التجربة البرازيلية.. وإجراءات الضرورة فى 2030 - صفاء عصام الدين - بوابة الشروق
الإثنين 26 أكتوبر 2026 10:16 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

التجربة البرازيلية.. وإجراءات الضرورة فى 2030

نشر فى : الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 9:20 م | آخر تحديث : الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 9:20 م

بينما كنا نتابع من القاهرة مباراة انتخابية أشبه بمباراة بينج بونج، يتبادل فيها المرشحان الضربات والأصوات حتى اللحظات الأخيرة، كانت البرازيل تحبس أنفاسها فى انتظار نتيجة الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، التى حسمها لولا دا سيلفا لصالحه، ليعود إلى القصر الرئاسى لولاية جديدة.
لم تكن النتيجة وحدها هى ما يستحق المتابعة، ربما كانت المنافسة أشد شراسة بين لولا دا سيلفا الرئيس الحالى، الذى كاد يفقد مقعده أمام منافسه السيناتور اليمينى فلافيو بولسونارو، انتزع دا سيلفا الفوز بفارق ضئيل فى جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية التى ظلت احتمالاتها مفتوحة، حتى حسمتها صناديق الاقتراع.
فى القاهرة، تبدو الصورة مختلفة، فبينما يتحدث الرئيس عبد الفتاح السيسى عن عدم المساس بالدستور، ويشير إلى نهاية فترة حكمه فى 2030، ويقترح آليات لاختيار المرشحين والشروط الواجب توافرها فيهم، لا تزال غالبية الأحزاب السياسية غارقة فى صمتها، دون نقاش عام واضح بشأن الاستعداد لانتخابات 2030، أو الضمانات اللازمة لانتقال سياسى حقيقى، أو حتى شكل المنافسة التى ستشهدها الانتخابات والتجربة الجديدة على المصريين بعد أقل من أربع سنوات.
يسعى الرئيس إلى رسم ملامح أول انتقال سلمى للسلطة، لكن غالبية الأحزاب الموالية، لم تُظهر تحركًا سياسيًا يتناسب مع أهمية المرحلة المقبلة، حتى الآن. فهذه الأحزاب، التى تمتلك حضورًا واسعًا فى الشارع وشبكات تنظيمية ممتدة، اعتادت الظهور عبر أنشطة العمل الخيرى وتقديم المساعدات، والتبرع للمدارس والمستشفيات، وتنظيم معارض لبيع السلع الغذائية والأدوات المدرسية بأسعار مخفضة، لكن لم يتحول هذا الحضور إلى دور سياسى واضح فى مناقشة شكل المرحلة المقبلة، أو طرح تصورات بشأن الاستحقاق الرئاسى فى 2030، أو على الأقل إصدار بيانات رسمية تدعم رؤية الرئيس، وكأن هذه الأحزاب لم تلتقط بعد الإشارة السياسية التى يحملها الحديث عن نهاية الفترة الرئاسية الحالية.
من جهة أخرى، جاء أول تفاعل سياسى من جانب المعارضة من حزب العدل، الذى أصدر مكتبه السياسى بيانًا يثمن فيه موقف الرئيس، وشدد على أن المرحلة المقبلة تفرض على الأحزاب والقوى السياسية مسؤولية مضاعفة فى إعداد القيادات، وتأهيل الكوادر، وبلورة البرامج والرؤى القادرة على تحمل أعباء المستقبل، بما يجعلها شريكًا أصيلًا فى بناء الجمهورية وتعزيز مؤسساتها، ويوضح العدل فى رؤيته أن السنوات الأربع المقبلة لا ينبغى أن تتحول إلى مرحلة انتظار لانتقال السلطة، وإنما إلى مرحلة تأسيس سياسى ومؤسسى لاستحقاق عام 2030، تستكمل فيها الدولة مسيرة البناء والإصلاح، وتتسع فيها مساحات المشاركة والتعددية، وتتهيأ فيها الأحزاب لمنافسة ديمقراطية جادة، يكون الاحتكام فيها إلى الشعب وحده وفقًا للدستور والقانون.
ومن معسكر المعارضة أيضًا، تفاعلت الحركة المدنية الديمقراطية مع حديث الرئيس، وثمنت تصريح عدم المساس بالدستور، لكن الحركة التى تحاول الآن تفعيل دورها من خلال الدفع بقيادات من جيل الوسط، وضعت مجموعة من النقاط التى ربطتها باحترام الدستور، داعية لتوسيع المجال العام أمام الأحزاب والنقابات والإعلام ومنظمات المجتمع المدنى، كما أكدت الحركة أن على القوى المدنية المعارضة، البدء فورًا فى الاستعداد لخوض الانتخابات الرئاسية فى 2030، من خلال بلورة برنامج إصلاحى ديمقراطى وطنى يفتح الطريق أمام تأسيس دولة مدنية ديمقراطية حديثة، تقوم على سيادة القانون وتداول السلطة واحترام الحقوق والحريات، ويستهدف تحولًا حقيقيًا فى العلاقة بين الدولة والمجتمع.
المسار الذى يرسمه الرئيس ربما يضمن بعد أقل من ثلاث سنوات انتقالًا سلميًا للسلطة، لكنه ليس بالضرورة أن يكون مبنيًا على تحول ديمقراطى وهو ما يجب على القوى المعارضة وعلى الدوائر السياسية المختلفة العمل عليه ومناقشته خلال الأشهر المقبلة.
قد لا تكون السلطة قادرة الآن، على اتخاذ خطوات تجاه الديمقراطية وسط أزمات عدة تواجهنا على المستوى الإقليمى، شرقًا وغربًا وجنوبًا، أو على مستويات مرتبطة بوجود جماعات إرهابية ما زالت لديها مخططات للوصول للسلطة أو إسقاط الدولة، لكن فى الوقت نفسه، يجب أن تعيد السلطة حساباتها ففتح المجال العام وحرية الصحافة وتداول المعلومات وتفعيل دور المجتمع المدنى قد يتيح لنا تجربة فريدة تحمى المجتمع من المخاطر الخارجية، وتعزز تماسكه، فلا نكون فى 2030 أمام استحقاق دستورى فقط، لكن يؤسس الرئيس قواعد أكثر انفتاحًا للمنافسة السياسية، وإعادة بناء المجال العام، وخلق تقاليد ديمقراطية تستمر بعد انتهاء الانتخابات، فالتحدى الحقيقى ليس فقط أن تنتقل السلطة من رئيس إلى آخر، فيجب أن تكون عملية انتقالها نفسها محكومة بقواعد واضحة، ومنافسة حقيقية، ومؤسسات قادرة على ضمان استمرارها.
كشفت الانتخابات البرازيلية عن قدرة المنافسة الحقيقية على إبقاء النتيجة مفتوحة حتى اللحظات الأخيرة، فى ظل تكافؤ الفرص بين المرشحين، أما فى مصر، فيظل السؤال الأهم: ما الذى يجب أن يتغير قبل 2030، وما إجراءات الضرورة التى يجب على السلطة والقوى السياسية اتخاذها لضمان انتقال سياسى لا يقتصر على الالتزام بالموعد الدستوري؟ فهل يمكن التوافق على قواعد تضمن منافسة حقيقية، وتفتح المجال أمام خيارات متعددة، وتمنح الناخبين حرية الاختيار؟

 


كاتبة وصحفية متخصصة فى الشأن السياسى والبرلماني

صفاء عصام الدين كاتبة وصحفية متخصصة في الشأن السياسي والبرلماني
التعليقات