نازا - بشير عبد الفتاح - بوابة الشروق
الإثنين 21 سبتمبر 2026 7:24 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

نازا

نشر فى : الإثنين 21 سبتمبر 2026 - 6:05 م | آخر تحديث : الإثنين 21 سبتمبر 2026 - 6:05 م

استلهمت عنوان مقالى اليوم من اسم الفيلم الوثائقى، الذى أطلق عاصفة مروعة تربك الداخل الإسرائيلى هذه الأيام. وتشير «نازا» إلى اختصار لعبارة فى اللغة العبرية، تستخدمها الأوساط العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، للدلالة على «الأضرار الجانبية»، التى تطال الأعيان المدنية، كالمنازل، والمتاجر، والمستشفيات، والمدارس، والجامعات ودور العبادة. علاوة على تقديرات لأعداد المدنيين المتوقع استشهادهم أو إصابتهم، على وقع الهجمات العسكرية العدوانية، التى يقترفها جيش الاحتلال. بما يضعه تحت طائلة المساءلة والمحاسبة، بموجب قانون الحرب، والقانون الدولى الإنسانى.


بينما رشحه بعض النقاد لنيل جائزة «الأسد الذهبى» لأفضل فيلم؛ بعدما حظى بموجة تصفيق جماهيرى حارة، دامت 25 دقيقة، إثر عرضه الأول؛ وهى أطول مدة تصفيق قوبل بها فيلم طيلة تاريخه. منح مهرجان البندقية السينمائى الدولى، «الموسترا»، أعرق مهرجانات الفن السابع، التى يعرفها عالمنا؛ فى دورته الثالثة والثمانين، يوم العاشر من سبتمبر الحالى، جائزة لجنة التحكيم الخاصة، للفيلم الوثائقى الجديد «نازا». ذلك، الذى يمتد لثمانين دقيقة، وتم تصويره فوق أسطح منازل إسرائيلية فى جنح الظلام، على مدى سنوات ثلاث؛ وأخرجه الصحفيان الإسرائيليان الحائزان جائزة أوسكار للعام المنقضى، عن فيلمهما «لا أرض أخرى»، الذى يتناول عنف المستوطنين بالضفة الغربية المحتلة، يوفال أبراهام، وراحيل تسور.


يتناول «نازا» جرائم الإبادة الجماعية، التى ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلى، بقطاع غزة، والتى راح ضحيتها زهاء مائة ألف شهيد، جلهم من الأطفال، والنساء والمسنين؛ فيما أصيب أكثر من 174 ألف شخص، كما دمر 90% من البنية التحتية للقطاع. وذلك إثر استخدام الذكاء الاصطناعى فى تحديد الأهداف، واتخاذ قرار الاستهداف بناءً على احتمالات؛ حتى تم ضربها رغم وجود أعداد غفيرة من المدنيين. وهى الجرائم، التى أعرب أبراهام، عن أسفه لغياب أى نقاش موضوعى حولها فى الداخل الإسرائيلى، جراء حظر السلطات الخوض فيها. وخلال خطاب تسلمه الجائزة، قال أبراهام: «نؤمن بأن إنكار الجريمة هو ما يساعد على استمرارها. لذا، يتعين على الإسرائيليين مشاهدة الفيلم، لأن بلدنا هى التى ترتكب الجرائم. فيما أكد ضباط الاستخبارات، الذين أدلوا بشهاداتهم لصناع الفيلم، أن عمليات القتل الجماعى المتكررة، ممنهجة وليست عرضية. حيث تتم بدم بارد، ونتاج تخطيط مسبق؛ بما فيها الممارسات اللاأخلاقية الرامية إلى تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم». وفيما يعد إدانة وتوثيقًا لاستمرار حرب الإبادة الإسرائيلية فى غزة، أكد أن الاحتلال قتل ما لا يقل عن عشرة أطفال فلسطينيين فى القطاع، منذ انطلاق فعاليات دورة المهرجان الحالية، فى الثانى من الشهر الحالى.


