خطورة الرهان الأمريكى والإيرانى على عسكرة الشرق الأوسط - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
الجمعة 25 سبتمبر 2026 8:58 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

خطورة الرهان الأمريكى والإيرانى على عسكرة الشرق الأوسط

نشر فى : الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 7:15 م | آخر تحديث : الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 7:15 م

كشفت الحرب الأمريكية - الإيرانية الراهنة عن حقيقة لا يجوز تجاهلها: أزمة الشرق الأوسط ليست فقط فى تعدد الصراعات، وإنما فى غياب نظام أمنى إقليمى قادر على منعها من التحول إلى حروب مفتوحة. فمنذ سنوات، تتعامل دول المنطقة مع أمنها من خلال القوة العسكرية والتحالفات والردع المتبادل والاستقواء بالقوى الخارجية، بينما تتراجع الدبلوماسية والتفاوض والوساطة إلى مرتبة الأدوات الثانوية التى لا يتم اللجوء إليها إلا بعد اندلاع الحروب. والنتيجة هى شرق أوسط أكثر تسلحًا وأقل أمنًا، وأكثر اعتمادًا على القوى الخارجية وأقل قدرة على إدارة شئونه بنفسه.
الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تقدم المثال الأوضح على هذه المعضلة. فمن ناحية، لا يمكن تجاهل أن إيران أسهمت على مدى عقود فى تقويض الاستقرار الإقليمى من خلال تدخلاتها فى الدول العربية، ودعمها قوى وميليشيات مسلحة خارج إطار الدولة الوطنية، وتطوير قدراتها الصاروخية والنووية، واستخدام أدوات عسكرية وأمنية للضغط على خصومها وجيرانها. ولم تعد هذه السياسة مجرد مصدر للقلق السياسى، بل تحولت إلى واقع أمنى يهدد دولًا عربية ويضع أمن الخليج والبحر الأحمر والمشرق العربى أمام مخاطر متزايدة.
لقد أثبتت التجربة أن الرهان الإيرانى على النفوذ المسلح خارج الحدود لا يؤدى إلى بناء أمن مستدام لإيران نفسها، بل إلى إنتاج بيئة إقليمية من انعدام الثقة والتوتر المستمر. وحين تصبح الميليشيات جزءًا من أدوات السياسة الخارجية، وحين تستخدم الصواريخ والطائرات المسيرة والتهديدات البحرية للضغط على الخصوم، فإن الحدود بين الحرب والسلم تصبح أكثر هشاشة، وتجد الدول المجاورة نفسها مضطرة إلى إعادة حساباتها الأمنية بصورة دائمة.
لكن الاعتراف بمسئولية إيران عن جانب مهم من الأزمة لا يبرر التغاضى عن مسئولية الولايات المتحدة عن الجانب الآخر. فالولايات المتحدة، بوصفها القوة العالمية الأكبر والدولة الأكثر قدرة على التأثير فى النظام الدولى، اختارت اللجوء إلى الحرب المباشرة بدلًا من الاستمرار فى توظيف أدوات الضغط السياسى والاقتصادى والتفاوضى. وهذا الاستخدام للقوة لا يطرح فقط سؤال الجدوى، وإنما يطرح كذلك سؤال الشرعية الدولية.
فاللجوء إلى القوة العسكرية فى العلاقات الدولية لا يمكن أن يصبح حقًا مفتوحًا للدول الأقوى. وإذا كان النظام الدولى قد قام، نظريًا على الأقل، على قواعد تحظر استخدام القوة ضد سيادة الدول وسلامتها الإقليمية، فإن تجاوز هذه القواعد من جانب قوة عظمى يضعفها بالنسبة إلى الجميع. وما ينبغى أن يقلق الدول العربية هنا ليس فقط ما إذا كانت الضربة الأمريكية قد حققت هدفًا عسكريًا محددًا، وإنما ما إذا كان من مصلحة المنطقة أن تصبح الحرب أداة عادية لإدارة الخلافات بين الدول.
