مصر والسعودية وتركيا فى مواجهة مشروع إيران التفتيتى - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
الجمعة 9 أكتوبر 2026 7:24 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

مصر والسعودية وتركيا فى مواجهة مشروع إيران التفتيتى

نشر فى : الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 6:20 م | آخر تحديث : الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 6:20 م

 

لم يعد ممكنا النظر إلى الدور الإيرانى فى الشرق الأوسط باعتباره مجرد سياسة خارجية لدولة إقليمية تسعى إلى حماية مصالحها أو توسيع نفوذها. فقد تجاوز الأمر، خلال العقود الأخيرة، حدود التنافس التقليدى بين الدول، وأصبحنا أمام نمط من السلوك الإقليمى يعتمد على بناء شبكات من القوى المسلحة غير الدولتية، واختراق مؤسسات الدول الوطنية، واستثمار الانقسامات المجتمعية والسياسية، وتحويل ساحات عربية متعددة إلى ميادين للصراع بالوكالة. وهذه هى الزاوية التى أراها ضرورية لفهم ما يمكن وصفه بالدور الإيرانى التفتيتى فى الشرق الأوسط.

• • •

ولا تعنى هذه القراءة تبنى خطاب عدائى تجاه إيران أو تجاه الشعب الإيرانى، ولا تعنى إنكار حق إيران فى أن تكون دولة إقليمية ذات مصالح وأمن ومكانة. المشكلة تتعلق بطبيعة الأدوات التى استخدمتها طهران لتحقيق مصالحها، وبخاصة حين تصبح الميليشيات المسلحة بديلا عن الدولة، وحين تتحول الانقسامات الطائفية والمذهبية إلى موارد سياسية، وحين تستخدم الجغرافيا العربية كمساحة للضغط على الخصوم الإقليميين والدوليين.

لقد نشأت فى العراق ولبنان واليمن وساحات أخرى تشكيلات مسلحة مرتبطة بدرجات متفاوتة بإيران، وأصبح لبعضها قدرة على التأثير فى القرار السياسى والأمنى للدولة. وفى الحالة اليمنية، يكشف التطور الأخير للخطر بصورة أكثر وضوحا، إذ تحولت جماعة الحوثى من فاعل محلى إلى قوة قادرة على تهديد أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية وضرب الأراضى السعودية. وقد شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدا حادا فى المواجهة مع الحوثيين، بما فى ذلك تهديد باب المندب، الأمر الذى يؤكد أن ظاهرة الوكلاء المسلحين لم تعد مسألة داخلية تخص دولة عربية بعينها، وإنما أصبحت قضية أمن إقليمى ودولى.

الأخطر فى هذا النمط أن الميليشيا لا تكتفى بمنافسة الدولة على السلطة، وإنما تعيد تعريف مفهوم السيادة نفسه. فالدولة التى تحتكر السلاح وتحدد السياسة الخارجية وتدير الحدود والممرات البحرية يمكنها، رغم أزماتها، أن تكون طرفا مسئولا فى العلاقات الدولية. أما عندما توجد داخل الدولة قوة مسلحة تستطيع اتخاذ قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الوطنية، فإن الدولة تفقد جزءا أساسيا من قدرتها على حماية مواطنيها وعلى الالتزام بتعهداتها الإقليمية والدولية.

وهنا تحديدا تكمن خطورة الدور الإيرانى التفتيتى. فالمشكلة ليست فقط فى النفوذ الإيرانى، وإنما فى تحويل النفوذ إلى بنية موازية للدولة. إيران تستطيع أن تتعامل مع حكومات عربية منتخبة أو غير منتخبة، وأن تنافسها سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا؛ لكن عندما يصبح السلاح خارج سلطة الدولة، يصبح التنافس الإقليمى عاملا من عوامل تفكيك الدولة ذاتها.

ومن الخطأ، فى المقابل، التعامل مع هذه المشكلة باعتبارها صراعا سنيا-شيعيا. مثل هذا التفسير يضر بالعرب وبالمنطقة، كما يختزل المشكلة فى بعدها المذهبى ويمنح السياسة الإيرانية فرصة لإعادة تقديم نفسها باعتبارها مدافعة عن جماعات مذهبية. القضية الأساسية هى قضية الدولة والسيادة واحتكار القوة المسلحة. وهى قضية ينبغى أن تشمل العرب وإيران وتركيا وإسرائيل وسائر دول المنطقة على قدم المساواة.

• • •

من هنا تأتى أهمية الدور المصرى. فمصر لا تحتاج إلى الانخراط فى حرب مفتوحة مع إيران، ولا ينبغى أن تبحث عن مواجهة عسكرية مباشرة معها. ما تحتاجه هو سياسة نشطة للدفاع عن مفهوم الدولة الوطنية وعن أمن الدول العربية وعن حرية الملاحة وعن عدم تحويل الممرات الاستراتيجية إلى أوراق ابتزاز فى الصراعات الإقليمية.

