سياج النار الذى يحيط بمصر من ثلاث جبهات يفرض عليها تحديات تمثل عبئًا ثقيلًا على القائمين على تأمين حدودنا الشرقية والغربية والجنوبية، فى وقت يشهد فيه الإقليم ومنطقة البحر الأحمر صراعات متعددة تنغمس فيها قوى إقليمية تلعب لصالح قوى دولية، فى نطاق صراع أكبر على الثروات والنفوذ الدولى على المسرح العالمى فى العديد من المناطق الملتهبة.
تمكنت مصر فى السنوات الماضية من اجتياز اختبار عمليات تهريب الأسلحة والعناصر الإرهابية عبر الحدود الغربية مع ليبيا، ودفعنا من مقدراتنا الكثير لحماية تلك الجبهة التى تسللت من خلالها عناصر إجرامية سعت إلى إحداث حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، قبل أن يتم القضاء على تهديداتها المضرة بعمليات عسكرية وأمنية ناجحة.
فى ظل مواجهة تهديدات الجبهة الغربية، كانت سيناء فى الشرق مسرحا لملاحقة عناصر الإرهاب التى استهدفت قوات الجيش والشرطة، وطال إرهابها المدنيين فى العريش وقرى الشيخ زويد، قبل أن يتم القضاء عليها، مع دفع فاتورة باهظة من الرجال والأموال.
وعلى الرغم من أن اجتياز اختبار مواجهة الإرهاب فى سيناء كان حدثا مهما، فإن الحدث الأهم كان مجابهة المخططات الإسرائيلية لتهجير أهالى غزة إليها، ومحاولة تل أبيب تصدير تداعيات فشلها الأمنى عقب «طوفان الأقصى» فى 7 أكتوبر 2023، وما تبع ذلك من عمليات قتل وإبادة جماعية للفلسطينيين فى القطاع، لإجبارهم على ترك أرضهم، وهو ما لم يتم بفضل ثباتهم على ترابهم الوطنى.
أعلنت مصر أن تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء «خط أحمر» لا يمكن قبوله، ووقفت ضد المحاولات الإسرائيلية بمساندة ودعم أمريكى صريح فى فترات ومستتر فى أوقات أخرى، وهو ما أفشل المساعى الإسرائيلية! حتى الآن، للتخلص من سكان غزة بالتهجير إلى دول الجوار أو المنافى البعيدة، وبما يسهم فى القضاء على القضية الفلسطينية، وتحقيق الأحلام التوراتية لقوى اليمين المتطرف فى إقامة «إسرائيل الكبرى».
وقبل أن يهدأ الوضع قليلًا، كانت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واتساع الدائرة إلى اليمن ولبنان، وهى عدة معارك فى حرب واحدة، طالت شظاياها وتداعياتها مصر بصورة أو بأخرى، ولا تزال، خصوصًا على الصعيد الاقتصادى.
وفى الجنوب، كانت مصر أمام اختبار صعب مع اشتعال الحرب فى السودان بين ميليشيات «الدعم السريع» والقوات المسلحة النظامية، تلك الحرب حولت حدود مصر الجنوبية إلى ساحة خطر وتهديد بتسلل عناصر إرهابية قد تندس ضمن تدفق مئات الآلاف من الفارين من كوارث حرب أهلية، لا تزال تداعياتها مستمرة حتى هذه اللحظة.
استقبلت مصر، مع احتدام الصراع، خاصة فى دارفور والخرطوم، بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع، ملايين اللاجئين، وفق بعض التقديرات، الذين استقبلتهم المدن المصرية على اختلاف مواقعها الجغرافية، وتركزت الأعداد فى القاهرة الكبرى وأسوان.
حاولت مصر المساعدة قدر استطاعتها، لكن يبدو أن يد القوى التى تعبث فى المنطقة تريدها حربًا مستعرة. وفى الأيام الأخيرة، ظهرت يد الفتنة للوقيعة بين الشعبين، بعد أن تسللت إلى حدود مصر مع السودان فى الصحراء الشرقية جحافل من المنقبين العشوائيين عن الذهب أو «الدهابة»، بما يمثلونه من مصدر تهديد، ليس بالاستيلاء على ثروات تعدينية فقط، بل بما قد يرافقهم من عناصر إجرامية وإرهابية تشكل خطرًا للأمن القومى المصرى.
هنا، ووفق بيان المتحدث باسم القوات المسلحة، انطلقت المرحلة الثالثة لمكافحة التنقيب غير المشروع عن خام الذهب بالصحراء الشرقية، «وذلك بعد إلقاء المنشورات التحذيرية على العناصر الإجرامية لفرض كامل السيادة داخل حدود الدولة المصرية وحماية مقدراتها وثرواتها القومية».
ويبدو أن تحرك مصر لتأمين حدودها كانت فرصة لبعض المتربصين لإطلاق حملة شعواء عبر مواقع التواصل الاجتماعى، وبث أحقاد دفينة، ونشر روح الكراهية بين الشعبين الشقيقين، وحديث به قليل من الحقائق المبثوثة وسط تلال من الأكاذيب، فى تحريض راح ضحيته اثنان من سائقى الشاحنات المصريين فى الخرطوم.
وللأسف، انساقت بعض الفضائيات العربية التى تبث من هذه المدينة أو تلك وراء شائعات جرى تغليفها فى قوالب تدعى المهنية، لسكب المزيد من الزيت على النار، وهو ما يجب الانتباه إليه، فحق الجيرة والتاريخ المشترك بين المصريين والسودانيين يجب ألا يكون مادة للأهواء والاصطياد فى الماء العكر.
ندعو العقلاء إلى أن يعوا خطورة الأصوات التى ترفع عقيرتها بكلمات أشبه بالحق، الذى يراد به الباطل، وأبدا لن يكون «الدهابة» حصان طروادة لانتقال الفوضى عبر الحدود.