استند الفيلم الوثائقى المثير، إلى شهادات وروايات أدلى بها عسكريون وعناصر استخبارات إسرائيليون، آثروا عدم الكشف عن هوياتهم. من بينهم عاملون فى وحدة الاستخبارات العسكرية 8200. وهى إحدى أهم وحدات مديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إذ تعد الذراع الاستخباراتية الأشد سرية داخل جيش الاحتلال على الإطلاق. وقد تأسست منتصف القرن العشرين، وتضطلع بمهام التنصت، وفك التشفير، واعتراض الاتصالات، بهدف إيصال المعلومات الإلكترونية والتحذيرات للقيادة المركزية وهيئة الأركان. كما تعتبر المصدر الأساس لما يُعرف بـ«البنوك الرقمية للأهداف»، التى تُستخدم فى تحديد ما يُقصف؟ ومتى؟!


تزامن عرض الفيلم وما استتبعه من جدل عاصف، داخل إسرائيل وخارجها، مع اقتراب إجراء الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة فى 27 أكتوبر المقبل. فيما تبقى حرب الإبادة، التى شنتها إسرائيل على غزة والضفة عقب هجوم حماس فى السابع من أكتوبر 2023، قضية محورية فى توجيه تفاعلات المشهد السياسى الداخلى. فمن جانبه، لجأ نتنياهو ومؤيدوه إلى نظرية المؤامرة، محاولين استدعاء فرضية أن يكون الفيلم، حلقة فى مسلسل الحملة الانتخابية الموجهة ضدهم. كون الفيلم يعيد توجيه أنظار الجمهور الإسرائيلى نحو فشل السلطات فى توقع ومنع وقوع عملية «طوفان الأقصى». كما يستدعى النقاش حول طريقة إدارة نتنياهو، للحرب على غزة، فى لحظة سياسية بالغة الحساسية بالنسبة له. إذ تتراجع شعبيته ويتآكل حضور حزبه، فى مواجهة خصومه السياسيين على مشارف الاستحقاق البرلمانى.


لم يتورع صناع الفيلم عن تذكير الجميع، لاسيما الإسرائيليين، بأن جانبًا من المعلومات الواردة فيه، سبق توثيقه فى تصريحات وتهديدات لكبار المسئولين الإسرائيليين، كما نشر فى تحقيقات صحفية بالصحف الإسرائيلية السيارة. ومن ثم، لم تكن السينما وحدها، هى التى فضحت جرائم الحرب الإسرائيلية فى غزة؛ إذ سبق لمنظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية البارزة، وعلى رأسها مركز «بتسيلم»، انتقاد السياسات الحكومية والعسكرية الإسرائيلية، إلى حد وصف ما يجرى فى غزة والضفة بـ«الإبادة الجماعية»، و«التطهير العرقى» و«الفصل العنصرى». ويبرز فى هذا السياق، التقرير الشهير لمنظمة «بتسيلم» بعنوان «إبادتنا»، الذى أكد أن العمليات العسكرية فى غزة تجاوزت قواعد الحرب، وسقطت فى براثن التدمير الممنهج للمجتمع الفلسطينى ومقومات الحياة فيه.