تمتلك القاهرة مقومات فريدة للقيام بهذا الدور. فهى الدولة العربية الأكبر من حيث الوزن السياسى والمؤسسى، وصاحبة موقع جغرافى يربط الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط، كما أنها صاحبة خبرة طويلة فى الوساطة وإدارة الأزمات. وقد أظهرت القاهرة خلال أزمة الحرب الأمريكية -الإيرانية فى 2026 قدرتها على استخدام القنوات الدبلوماسية الهادئة للمساعدة فى احتواء التصعيد.

والدور المصرى المطلوب، فى تقديرى، ينبغى أن يقوم على ثلاث دوائر مترابطة. الدائرة الأولى هى حماية الأمن العربى، وخصوصا أمن البحر الأحمر وقناة السويس، بالتنسيق مع السعودية والدول العربية المشاطئة. والدائرة الثانية هى الدفاع عن الدولة الوطنية فى العراق واليمن ولبنان وسوريا، بما يعنى دعم المؤسسات الرسمية فى مواجهة أى قوة مسلحة تعمل خارجها. أما الدائرة الثالثة فهى الدفع نحو ترتيب أمنى إقليمى لا يقوم على المحاور العسكرية، بل على قواعد واضحة لعدم استخدام القوة، واحترام السيادة، وتسوية النزاعات بالوسائل الدبلوماسية.

• • •

أما السعودية، فدورها مختلف بحكم موقعها الجغرافى والسياسى. المملكة هى الدولة العربية الأكثر تعرضا بصورة مباشرة لتداعيات النفوذ الإيرانى، سواء عبر الخليج أو العراق أو اليمن. ولذلك لا تستطيع الرياض تجاهل خطر الميليشيات المرتبطة بإيران، ولا سيما عندما تتحول إلى أدوات لاستهداف المدن والمنشآت الاقتصادية والمطارات والممرات البحرية السعودية. وقد أظهرت الهجمات الحوثية الأخيرة على السعودية أن التهديد لم يعد افتراضيا، بل بات يمس الأمن الوطنى السعودى مباشرة.

لكن قوة الموقف السعودى لا ينبغى أن تقاس بعدد الضربات العسكرية التى يمكن توجيهها للحوثيين أو لأى قوة أخرى، وإنما بقدرة المملكة على بناء ترتيبات إقليمية تمنع تكرار إنتاج هذه التهديدات. وهذا يعنى الجمع بين الردع والدبلوماسية، وبين حماية الحدود والمصالح الحيوية وبين معالجة جذور الأزمات السياسية التى تسمح للميليشيات بالتمدد.

وهنا تتقاطع المصالح المصرية والسعودية بصورة واضحة. فالقاهرة تحتاج إلى استقرار الخليج والبحر الأحمر، والرياض تحتاج إلى استقرار البحر الأحمر والعالم العربى. ومصر والسعودية معا تستطيعان الانتقال من منطق رد الفعل على الأزمات إلى بناء تصور عربى للأمن الإقليمى.

وتأتى تركيا لتضيف بعدا مهما إلى هذا التصور. فأنقرة ليست دولة عربية، لكنها قوة إقليمية رئيسية، ولها مصالح مباشرة فى العراق وسوريا والخليج والبحر الأحمر، كما أنها تملك قدرات سياسية وعسكرية واقتصادية تجعلها لاعبا لا يمكن تجاهله فى أى ترتيبات مستقبلية للأمن الشرق أوسطى. وقد دعت تركيا خلال 2026 إلى تعزيز قدرة دول المنطقة على معالجة أزماتها بنفسها والحد من الاعتماد المفرط على القوى الخارجية.

والأهم أن التعاون المصرى - السعودى - التركى يمكن أن يقدم نموذجا مختلفا عن التحالفات التقليدية. فالمطلوب ليس إنشاء حلف موجه ضد إيران، ولا إقامة محور سنى فى مواجهة محور شيعى، وإنما بناء كتلة من الدول الإقليمية الرئيسية تدافع عن مجموعة من القواعد: الدولة الوطنية، السيادة، عدم التدخل، رفض الميليشيات العابرة للحدود، حرية الملاحة، وتسوية النزاعات عبر التفاوض.

وهذا يفسر أهمية التشاور الذى جمع مصر والسعودية وتركيا وباكستان خلال 2026. فقد أكدت هذه الدول، فى اجتماعاتها، أن التعاون بينها يستهدف السلام والأمن والاستقرار والازدهار، وأن الحوار والدبلوماسية هما الطريق إلى حلول مستدامة. كما شددت فى اجتماع نيويورك فى سبتمبر على دعم أمن السعودية فى مواجهة الهجمات الحوثية.

هذه الصيغة يمكن تطويرها إلى نواة لعملية أمن إقليمى أوسع. ويمكن لمصر أن تدفع باتجاهها من موقع الدولة التى لا تسعى إلى الهيمنة، وللسعودية أن توفر لها الثقل العربى والخليجى، بينما تستطيع تركيا أن توفر بعدا إقليميا إضافيا يمنع اختزال الترتيبات الأمنية فى إطار عربى أو مذهبى ضيق.

