تشى تجارب التاريخ بأن الولايات المتحدة، حينما تستنفد خياراتها فى حروب مفتوحة، ممتدة وعصية على الحسم؛ لا تتورع عن استخدام أقصى درجات القوة الغاشمة، توسلًا منها ببلوغ الحسم العسكرى المستعصى، وتجنيب قواتها خسائر مادية وبشرية هائلة؛ جراء التورط فى مواجهات برية، ضمن سياق حرب قد يطول أمدها ويتسع نطاقها.
فى أغسطس 1945، لم تتورع إدارة الرئيس الأسبق، هارى ترومان، عن استخدام السلاح النووى ضد اليابان، للمرة الأولى والوحيدة فى التاريخ، حتى الآن. وذلك بعدما رفضت الإمبراطورية اليابانية الاستسلام الكامل وغير المشروط، وفقًا لما نص عليه إعلان «مؤتمر بوتسدام»، قبلها بشهر واحد. فبموازاة استعراض التفوق العسكرى الكاسح، وإيصال رسائل ردع لموسكو؛ آثرت القيادة الأمريكية تجنب خسائر بشرية هائلة فى صفوف قواتها، حال انخراطها فى غزو برى مباشر للبر الرئيسى اليابانى، على ضوء المعارك الضارية، مثل إيو جيما وأوكيناوا. وبمجرد إلقاء القنبلتين النوويتين على مدينتى هيروشيما وناجازاكى، أعلنت طوكيو استسلامها رسميًا فى الثانى من سبتمبر 1945، مسطرة بذلك نهاية فعلية للحرب العالمية الثانية.
إبان ولايته الرئاسية الأولى، أضحى ترامب أول رئيس أمريكى يأمر باستخدام قنبلة «جى بى يو 43/بى»، المعروفة إعلاميًا بـ«أم القنابل». فحينئذ، أجاز للجيش عام 2017 إسقاط أقوى قنبلة غير نووية فى الترسانة العسكرية الأمريكية، على مواقع لتنظيم «داعش» داخل أفغانستان. استهدفت شبكة من الأنفاق المحصنة تحت الأرض، كان التنظيم يستخدمها لشن هجمات على القوات الحكومية. وقد أسفرت الضربة عن مقتل 36 مقاتلًا من التنظيم، وتدمير ثلاثة أنفاق تحت الأرض، ومستودعات أسلحة وذخائر. ووقتذاك، مثَّل القصف تحولًا لافتًا فى نهج ترامب، الذى كان ينتهج سياسة خارجية انعزالية، تتبنى شعار «أمريكا أولًا» خلال حملته الانتخابية الأولى.
ما أشبه اليوم بالبارحة! حيث يهيمن الجمود الدبلوماسى والتيبس العسكرى على مشهد الحرب الأمريكية الإيرانية. فبرغم الخلل فى موازين القوى، ووطأة الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية، يرفض الإيرانيون الاستسلام، أو تقديم تنازلات فى المفاوضات. وفى ظل استعصاء الحسم العسكرى جوًا وبحرًا، يحتاج الأمريكيون إلى إنزال برى ومواجهة على الأرض الإيرانية من أجل تحقيق أهداف الحرب، التى يتسع نطاقها جغرافيًا وزمانيًا. وهو الخيار الذى يستبعده ترامب، تجنبًا لخسائر بشرية فادحة فى صفوف قواته. ومثلما استسلمت اليابان إثر تعرضها للقصف بالقنابل النووية عام 1945، فيما وضعت الحرب الكونية الثانية أوزارها، بينما ادعى ترامب الانتصار فى أفغانستان عقب استخدام «أم القنابل» عام 2017؛ يتطلع ترامب إلى إعادة إنتاج التجربة فى إيران هذه الأيام. فبناءً على توجيهاته، طور الجيش الأمريكى خططًا جديدة لاستئناف العمليات القتالية ضد إيران، سواء قبل انتخابات التجديد النصفى للكونجرس، أو بعدها. تتضمن دراسة إمكانية استخدام «أم القنابل» مجددًا، ضد بنى تحتية للطاقة، ومنشآت نووية محصنة تحت الأرض وفى أعماق الجبال. لا سيما موقع «جبل الفأس»، الذى تعتقد الولايات المتحدة وإسرائيل أن طهران خزنت فيه مكونات من برنامجها النووى، حتى بعد تعليق العمليات الحربية فى وقت سابق من العام الجارى.
بدراسته معاودة استخدام «أم القنابل»، قبل سحب قواته من نطاق المسئولية التابع للقيادة المركزية الأمريكية؛ يلتمس ترامب نهاية حاسمة لحرب إيران، تخوله إعلان الانتصار. فإذا ما نجح فى إعادة مضيق هرمز إلى سيرته الأولى، ربما يتقبل عدم تحقيق الضربة المرتقبة جميع الأهداف التى برر بها الحرب. حيث ذكرت «سى إن إن» أن كبار مسؤولى الإدارة والمخططين العسكريين يركزون، منذ أسابيع، على إيجاد مخرج من الحرب، يتيح للرئيس إدراك نصر «رمزي»، يمكنه تسويقه إعلاميًا للأمريكيين؛ بما يبرر سحب القوات من المنطقة سريعًا. حيث تتعاظم المطالبات الداخلية بإنهاء الحرب، التى يتآكل التأييد الشعبى لها، بسبب تعاظم كلفتها وتداعياتها المؤلمة، مع تضاؤل فرص تسويتها تفاوضيًا، بما يقوض فرص الجمهوريين فى الفوز بانتخابات التجديد النصفى المقبلة.
