الدعم المباشر للموازنة الإثيوبية وإتاحة حزمة تمويل تتجاوز 140 مليون يورو لدعم مجالات تشمل الطاقة والصحة والاتصال وتحسين مناخ الأعمال. وتوضح هذه الخطوة أن العلاقات الاقتصادية ليست مجرد خلفية للعلاقات السياسية، بل يمكن أن تمثل أحد عناصر التأثير فى حسابات الدول وأولوياتها.
والمطلوب من مصر أن تقترح على هذه العواصم تنسيق جهودها ضمن كونسرتيوم واضح التفويض، يتولى الوساطة بين القاهرة وأديس أبابا، بالتشاور مع السودان، ويعمل فى إطار متكامل مع الاتحاد الإفريقى والأمم المتحدة، بدلًا من منافسة الآليات القائمة أو إضعافها. وينبغى أن تبدأ المبادرة بمشاورات مصرية مع كل دولة على حدة، تتبعها اجتماعات لصياغة تفويض مشترك يتضمن أهداف الوساطة والجدول الزمنى ومضمون التسوية المطلوبة.
ولا ينبغى أن يكون هذا الكونسرتيوم إطارًا لإعلان التأييد السياسى للموقف المصرى ثم الاكتفاء بذلك. إن قيمته الحقيقية ستتحدد بقدرته على دفع إثيوبيا إلى مفاوضات جادة، وباستخدام ما تمتلكه الدول المشاركة من علاقات اقتصادية وتمويلية وتشجيع للاستثمار من أجل جعل التوصل إلى تسوية عادلة مصلحة عملية لجميع الأطراف. ويمكن، فى هذا السياق، ربط بعض أوجه الدعم المستقبلى المخصص للتعاون الاقتصادى والمشروعات الإقليمية بتحقيق تقدم تفاوضى ملموس، من دون تحويل المساعدات الإنسانية إلى أداة للعقاب الجماعى، أو الإضرار بالاحتياجات الأساسية للمواطنين الإثيوبيين.
• • •
فى المقابل، تستطيع مجموعة الوساطة تقديم حوافز إيجابية لإثيوبيا، تشمل دعم مشروعات الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة استخدام المياه، وتطوير نظم الإنذار المبكر، وتعزيز الربط الكهربائى والتعاون الزراعى بين دول الحوض. وبهذا تصبح التسوية جزءًا من تصور أوسع للمنافع المشتركة، بدلًا من تقديمها باعتبارها انتصارًا مصريًا أو تراجعًا إثيوبيًا. فالمطلوب ليس منع التنمية فى دولة المنبع، وإنما منع تحولها إلى مسار أحادى يترك دول المصب أمام مخاطر لا تملك أدوات كافية للتعامل معها.
ويجب أن يتركز عمل الكونسرتيوم على اتفاق محدد العناصر: قواعد تشغيل السد فى الظروف العادية، وترتيبات واضحة فى فترات الجفاف والجفاف الممتد، والتبادل الإلزامى للبيانات المائية والتشغيلية، وآلية مشتركة للرصد الفنى، وإجراءات لتسوية النزاعات بآجال زمنية محددة. ويجب كذلك أن يظل السودان طرفًا أساسيًا فى المفاوضات، نظرًا إلى مصالحه المائية وتأثره المباشر بتشغيل السد، وألا تتحول الوساطة إلى ترتيبات ثنائية تتجاهل بقية دول النيل أو مصالحها.
وتستطيع مصر أن تعزز فرص نجاح هذه المبادرة بتأكيد أنها لا تسعى إلى احتكار القرار بشأن النهر، بل إلى بناء نظام للتعاون يمنع احتكار أى دولة له. فالدعوة المصرية ينبغى أن تقوم على قاعدة أن حقوق دول المنبع والمصب ليست بالضرورة متعارضة، وأن تحقيق التنمية فى إثيوبيا لا يتطلب تعريض الأمن المائى المصرى للخطر. لكن بلوغ هذه النتيجة يستدعى الاعتراف بأن التعاون لا يقوم على الثقة وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى قواعد معلنة، والتزامات محددة، وشفافية فى تبادل المعلومات، وآليات عملية للتعامل مع الخلافات.
ولمصر، فى هذا السياق، ما يسند مطالبتها القوى الأوروبية والآسيوية بالتحرك. فقد اضطلعت القاهرة بأدوار فى الوساطة وتسوية الأزمات فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتحملت مسئوليات إقليمية ودولية فى ملفات تمس الأمن والاستقرار. وليس من المبالغة القول إن قضايا الأمن المائى تستحق هى الأخرى اهتمامًا دوليًا يتناسب مع آثارها المحتملة على الاستقرار والتنمية. وقد جاء الوقت لكى تستخدم مصر رصيدها الدبلوماسى فى حشد شركاء قادرين على المساهمة فى إنهاء الجمود، لا من خلال تبنى رواية طرف واحد، وإنما عبر الدفاع عن تسوية عادلة تحترم القانون الدولى والمصالح المشروعة لجميع دول الحوض.
• • •
إن تشكيل كونسرتيوم أوروبى – آسيوى للوساطة لن يحل الأزمة تلقائيًا، ولن تكون له قيمة ما لم تتوافر الإرادة السياسية لدى أعضائه لتحويل النفوذ الدبلوماسى والاقتصادى إلى جهد متصل ونتائج قابلة للقياس. لكنه يمكن أن يوفر لمصر مسارًا إضافيًا، أكثر تنسيقًا، لإعادة المفاوضات إلى مسار منتج، ولمنع استمرار التسويف من أن يصبح بديلًا دائمًا عن التسوية.
وفى النهاية، فإن الدفاع عن الحقوق المصرية فى مياه النيل ليس موقفًا تفاوضيًا عابرًا، وإنما مسئولية تتصل بأمن الدولة ومستقبل المجتمع وحقوق الأجيال المقبلة. ولا ينبغى أن تقبل مصر بأن يصبح الأمر الواقع بديلًا عن القانون، أو أن يتحول موقع إثيوبيا عند المنبع إلى أساس لفرض إرادة منفردة على بقية دول النهر. إن المطلوب هو تسوية تضمن الأمن المائى المصرى، وتحفظ حق إثيوبيا فى التنمية، وتراعى مصالح السودان وسائر دول الحوض، وتضع الجميع أمام التزامات واضحة. وعلى القوى الأوروبية والآسيوية التى تمتلك أدوات للتأثير فى أديس أبابا أن تدرك أن مساهمتها فى هذه التسوية ليست خدمة لطرف ضد آخر، بل استثمار فى الاستقرار الإقليمى وفى مبدأ أساسى: لا تنمية مستدامة لدولة على حساب الأمن المائى المشروع لدولة أخرى.
أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى