خرجت بريطانيا، اعترفت أم لم تعترف، من معركة قنصليتها العامة فى القدس المحتلة بنصف رضوخ، ونصف آخر لحفظ ماء الوجه، وفضلت لندن الانحناء مؤقتا لعاصفة التصعيد الإسرائيلية التى كانت تطالب بإغلاق كامل للقنصلية التى تعود إلى عام 1839، وظلت مستقلة عن سفارة صاحب الجلالة الملك فى تل أبيب، وتمثل الحكومة البريطانية فى القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.
اختارت بريطانيا حلا أقل من وسط يضمن بقاء القنصلية فى حى الشيخ جراح بالقدس المحتلة ولكن بمسمى جديدة هو «البعثة البريطانية» وليس القنصلية العامة البريطانية، مع تخفيض عدد أفراد البعثة من 27 دبلوماسيا إلى 7 فقط، وغضت تل أبيب النظر عن بقاء العلم البريطانى مرفوعا فوق المبنى، بعد أن كانت تطالب بإغلاق كامل للمكان.
التسوية التى تم التوصل إليها الخميس الماضى بين تل أبيب ولندن، استهدفت تجنب التصعيد بين الطرفين الذى تفاقم بعد قرار إسرائيلى صدر فى 8 سبتمبر الماضى، بإغلاق القنصلية خلال 30 يوما، ردا على إجراءات بريطانية استهدفت منتجات المستوطنات الإسرائيلية فى الضفة الغربية المحتلة، فى إجراءات قالت بريطانيا إنها تأتى فى إطار موقفها من التوسع الاستيطانى ودعم حل الدولتين.
الأزمة وفق بعض التقاريرالإعلامية أثارت، قبل نزع فتيلها، مخاوف إسرائيلية من رد بريطانى، قد يشمل طرد دبلوماسيين إسرائيليين من لندن، قبل أن تفضى الاتصالات بين الجانبين إلى التفاهم الأخير.
وزير الخارجية الإسرائيلى جدعون ساعر قبل سويعات من انتهاء مهلة الثلاثين يوما التى لوح بها فى 8 سبتمبر الماضى لإغلاق القنصلية البريطانية فى 8 أكتوبر، قال بعد التفاهم مع البريطانيين إن القنصلية البريطانية ستنهى عملها بصيغتها الحالية، مع بقاء 7 دبلوماسيين لمواصلة العمل من المبنى ضمن نطاق محدود.
فى المقابل وزير الخارجية البريطانى إد ميليباند حاول تخفيف الوقع السلبى الناتج عن التفاهمات مع الإسرائيليين بقوله إن مبنى القنصلية لن يغلق، وسيعرف اعتبارا من (الخميس 8 أكتوبر) باسم «البعثة البريطانية فى القدس»، وسيواصل العمل بصورة مستقلة وتقديم الخدمات، مشيرًا إلى أن بريطانيا ستعيد تعزيز حضورها خلال الأشهر المقبلة.
فلسطينيًا ندد نائب الرئيس الفلسطينى حسين الشيخ، بالإجراءات الإسرائيلية غير القانونية بحق القنصلية البريطانية العامة فى القدس وطاقمها، معتبرا هذه الإجراءات تدخلا مرفوضا فى عمل البعثات الدبلوماسية، ومحاولة لفرض السيادة الإسرائيلية على القدس المحتلة، وهى أرض فلسطينية محتلة منذ عام 1967، ولا تملك إسرائيل أى سيادة عليها.
يعتبر البعض أن إسرائيل حصلت فى معركة القنصلية العامة فى القدس المحتلة على مظهر سيادى عبر إجبار بريطانيا على إنهاء المسمى القديم للقنصلية وتقليص عدد الدبلوماسيين، بينما يرى البعض الآخر أن بريطانيا حققت هدفها الأهم وهو استمرارية عمل البعثة جغرافيا وسياسيا فى القدس المحتلة دون إخضاعها للسفارة فى تل أبيب، غير أنه لا يجادل أحد فى أن لندن تراجعت خطوة إلى الخلف.
نتذكر أن رئيس الوزراء البريطانى السابق، كير ستارمر، أعلن فى 21 سبتمبر 2025 اعتراف المملكة المتحدة بدولة فلسطين، فى خطوة جاءت بعد نحو 75 عاما من إعلان اعترافها بإسرائيل.
يومها ظن البعض، أن «بريطانيا العظمى» ربما تكفر عن جريمة الاعتراف بدولة الصهاينة على تراب فلسطين، بوعد بلفور المشئوم عام 1917، واعتقد بعض العرب أن الوقت حان لتتخلى بريطانيا عن مسك العصا من المنتصف، لكن القبول بحل أقل من الوسط فى معركة القنصلية يجعلنا لا نعول كثيرا على صمود القوى الغربية فى وجه المستوطنات الإسرائيلية فى الوقت الراهن.
فقد هددت واشنطن قبل نهاية الأسبوع الماضى، بفرض عقوبات تجارية وتعريفات جمركية على بريطانيا ودول أوروبية بسبب قرار لندن حظر استيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية فى الضفة الغربية. وقالت صحيفة «تليجراف» البريطانية فى تقرير لها إن الشركات البريطانية الملتزمة بمقاطعة المستوطنات قد تواجه إجراءات عقابية محلية فى بعض الولايات الأمريكية.
وقالت هارميت ديلون، مساعدة المدعى العام الأمريكى، حسب الصحيفة البريطانية، إن أى دولة تشارك فى حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات ضد إسرائيل «ستواجه خطر التعرض لعقوبات انتقامية أو مماثلة، ما دام الرئيس ترامب فى السلطة».
ومع وجود الغطاء الأمريكى الدائم لصالح إسرائيل، انحنت بريطانيا للعاصفة فى معركة القنصلية، فهل ستنحنى مرة أخرى فى معركة حظر منتجات المستوطنات؟ ننتظر لنرى.