لطالما حرص ترامب على نسج سردية متماسكة لتبرير حرب إيران. فلم يستنكف عن التفزيع من صواريخها الباليستية والفرط صوتية، التى يمكن أن تطال الأراضى الأمريكية، مع اقترابها من إنتاج قنابل نووية يمكن تحميلها على تلك الصواريخ. ولطالما حذر من مخاطر استخدام إيران السلاح النووى إذا ما تسنى لها الحصول عليه. وفى خطابه بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لأحداث 11 سبتمبر 2001، اعتبر ترامب حرب إيران «ثمنًا بسيطًا» للحفاظ على أمن الولايات المتحدة والعالم. ومؤخرًا، لم يتردد فى التفزيع من احتمال شن إيران هجمات على مدينتى لوس أنجلوس وسان دييجو، بولاية كاليفورنيا، التى تعد معقلًا للديمقراطيين.
يحتدم الجدل بشأن مدى فاعلية «أم القنابل» فى استهداف المنشآت النووية الإيرانية المدفونة على أعماق بعيدة. فالقنبلة الموجهة بنظام تحديد المواقع العالمى (جى بى إس) ليست مصممة كرأس حربى مخصص لااختراق الأعماق. الأمر الذى يسلبها القدرة على تدمير المنشآت النووية فى موقع «جبل الفأس»، المحصن بطبقات من الجرانيت؛ فضلاً عن مثيلاتها التى لم تجهز عليها ضربات القاذفات الاستراتيجية الشبحية من طرازى «بى-1» و«بى-52». ناهيك عن المخاوف من أن تفضى انفجارات القنبلة، زنة عشرة أطنان والقادرة على تدمير مساحة تعادل تسعة مربعات سكنية، إلى سقوط ضحايا مدنيين، لا سيما إذا استهدفت منشآت تقع قرب مناطق مأهولة بالسكان.
على الجانب الآخر، تهدد إيران برد عنيف من خلال «أبو الصواريخ» أو «أبو القنابل»، المتمثل فى صواريخ «كروز» وصواريخ باليستية فرط صوتية، ذكية، متعددة الرؤوس، دقيقة التوجيه، وذات قدرات تفجيرية عالية؛ حيث يزعم الحرس الثورى نجاحه فى مضاعفة أعداد صواريخه، وزيادة مداها وقدرتها التدميرية ودقتها فى إصابة الأهداف. فيما تؤكد تقارير غربية حديثة احتفاظ إيران، رغم قسوة الضربات الأمريكية الإسرائيلية ضدها، بقدرات تصنيع وتطوير الصواريخ والمسيرات، عبر نقل منشآت تصنيعها إلى مواقع محصنة داخل الجبال وتحت الأرض. مع دعم من برنامج روسى سرى لمساعدتها على تطوير صواريخ «كروز» أسرع من الصوت، ومساندة روسية صينية بصور للأقمار الاصطناعية، وتكنولوجيا ووسائل متطورة للتصنيع العسكرى.
يعتقد مسؤولون أمريكيون أن «أم القنابل» قد تمنح ترامب خيارًا عسكريًا تصعيديًا إضافيًا لكسر الجمود السياسى والعسكرى فى الصراع ضد طهران، من دون الاضطرار إلى استئناف العمليات القتالية الشاملة. بيد أنها لن تجبر الإيرانيين على استسلام ربما يمنحه نصرًا استراتيجيًا. حيث يجمع الخبراء على أن هزيمة إيران، بصورة لا تقبل التشكيك، لن تتأتى إلا من خلال حرب شاملة، تتخللها عمليات برية. وهو أمر استبعده ترامب، كونه سيفاقم الخسائر البشرية فى صفوف القوات الأمريكية. ومثلما واجه مسؤولون عسكريون أمريكيون استجوابات بشأن المبرر الاستراتيجى لاستخدام قنبلة تزن 21,600 رطل فى أفغانستان عام 2017، من المرجح أن تصطدم إدارة ترامب بتحقيقات جادة، هذه الأيام، حول الجدوى الاستراتيجية لمعاودة استخدام «أم القنابل» ضد إيران.
ربما يتعامل ترامب مع «أم القنابل» بوصفها سلاحًا نفسيًا، يتمخض استخدامه عن اضطرار النظام الإيرانى إلى الرضوخ للإملاءات الأمريكية. فلقد تم تصميمها خلال حرب العراق عام 2003، باعتبارها سلاحًا نفسيًا، يتوسل الترويج الإعلامى للحسم العسكرى. وهى تعتمد على نظرية الانفجار الجوي؛ إذ تنفجر قبل اصطدامها بالأرض، لتوليد انفجار هائل ينتشر فى جميع الاتجاهات، بحيث يؤدى إلى بث الرعب فى صفوف القوات العراقية، والضغط عليها للاستسلام أو الامتناع عن القتال من الأساس. وكان من المفترض استخدام تلك القنبلة الرهيبة ضد تجمعات كثيفة من القوات والمعدات العسكرية، أو المخابئ المحصنة فوق سطح الأرض. لكن نطاق استخدامها المحتمل توسع لاحقًا، ليشمل أهدافًا مدفونة تحت طبقات أقل صلابة، مثل الكهوف والأنفاق.
من شأن فشل «أم القنابل» فى إجبار الإيرانيين على الاستسلام، أو حملهم على تقديم تنازلات تفاوضية؛ طرح تساؤلات مثيرة بشأن صدقية القدرة الردعية والزجرية للتفوق العسكرى الأمريكى. فإذا ما قرر استخدامها، سيكون ترامب قد استنفد جميع خياراته العسكرية التقليدية فى حربه على إيران. ولن يتبقى له سوى التفكير فى توسل «الحسم النهائى»، عبر اللجوء إلى أسلحة الدمار الشامل، ولو فى نطاقها التكتيكى.