هذه نقطة جوهرية، لأن الشرق الأوسط لا يعانى من نقص فى القوة العسكرية. على العكس، هو أحد أكثر أقاليم العالم تسلحًا، وتوجد فيه قوى عسكرية كبيرة، وترسانات صاروخية، وقدرات جوية متقدمة، وقواعد عسكرية أجنبية، وانتشار بحرى واسع. ومع ذلك لم ينتج كل هذا الأمن. أنتج مزيدًا من الخوف والشك والاستعداد للحرب.
• •
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: إيران تقول إن قدراتها العسكرية ضرورية لحماية أمنها فى مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وإسرائيل تقول إن تفوقها العسكرى ضرورى لحماية أمنها من إيران وغيرها، والولايات المتحدة تقول إن وجودها العسكرى ضرورى لحماية حلفائها وردع خصومها، بينما تقول دول عربية إن عليها زيادة قدراتها العسكرية لمواجهة الأخطار المحيطة بها. وهكذا تدخل المنطقة فى دائرة مغلقة: كل طرف يزيد قدراته بحجة حماية أمنه، فيشعر الطرف الآخر بتهديد أكبر، فيزيد بدوره قدراته، فتتراجع فرص الثقة والتسوية.
ولا يمكن كسر هذه الدائرة بالمزيد من السلاح وحده.
ما تحتاجه المنطقة هو الانتقال من مفهوم الأمن القائم على الردع المتبادل والتحالفات العسكرية إلى مفهوم الأمن الجماعى. والفرق بين الاثنين أساسى. فالتحالف العسكرى يقوم عادة على مواجهة تهديد محدد أو خصم محدد، بينما يقوم الأمن الجماعى على قاعدة مختلفة: أمن دولة ما لا ينبغى أن يتحقق على حساب أمن الدول الأخرى، وأن استخدام القوة ضد دولة عضو يمثل تهديدًا للنظام الإقليمى بأكمله.
وهذا هو الدرس الذى ينبغى استخلاصه من الحرب الحالية. فلا يكفى أن تتوقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. المطلوب هو أن تؤدى هذه الحرب إلى مراجعة أوسع لطريقة إدارة الأمن فى الشرق الأوسط.
وفى تقديرى، تستطيع مصر والسعودية أن تضطلعا بالدور العربى المركزى فى هذه المراجعة. وليس المقصود إنشاء حلف عسكرى عربى جديد أو تشكيل جبهة عربية ضد إيران، كما لا ينبغى أن يكون الهدف بناء ترتيب أمنى يستبدل الهيمنة الأمريكية بهيمنة قوة أخرى. المطلوب هو بناء قدرة عربية على المبادرة، وعلى وضع قواعد للأمن الإقليمى، وعلى إدارة الخلافات مع القوى الإقليمية من موقع سياسى ودبلوماسى عربى أكثر تماسكًا.
تمتلك مصر مقومات خاصة تؤهلها لهذا الدور: موقعها الجغرافى الذى يربط الخليج والبحر الأحمر والمشرق والمتوسط، وخبرتها الطويلة فى الوساطة والتفاوض، وعلاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، فضلًا عن كون أمنها الوطنى مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط.
وتملك السعودية، فى المقابل، وزنًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا لا يمكن تجاهله، إلى جانب موقعها المركزى فى الخليج والعالم العربى. ولذلك فإن التعاون المصرى - السعودى يمكن أن يشكل نقطة ارتكاز لمسار عربى أوسع، ينضم إليه لاحقًا الأردن ودول الخليج والعراق وغيرها، ويهدف إلى صياغة رؤية عربية للأمن الإقليمى بدل الاكتفاء برد الفعل على حروب الآخرين.
ولا ينبغى أن يبدأ هذا المسار من أكثر الملفات تعقيدًا، وإنما من قواعد ومبادئ يمكن الاتفاق عليها تدريجيًا: احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، الامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، عدم استهداف المنشآت المدنية والاقتصادية، احترام حرية الملاحة والممرات المائية الدولية، عدم دعم الجماعات المسلحة التى تعمل خارج مؤسسات الدولة الوطنية، وإنشاء قنوات اتصال مباشرة بين القيادات العسكرية والأمنية لمنع سوء التقدير والانزلاق غير المقصود إلى الحرب.