• • •

وفى هذا السياق ينبغى أن تكون الرسالة إلى إيران واضحة ولكن غير عدائية: إن المنطقة لا تستطيع قبول استمرار سياسة بناء الوكلاء المسلحين وتقويض الدول العربية، لكنها فى الوقت نفسه لا تريد إقصاء إيران من الإقليم ولا تسعى إلى تغيير نظامها السياسى. المطلوب هو تغيير السلوك الإقليمى، لا تغيير النظام الإيرانى. وهذا هو الفارق بين سياسة الاحتواء الإقليمية وسياسة الحرب. فالاحتواء يعنى منع إيران من استخدام الميليشيات لتغيير موازين القوى داخل الدول العربية، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا. ويعنى كذلك تقديم حوافز لإيران إذا قبلت بقواعد جديدة للعلاقات الإقليمية، تماما كما ينبغى أن تكون هناك كلفة سياسية واقتصادية وأمنية واضحة إذا واصلت سياسة تقويض الدول واستخدام الوكلاء.

وفى المقابل، ينبغى ألا تقع مصر والسعودية وتركيا فى الخطأ نفسه الذى وقعت فيه قوى دولية وإقليمية أخرى، أى الاعتقاد بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على إنتاج الأمن. التجارب العراقية واليمنية والسورية واللبنانية تؤكد أن الحروب تستطيع تدمير القدرات، لكنها لا تنتج بالضرورة دولا مستقرة. بل إن الفراغ الناتج عن انهيار الدولة كثيرا ما يخلق البيئة المثالية لنمو الميليشيات.

لذلك فإن مواجهة الدور الإيرانى التفتيتى لا تبدأ من طهران وحدها، وإنما من داخل الدول العربية نفسها. كلما كانت مؤسسات الدولة قوية، وجيوشها موحدة، ونظمها السياسية قادرة على إدارة التنوع المجتمعى، تراجعت قدرة أى قوة خارجية على اختراقها. وكلما ضعفت الدولة وانقسم مجتمعها السياسى، أصبحت أكثر قابلية للتحول إلى ساحة نفوذ إقليمى.

من هنا أرى أن مصر والسعودية وتركيا أمام فرصة تاريخية. فالحروب المتتالية فى الشرق الأوسط كشفت فشل الاعتماد المفرط على القوى الخارجية، كما كشفت أن الأمن لا يمكن أن يستقر فى ظل تنافس إقليمى مفتوح واستخدام مستمر للوكلاء المسلحين. وقد دفع ذلك بالفعل إلى ظهور مشاورات إقليمية جديدة تبحث عن إطار أكثر استقلالا للأمن والاستقرار.

• • •

المطلوب الآن هو الانتقال من التشاور إلى بناء قواعد. قواعد تمنع تفتيت الدول، وتضع حدا لاستخدام الميليشيات، وتحمى الممرات البحرية، وتمنع فرض الأمر الواقع بالقوة، وتفتح المجال أمام التسويات السياسية. وفى إطار كهذا يمكن أن تصبح إيران جزءا من النظام الإقليمى، ولكن على أساس احترام سيادة الدول وعدم استخدام الوكلاء المسلحين لتغييرها من الداخل.

إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب جديدة ضد إيران، كما لا يحتاج إلى تسليم أمنه لإيران أو لأى قوة إقليمية أخرى. ما يحتاجه هو نظام أمنى إقليمى جديد تتوازن فيه القوى، وتحكمه قواعد، وتكون فيه الدول، لا الميليشيات، هى وحدات النظام الإقليمى الأساسية.

وهنا يمكن لمصر والسعودية وتركيا أن تؤدى أدوارا متكاملة: مصر تقود سياسيا ودبلوماسيا، والسعودية توفر الثقل العربى والخليجى، وتركيا تضيف وزنا إقليميا واستراتيجيا. وإذا نجحت الدول الثلاث فى تحويل هذا التعاون إلى عملية أمن إقليمية مفتوحة، فإنها لن تواجه الدور الإيرانى التفتيتى فحسب، وإنما ستساهم فى معالجة أحد جذور أزمة الشرق الأوسط: غياب نظام إقليمى قادر على حماية الدول من بعضها ومن التدخلات الخارجية ومن القوى المسلحة التى تعمل خارج إطار الدولة.

وهذا، فى النهاية، هو الطريق الأكثر واقعية للخروج من منطق الحروب والمحاور: ليس هزيمة إيران، ولا محاصرة تركيا، ولا إبعاد القوى الكبرى، وإنما بناء شرق أوسط تكون فيه السيادة للدولة، والأمن مسئولية إقليمية، والدبلوماسية بديلا دائما عن الحرب.

أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى

عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي
التعليقات