تطرح أزمة «نازا» تساؤلات مثيرة بشأن حرية التعبير، والإبداع، وحدود النقد داخل دولة، طالما روجت لسردية أنها واحة الديمقراطية المتفردة فى صحراء الشرق الأوسط المتسلطة. ففيما يبدو وكأنه توحيد لشتات الإسرائيليين على مشارف استحقاق برلمانى مصيرى؛ فجر الفيلم، طوفانًا سياسيًا عارمًا داخل المستويات السياسية، والعسكرية والإعلامية؛ توالت بين ثناياه التهديدات والملاحقات لصناعه وذويهم. وبعدما اعتبر نتنياهو الفيلم فصلًا فى موجة عالمية من التحريض ضد اليهود، والتوجه الكونى المعادى للسامية. أبدى عزمه الدفع بمشروع قانون يهدف إلى إسقاط الجنسية عمن يشوهون سمعة جيش الاحتلال، الذى يعتبره الأكثر أخلاقية عالميًا. بدورها، أدانت قيادات الجيش الفيلم، كما انتقدت اعتماد المخرجين على مصادر مجهولة الهوية، ولا يمكن التحقق من مشاركتها فى العمليات العسكرية داخل غزة. وبينما اعتبر الأمر هزة حقيقية فى مكانة الجيش ومنظومته الاستخباراتية؛ أمر رئيس الأركان، إيال زامير، بفتح تحقيق فورى لتحديد هوية مسرّبى المواد السرية المستخدمة فى إنتاج الفيلم. كما كلف المدعى العسكرى العام بدراسة إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية بحق القائمين على صناعته. من جانبه، دعا وزير الثقافة، ميكى زوهار، الذى اتهم مخرجى الفيلم بـ«الخيانة»، إلى سحب الجنسية منهما. وطالب جهاز الأمن الداخلى بالتحقيق العاجل بشأن المصادر المجهولة، التى استند إليها. أما على صعيد المعارضة، فقد أدان غادى آيزنكوت، منافس نتنياهو، الأبرز فى الانتخابات المقبلة، الفيلم، الذى ارتآه يشكل مساسًا بدولة إسرائيل فى وقت عصيب. وعقب إدانته الفيلم، اتهم زعيم حزب الديمقراطيين، يائير غولان، نتنياهو، باستغلال المسألة برمتها، لصرف الأنظار عن الانتقادات المتعلقة بسوء تعاطيه مع أزمة السابع من أكتوبر 2023.


لما كان الفيلم يؤكد مقولة «وشهد شاهد من أهلها»؛ أدرك نتنياهو أنه سيفاقم التشوهات، التى علقت بالسردية الإسرائيلية عالميًا، منذ أكتوبر 2023. كما سيقوض مساعى حكومته لمعالجة تلك التشوهات؛ سواءً عبر تعيين سفيرة معنية بالدبلوماسية العامة والثقافية، رئيسة جديدة لجهاز الدعاية «الهسباراة»، أو من خلال تخصيص اعتمادات مالية ضخمة لبرامجها ومخططاتها الرامية إلى توجيه الرأى العام العالمى لخدمة المصالح الإسرائيلية. فقد جيّش مختلف مؤسسات البلاد السياسية، والعسكرية والدبلوماسية لاحتواء أصداء أزمة الفيلم. وفى حين يجرى تنفيذ حملة إعلامية واسعة بمشاركة هيئة الإعلام الوطنية، والمتحدث العسكرى وعدد من الوزارات الحكومية؛ عممت وزارة الخارجية على سفاراتها وبعثاتها حول العالم، وثيقة إرشادية تحدد آليات التعامل مع التداعيات الإعلامية والسياسية للفيلم. كما تتهمه بقلب الحقائق رأسًا على عقب، للقدح فى إنسانية دولة الاحتلال وأخلاقية جيشها. وتعتبره عملًا خياليًا يُستخدم، بحسب الرواية الإسرائيلية، غطاءً للدعاية السوداء، التى تسوقها حركة حماس.

 

بعدما تشبع بأفكار يمينية موغلة فى التطرف، خلال السنوات الماضية؛ تفاعل الشارع الإسرائيلى، سلبًا، مع الأجواء الملتهبة. حيث تجمهر متظاهرون، بقيادة الناشط اليمينى المتطرف، مردخاى ديفيد، المقرب من وزير الأمن القومى اليمينى المتطرف، إيتمار بن غفير، أمام منازل صناع الفيلم، وأطلقوا التهديدات والهتافات المعادية. وفى مدينة أسدود الساحلية، ظهرت على أحد الجدران صورة للمخرجين، تعلوها كلمة «خونة». كما هاجم رسام الجداريات، دودى شوفال، المخرجين الموجودين حاليًا خارج البلاد، مؤكدًا أنه لا يكن أى تعاطف، على الإطلاق، تجاه كل من ينتقدون إسرائيل من خارجها، ويظهرون تعاطفًا مع الفلسطينيين. وفى مسعى منهم للتهوين من شأن الفيلم، والتهكم على عنوانه، «نازا»، أو «الأضرار الجانبية». انبرى مثقفون متصهينون، وسياسيون يمينيون متطرفون؛ فى الادعاء بأن التداعيات السلبية المحتملة، التى يمكن للفيلم أن يلحقها بصورة إسرائيل عالميًا، لن تتعدى كونها محض «أضرار جانبية».

التعليقات