• •
وبعد بناء قدر من الثقة يمكن الانتقال إلى الملفات الأصعب: البرنامج النووى الإيرانى، الصواريخ والطائرات المسيرة، الوجود العسكرى الأجنبى، أمن الخليج والبحر الأحمر، ومستقبل العلاقات بين إيران والدول العربية. ولا بد هنا من التأكيد أن الأمن الجماعى لا يعنى تجاهل السلوك الإيرانى المزعزع للاستقرار، وإنما يعنى التعامل معه من خلال قواعد جماعية وآليات تفاوضية تجعل تغيير هذا السلوك جزءًا من عملية أمنية إقليمية أوسع.
كما أن الأمن الجماعى لا يمكن أن يتجاهل إسرائيل. فإذا كان الهدف بناء نظام أمنى شرق أوسطى حقيقى، فلا يمكن أن تبقى المنطقة أسيرة التفوق العسكرى الإسرائيلى وسياسات استخدام القوة، فى الوقت الذى يُطلب فيه من الدول الأخرى ضبط سلوكها. كما أن استمرار القضية الفلسطينية دون حل عادل ومستدام سيظل أحد المصادر الأساسية لعدم الاستقرار الإقليمى. ولذلك فإن الأمن الإقليمى لا ينفصل عن تسوية الصراع العربى - الإسرائيلى على أساس إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
وفى المقابل، ينبغى أن تكون العلاقة مع الولايات المتحدة جزءًا من هذه الرؤية الجديدة، ولكن على أساس مختلف. الولايات المتحدة تظل قوة دولية ذات مصالح وقدرات كبيرة فى الشرق الأوسط، ولا مصلحة للدول العربية فى قطع علاقاتها بها. لكن هناك فارقًا بين الشراكة وبين الاعتماد الكامل. والدول العربية التى تريد حماية أمنها على المدى الطويل تحتاج إلى تطوير قدراتها الذاتية وإلى بناء ترتيبات إقليمية تستطيع من خلالها إدارة أزماتها دون انتظار قرار واشنطن أو أى عاصمة خارج المنطقة.
لقد أظهرت الحرب الأمريكية - الإيرانية أن الاعتماد على القوة الخارجية لا يلغى المخاطر، وإنما يمكن أن يجعل الدول العربية أكثر عرضة لتداعيات صراعات الآخرين. كما أظهرت أن السلوك الإيرانى القائم على النفوذ المسلح واستخدام القوة خارج الحدود لا يمكن أن يستمر دون ردود فعل إقليمية ودولية خطيرة. لكن الدرس الأهم هو أن استمرار هذه المعادلة لن يقود إلى الأمن، وإنما إلى حروب جديدة.
لذلك فإن السؤال الذى ينبغى أن تطرحه الدول العربية الآن ليس: كيف نستعد للحرب المقبلة؟ بل: كيف نبنى نظامًا إقليميًا يقلل احتمال اندلاعها أصلًا؟
هذا هو الاختبار الحقيقى للدبلوماسية العربية فى المرحلة المقبلة. فبدل أن تظل مصر والسعودية وغيرهما من الدول العربية فى موقع المتلقى لتداعيات الحروب التى تشنها قوى إقليمية ودولية، تستطيعان الانتقال إلى موقع المبادرة، وطرح عملية أمن جماعى شرق أوسطية تبدأ عربيًا ثم تتوسع إقليميًا، وتضع قواعد واضحة لاستخدام القوة، وتمنح التفاوض والوساطة موقعًا مركزيًا فى إدارة الصراعات.
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب جديدة لكى يثبت أن القوة لا تصنع الأمن. لقد أثبتت العقود الماضية ذلك بما يكفى. ما يحتاجه هو تغيير قواعد اللعبة نفسها: من منطق التحالفات العسكرية إلى الأمن الجماعى، ومن الردع إلى الوقاية من الصراع، ومن التدخل الخارجى إلى المسئولية الإقليمية، ومن الميليشيات والقوة المسلحة إلى الدولة الوطنية، ومن إدارة الأزمات بعد انفجارها إلى الدبلوماسية الوقائية قبل انفجارها.


أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى

عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي
التعليقات